السبت 22 سبتمبر 2018 12:32 ص القاهرة القاهرة 25.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

قـراء أوفياء لصحيفتهــم

نشر فى : الأربعاء 4 يوليو 2012 - 8:35 ص | آخر تحديث : الأربعاء 4 يوليو 2012 - 8:35 ص

قررت إدارة صحيفة «تايمز ــ بيكايون» اليومية التى تصدر فى مدينة نيو أورليانز فى ولاية لويزيانا بجنوب الولايات المتحدة تخفيض عدد أيام صدورها والاستغناء عن خدمات ثلث عدد محرريها. تقول الشركة التى تمتلك الصحيفة إن الهدف من التغييرات المزمع تنفيذها هو نقل الصحيفة إلى عصر جديد، العصر الرقمى.

 

يبدو أن ملاك الصحيفة اتخذوا قرارهم بناء على اعتبارات ربحية دون أن ينتبهوا إلى أن هناك طرفا آخر شريكا فى العملية الصحفية، وهو القارئ. تبدأ هذه الشراكة فى اللحظة التى يفكر فيها جماعة من أصحاب المال إصدار صحيفة لقارئ تخيلوه صاحب دخل معقول وحاصلا على حد أدنى من التعليم وربما قاطنا لحى سكنى معين. وتأكدت الشراكة مرتين، تأكدت حين دفع القارئ مقابلا ماديا ليقرأ الصحيفة وتأكدت مرة أخرى حين قرر المواظبة على شرائها أو الاشتراك فيها.

 

كانت نتيجة عدم انتباه ناشر الصحيفة لضرورة استشارة القارئ قبل اتخاذ قرار على هذا القدر من الأهمية أن خرج إلى شوارع المدينة المئات من المتظاهرين يحتجون على التغييرات التى فرضتها ادارة الجريدة. اعتصم البعض أمام مقر الصحيفة وجال بعض آخر على البيوت والمكاتب والمحال يجمع التوقيعات على بيانات استنكار ورسائل استعطاف. ولم يفت على قراء آخرين عقد الندوات وحلقات النقاش وإلقاء المحاضرات فى الجامعات والمدارس.

 

●●●

 

ما لا نعرفه، ولم يعرفه كثيرون خارج مدينة نيو أورليانز، هو أن «التايمز ــ بيكايون» بالنسبة لسكان هذه المدينة ليست صحيفة عادية، وأن العلاقة التى ربطت بين القراء والصحيفة تجاوزت حدود الشراكة المألوفة بين قارئ وصحيفته المفضلة. نذكر، ولا شك، إعصار كاترينا الذى دمر مدينة نيو أورليانز قبل أن يغرقها. أهل المدينة يذكرون الخراب الذى وقع والناس الذين دفنوا فى طمى الفيضان والأوبئة التى أهلكت الماشية والأطفال. ولكنهم يذكرون أيضا ما لم نكن نعرف حتى وقت قريب وهو أن صحيفة «تايمز ــ بيكايون» لعبت دورا مشهودا فى تلك الأيام العصيبة. لعبت دورا يعود إليه الفضل فى لم شمل السكان الهائمين على وجوههم غداة الإعصار وحثهم على عدم مغادرة المدينة. يذكرون كيف نسقت الصحيفة جهود الإغاثة وساعدت الفقراء الذين فقدوا منازلهم ونشرت الأخبار والقصص والتحقيقات عن كوارث مشهودة انتصر عليها الناس وأعادوا البناء.

 

●●●

 

انتشر خبر قرار الشركة إدخال التغييرات حين أذاعته صحيفة نيويورك تايمز. وقبل أن تمض ساعة على إذاعة الخبر تحرك الممثلون والمطربون واحتج الموسيقيون الذين جعلوا مدينة نيو أورليانز رمزا لعظمة موسيقى السود وأغانيهم فى أمريكا. وعلى امتداد الأيام التالية توافد المئات على مقر الجريدة وفروعها يتبرعون بمبالغ متفاوتة من المال، واستعد مندوبو الفضائيات ووكالات الأنباء لتصوير هذه القصة الفريدة فى تاريخ الصحافة الأمريكية. تحدث متبرعون فقالوا إنهم أحسوا بالرغبة فى أن يردوا للمحررين وللصحيفة بعض الدين الذى ظل فى عنق المدينة منذ وقت الإعصار. لم ينسوا تضحيات المحررين والإداريين من أجل انقاذ المدينة من تحت الأنقاض وتقديم المعونة لهم وقت كان كل مواطن فى نيو اورليانز لا يعرف أين يذهب وكيف سيعيش.

 

قالت سيدة عجوز كانت تقف فى طابور طويل لتقدم جزءا من مدخراتها لإنقاذ الصحيفة، «كلنا مصدومون، ما أفعله الآن هو رد فعل صادر من قلبى». قال رجل أسود «أنا وآلاف غيرى من محبى هذه المدينة نعطى الفضل لهذه الصحيفة فى إعادة بناء نيو أورليانز جوهرة الجنوب الأمريكى ومهد تاريخ الأمريكيين الأفارقة». ذكر آخر كيف قام المحررون والإداريون بجمع وتنشيط أعضاء منظمات المجتمع المدنى وتقديم التسهيلات اللازمة لهم لاداء عملهم. «شعرنا وقتها أن «التايمز ــ بيكايون» شريك لنا».

 

●●●

 

أمام هذا الضغط الشعبى، اجتمع ممثلو وكالات الإعلان وقرروا الانضمام إلى المواطنين فى الطلب المقدم منهم إلى الشركة للعودة عن قراراتها والمحافظة على الصحيفة باصدارها اليومى المعتاد. قال أحد المعلنين الكبار إن «الصحيفة رصيد للمدينة ولنا ولن نتخلى عنها فى أزمتها». كذلك أعلن صاحب سلسلة مطاعم شهيرة فى المدينة أنه طلب من الطباخين ابتكار أطباق جديدة تحمل اسم الصحيفة وتخصيص دخلها مساهمة للصحيفة. وأعلن صاحب سلسلة مقاهى تخصيص دخل ساعتين من ساعات الذروة إلى الصحيفة. «نريد مساعدتها كما ساعدتنا. نحن هنا لأن الصحيفة طلبت منا عدم الرحيل أثناء اعصار كاترينا».

 

●●●

 

مدينة أحبت صحيفتها ولا تريد لها أن تتغير. تحبها لأنها دافعت عن مصالح غالبية سكانها ولأنها وقفت إلى جانبهم وقت الأزمة. صحيفة أحبت مدينتها وأخلصت فى حبها لها لأنها عاشت مع المدينة أحلى أيام رخائها وأتعس أيام بؤسها وأحزانها. صدحتا معا على امتداد عقود بأجمل أغانى الفرح وأروع أغانى الحزن. لن أراهن على مستقبل هذه الصحيفة الرائعة ومستقبل هذا الحب العظيم، فأنا أول من اعترف بأن التقدم على صعيد التحول نحو الصحافة الرقمية كاسح، ولن يعيق تقدمه شعور بالحب المتبادل بين صحيفة وقرائها مهما بلغ نبله وكانت عظمته.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.