السبت 25 فبراير 2017 2:34 ص القاهرة القاهرة 14°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في حالة استفتاء الشعب على ضم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بم ستصوت؟

القاهرة: مدينتى وثورتنا (١٩)

نشر فى : الخميس 4 يونيو 2015 - 8:25 ص | آخر تحديث : الخميس 4 يونيو 2015 - 8:25 ص

الموجة الأولى

الثلاثاء أول فبراير‪،‬ العاشرة مساء

يوم ٢٥، أول أيام الثورة، حين خنق النظام التحرير بالغاز وهاجم الموجات الأولى من المتظاهرين بالعصى والرصاص‪،‬ لجأ البعض إلى البيوت القريبة. صديقتى، السيناريست والناشطة غادة شهبندر، قررت بعد فترة أن تغادر الشقة التى لجأت إليها، فتطوع شاب ــ لاجئ مثلها ــ باصطحابها إلى سيارتها. على السلم قال لها إنه جزار، وإنه صباح ذلك اليوم نظر إلى مجموعة سكاكينه وتفكر. قال: «بس انا قلت احنا فعلا عايزين نخليها سلمية، فماجبتهمش معايا». فى الشارع أمسك بذراعها ليجرى بها إلى سيارتها وأثناء الجرى هاجمتهم مجموعة من البلطجية وأخذوه. تقول «حاولت أفضل ماسكاه، بس خدوه، فى شارع طلعت حرب، كان على الأرض وخمسة نازلين فيه ضرب».

قالت إن كل بضعة أمتار كانت ترى مجموعة ملتفة حول شاب سقط تضربه وتركله.

يوم ٢٨ فوجئ النظام. لم يتوقعوا أن يُهزَموا هزيمة بينة هكذا فى القاهرة، فى السويس، فى الإسكندرية. الآن استجمعوا قواهم وعادوا، ليس بقوات نظامية ولكن بميليشيات البلطجية وبعض من الجنود والمجندين مرتدين ملابس البلطجية. فيما بعد سوف نكتشف أن من منظمى أحداث اليوم أعضاء فى مجلس الشعب عن الحزب الوطنى الديمقراطى.

باستطاعة الجيش ان يوقف كل هذا فى دقيقة. لكنه لا يفعل. فى لحظة ما يرى الناس ضابطا وحيدا يطلق رصاصا فى الهواء.

أنهى حديثى مع التليفزيون البريطانى وأتردد. حرارتى عالية والرعشة وآلام المفاصل أسوأ، لكن معركة التحرير تدور على بعد بضعة أمتار منى، وأسرتى فى الميدان. أسرتى كلها، الصغيرة والكبيرة. كل يقوم بدوره. ولكن لأدخل الميدان على أن أمر من جبهة القتال نفسها. أهاتف عمر مرة أخيرة: «حد محتاج حاجة؟».

«لأ، شكرا».

«طيب. طيب أعمل إيه؟»

«رَوَحى يا ماما. أرجوكى رَوَحى».

جون سنو يمشى معى إلى السيارة. هل من عار جديد تستطيع هذه الحكومة أن تجلبه على نفسها؟ هل يفضل النظام أن يدمر هذا البلد عن أن يرحل؟ هل يفضلون تدمير البلد على أن يرحلوا؟ يوم الإثنين ٧ فبراير سنشاهد جراح القلب الشهير، الدكتور طارق حلمى، يقول فى حوار تليفزيونى إنه ليس من الثوار لكنه ذهب إلى التحرير ذلك المساء لأن ابنه كان فى الاعتصام وكان هو يريد أن يرى الأمور على الأرض بنفسه، رأى مشادة بين من ظنهما مجموعتين من الشباب، فتقدم للتدخل بينهما، وفى اللحظة التى ظن فيها أن المصالحة قد تمت جاءت الحجارة طائرة من الصفوف الخلفية لإحدى المجموعتين. حمى نفسه بصفيحة سور معدنية وراقب الموقف، قال إنه أصبح على يقين أن المجموعتين على حق. قال إن هناك جانبا كان يقاتل بشجاعة أما الجانب الثانى ــ الذى أتت من عنده الحجارة خارقة السلام ــ فكان يجمع بين التوحش والجبن. قال إنه اتصل بمستشفاه وطلب إمدادات طبية فملأ زوج ابنته سيارة بكل ما يحتاجه المستشفى الميدانى وأتى بها سائقا عبر كوبرى قصر النيل فاستوقفه البلطجية واعتدوا عليه بالضرب وفرغوا السيارة. قال إنه فكر أنهم بحاجة للإمدادات، فهم أيضا عندهم جرحى، لكنهم رموا بكل المعدات الطبية والإمدادات ــ رموها كلها فى النيل. قرر وقتها أنه لن يترك التحرير إلى أن تنتصر الثورة.

أعود إلى البيت متباطئة. الشوارع مظلمة. لكنى خرجت وقمت بالعمل المتاح لى. والشباب سيسيطرون على التحرير. إذا انتصرنا ــ نحن المحبين للثورة ــ فى هذه المعركة، فالروح التى سادت فى التحرير سوف تسود فى عموم البلاد. فى الميدان ترى كل لون من ألوان الطيف السياسي؛ اليسار هنا والليبراليون. الإخوان والجماعات والسلفيون، موقف قياداتهم الرسمى أنهم لن ينضموا، لكن شبابهم لم ينصاعوا لهذا القرار وهم أيضا معنا. مجتمعنا غنى مُرَكَب متنوع متعدد، ونحن نعتز بهذا. الشعب هنا سابق لحكومته بدرجات. الشعب خطير. لو تسمع الأطفال فى الشوارع يشرحون لك كيف أن النظام يريد أن يضع مسئولية هذه الثورة على باب الإسلاميين ليبعث الخوف فى قلوب الغرب فيزيدون فى مساندته. لو تستشعر الرغبة فى فعل الخير فى المستشفيات الميدانية بأطبائها المتطوعين – شابات وشبان ــ والأدوية والمعدات يتبرع بها الطيبون. لو ترى الشباب الشجاع بجينزاتهم الساقطة يذودون عن الميدان، عن المتحف، عما كسبه الشعب فى الأسبوع الماضى فى شوارع بلادنا. لو ترى البنات تلوحن وتعلقن اللافتات من الشرفات ــ لأيقنت دون ذرة من الشك أن مصر لابد أن تتحرر من ظلال هذا النظام البغيض، ولابد أن تأخذ مكانها فى الشمس.

الثلاثاء ٣ فبراير

استيقظت فى حالة أفضل كما أن الإنترنت عادت إلى العمل، بطيئة لكنها تعمل. هواتفنا المحمولة تعمل أيضا ــ فى حدود المكالمات، لا نستطيع إرسال الرسائل. الرسائل الوحيدة التى تأتى خلال الهواتف هى من المجلس الأعلى للقوات المسلحة تحثنا على أن نتصرف بمسئولية. الكل يتصل بالكل ليطمئن. البقال يتصل ليسأل إن كنا بحاجة إلى شىءفنطلب خبزا وحليبا وشاى. أنا ولولى نفطر معا، نقرأ الجرائد، أجاوب ــ ببطء ــ على بعض الإيميلات، ثم تأتى المكالمة بأخبار أحمد سيف، زوج اختى ليلى، فأرسل إيميلا أخيرا قبل أن نغادر البيت:

التاريخ الثلاثاء ٣ فبراير ٢٠١١، الساعة الواحدة وخمس دقائق وسبع وأربعين ثانية

صديق موثوق به شاف دلوقتى مجموعة من الناس (عدد من ثمانية إلى إثنى عشر) يأخذونهم من رقم (١) سوق التوفيقية ويدخلونهم ميكروباص مدنيا، وسيارة بوليس حربى واقفة قريب. الناس كانت مضروبة وكان الأمن قايل للشارع إنهم عملاء لإيران وحماس جايين علشان يزعزعوا استقرار مصر، والشارع كان بيهتف ضدهم. (١) سوق التوفيقية مقر مكتب هشام مبارك للمساعدة القانونية ومركز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وشباب ستة ابريل.

زوج اختى المحامى أحمد سيف من مركز هشام مبارك

أرجو إبلاغ كل وسائل الإعلام والمنظمات المعنية الممكنة

أتصل بإسماعيل فى لندن لأتأكد أن الإيميل وصله وأنه سينشره. أتصل بأختى ونتفق على أن نذهب إلى الميدان معا. سنلتقى عند حديقة الأندلس.

نلتقى بأصدقاء وأقارب ومعارف. ليلى تقول إن أحمد سيف نبه عليها بأنه إن حدث أن احتُجِز فعلينا ألا نضيع الوقت فى البحث عنه ولكن على الكل أن يركزوا فى حماية التحرير وفى إنجاح الثورة. كل من يمشى إلى التحرير اليوم يحمل معه شيئا: بطانيات، زجاجات مياه، امدادات طبية، كروت شحن موبايل للمعتصمين. عند منتصف الكوبرى يهاجمنا ثلاثة رجال. نضم على بعض لنكون كتلة بشرية صغيرة. الرجال يحاولون أخذ البطانيات وشنط الإسعافات، يصيحون أننا «لازم نتفتش» وأن هذه الأشياء يجب أن تذهب إلى «مكان رسمى». نصيح أعلى منهم، نصرخ ونصرخ ونحن نقاومهم، هذه أول مرة فى حياتى أرفع صوتى فى الشارع، نتشبث بأشيائنا وببعضنا ونستمر فى التقدم. ليلى تضرب الرجل الذى يحاول السطو على الإمدادات التى تحملها. صبرها أقل حتى من المعتاد اليوم بسبب احتجاز أحمد سيف وزملائه. ليس عندنا أى فكرة إلى أين أخذوهم.

يحاول الرجال انتزاع الإمدادات من أيدينا ويصيحون أننا جواسيس وعملاء فيجرى إلينا نشطاء من الميدان ليساعدونا ونصل إلى الحاجز الذى عاد الشباب لحراسته. مرة أخرى يفتشوننا بمهنية وأدب، الرجال يفتشون الرجال والنساء يفتشن النساء. جنديان من القوات المسلحة يقفان إلى الجانب. يطلب منا ناشط شاب أن نعطى الجنديين بطانيتين، يقول إن الشابين موجودان هنا منذ يومين وليس معهما غطاء. يحجم الجنديان قليلا ثم يأخذان البطانيات. الميدان اليوم هادئ جاد مُصِرٌ غاضب. الشائعات التى تروجها الحكومة وتلويثها لصورة الميدان تؤلم الناس ــ ربما تؤلمهم أكثر حتى من تلك الجراح والكدمات التى نراها على الكثيرين. أن يجرؤ هذا النظام على ادعاء أن المتظاهرين عملاء لإسرائيل وإيران وحماس (الذين استطاعوا فجأة أن ينسوا خلافاتهم ويعملون سويا على زعزعة استقرار مصر) ــ هذا كثير. موضوع الساعة هو هذه الشائعات، وغباوة واستشراق هجوم النظام على الاعتصام ببلطجية على خيل وجمال، وحوادث ضرب وشتم وسرقة سيدات وفتيات أمس بالقرب من الميدان. وأيضا نكرر ونكرس استحالة العودة إلى ما كان.

عندى موعد لعمل حوار تليفزيونى فى السادسة والنصف. أطلب الاستديو فى ٤ شارع الجلاء فيقولون لى إنه مغلق. يقولون «جاءوا إلينا بالعصى والشوم وهددوا أنهم سيكسرون المكان والمعدات إن لم نغلق أبوابنا».

عند موقع الخطوط الأمامية فى معركة الأمس الأرصفة مكسرة، والألواح المعدنية مصفوفة بنظام ــ ربما تدعو الحاجة إليها مرة اخرى. «حَرَص وما تخَوِنْش»: رجال يرقدون على جنازير الدبابات ليمنعوها من التحرك. هُزِم بلطجية النظام وتراجعوا لكنهم يعيدون تجميع أنفسهم على الكوبرى. سلاسل من الشباب مشبوكى الأذرع يحمون مدخل الميدان. المستشفى الميدانى الذى أقيم حين تراجع البلطجية يموج بالحركة والنشاط، أطباء فى بلاطى بيضاء يُغَيِرون على الجروح ويسجلون تفاصيل الحالة. ثلاثة محامين ــ يرتدون أرواب المحاماة ــ يسجلون أقوال الناس. سيدة ترانى أكتب فتحثنى: «إكتبى، إكتبى إن ابنى جوه هناك مع الشباب، إن احنا زهقنا من اللى عملوه فى بلدنا. اكتبى إن النظام ده بيفرق المسلم عن المسيحى والغنى عن الفقير، إنها بقت دولة فساد، إنها جابت الجوع لحد بابنا، أولادنا مذلولين فى الخارج على لقمة العيش وبلدنا خيرها كثير. بتكتبى بالإنجليزي؟ كويس. قوليلهم دى ملحمة وطنية حيعلموها فى المدارس لأجيال. إحنا فى التحرير من يوم الجمعة والميدان كان بيلمع، شوفى عملوا فيه إيه؟ بس بصى، شايفة الميكروباص ده؟ إتناشر بنى آدم وافقين عليه طول الوقت والبانرات ما نزلتش ابدا والعلم ما وقفش ساكت لحظة. الجيش منع الإسعاف تخش بس الدكاترة الشباب دول كانوا بيخيطوا الشباب على الرصيف. إبنى قعدوا ساعة يطلعوا البلى من رجليه وبعدين دخل تانى ــ كل إنسان هنا متحدث بليغ؛ لقد وجدنا صوتنا.

تخلص النظام من أحد أعمدته الأساسية: حبيب العادلى، وزير الداخلية احتجزوه فى منزله. لواء جديد يتولى الوزارة فتصلنا الأنباء أن تسعة وثلاثين شخصا جديدا تم اختطافهم، منهم سبعة من الشباب المنظم للثورة ــ اختُطِفوا من الشارع بعد لقاء مع الدكتور محمد البرادعى. صديقة تعلن علينا أن أعدادا من مسيحيى مصر أعلنوا ثلاثة أيام من الصيام من أجل انتصار الثورة.

أرى ليلى ومعها زميلها الصديق الدكتور هانى الحسينى والدماء تجرى على وجهه. يقول إن الجيش احتجزوه ولم يصدقوا أنه استاذ جامعى وضربوه. يقول إنهم سحبوه إلى المتحف المصرى وأنه رأى هناك شبابا مقيدين ومضروبين. نبدأ فى البحث عن زملاء لنشكل وفدا فنجد صديقين: أحدهما جراح والثانى مهندس. نتجه نحن الخمسة إلى الدبابات المجاورة للمتحف ونطلب أن نقابل الضابط المسئول. ضابط برتبة عميد يأتى للحديث معنا. هو متصلب تماما وينكر بثبات آلى أن هناك أى شىءيحدث فى المتحف. نحاول أن نجد له مخرجا من الموقف بأن نقترح أن ربما هناك أشياء تحدث بدون علمه، لا يعجبه هذا بالمرة، نعرض عليه أن يدخل إلى المتحف ويعود فيعطينا كلمة شرف أن لا احتجاز ولا ضرب ولا تعذيب يحدث بداخله فنصدقه وننصرف. يوافق لكنه لا يتحرك. ألقى عليه خطابا قصيرا حول كرامة الوطن والمبانى ذات الصفة الرمزية والأيقونية الكبيرة وحجم العار أن تكون القوات المسلحة المصرية تقوم بتعذيب الناس داخل المتحف المصرى فأرى وجهه يزداد جمودا ثم يقول إنهم ليسو داخل المتحف بل فى حديقته! نتركه ونذهب إلى المستشفى الميدانى ونقدم بلاغا للمحامين هناك.

كانوا بالفعل يستعملون المتحف كمكان للاحتجاز، وكانت القوات المسلحة تسىء معاملة الشباب داخله. رامى عصام، الذى سوف يشتهر بأغانيه وقيثارته فى التحرير، خرج من المتحف وظهره مثخن بعلامات الضرب والحرق. رامى خرج لكن كثيرين ذهبوا من المتحف إلى المحاكمات العسكرية وهم موجودون الآن بالسجون.

التعليقات