الجمعة 21 سبتمبر 2018 6:48 م القاهرة القاهرة 30°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

قناة السويس .. والشراكة مع المجتمع

نشر فى : الثلاثاء 4 أغسطس 2015 - 7:45 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 4 أغسطس 2015 - 7:45 ص

من حق الشعب المصرى أن يسعد ويحتفل بانتهاء مشروع قناة السويس، فالإنجاز كبير بلا شك، وقد تحمس له الناس منذ البداية وساهموا فى تمويله بإقبال غير مسبوق، كما أن إنهاءه فى الوقت الضيق الذى كان محددا له أصبح مصدرا للشعور بأن البلد يمكنه مواجهة المهام والتحديات الصعبة لو توافر الإخلاص والعزيمة والتأييد الشعبى. وفى تقديرى أن هذه الثقة بالقدرة على الإنجاز هى السبب الرئيسى لاحتفاء المصريين بالمشروع وفخرهم بانتهائه، كما أنه درس مهم عن أهمية المشاركة الشعبية والدعم الجماهيرى كشرط أساسى لنجاح السياسات والبرامج الحكومية.

ولكن لكى يستمر هذا الحماس والتأييد الشعبى فلابد من التعامل مع الشعب المصرى باعتباره شريكا حقيقيا، ليس فى هذا المشروع وحده، وإنما فى كل الملفات التى تشغل الدولة والتحديات التى تواجهها. وفى هذا المجال فلدى ثلاثة اقتراحات محددة:

الاقتراح الأول يتعلق بمشروع قناة السويس والمعلومات المتاحة عنه. فقد اعتمدت الدولة على حماس الناس وثقتهم فيمن ينفذون هذا المشروع العملاق، فلم تبذل الجهد الكافى لاطلاع الرأى العام على معلومات ودراسات كافية يمكن الاعتماد عليها والرجوع إليها عند الاختلاف. وقد ترتب على ذلك فتح الباب على مصراعيه للمبالغات فى كل اتجاه، من المنتقدين والمؤيدين على حد سواء. وهذا وضع يمكن تداركه إذا ما بادرت الحكومة، بمناسبة الاحتفال بانتهاء حفر القناة الجديدة، بتصحيح هذا الغموض والإعلان عن التكلفة الإجمالية للمشروع، وبنود الإنفاق الرئيسية، والعوائد المتوقعة خلال الأعوام المقبلة، والأسس والافتراضات التى تستند إليها هذه التقديرات. هذا إفصاح مطلوب لقطع الطريق على المزيد من الإشاعات، وكذلك للحد من الإفراط فى التفاؤل عند تقدير نتائج المشروع وآثاره الإيجابية حتى نتجنب رفع التوقعات إلى الحدود التى لا يمكن الوفاء بها.

أما الاقتراح الثانى فيخص المشروع المصاحب للقناة، والذى لا يقل عنها أهمية بل يزيد، وأقصد بذلك مشروع تطوير المنطقة المحيطة بقناة السويس والذى ينتظر أن يعلن رئيس الجمهورية عن بدء تنفيذه بمناسبة انتهاء مشروع المجرى الملاحى الجديد. نحن هنا أمام فرصة حقيقية لتحقيق طفرة فى الاقتصاد المصرى، وفتح الباب أمام استثمارات جديدة وهائلة فى مجالات الصناعة والتخزين والخدمات اللوجستية والسياحة، وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة ترتبط بأنشطة اقتصادية واعدة وليس مجرد مدن فى الصحراء، وتوفير ملايين فرص العمل للشباب فى مختلف المجالات. ولكن كل هذا لن يتحقق بمجرد الإعلان عن تقسيم هندسى للمنطقة، ولا باستصدار قانون جديد يقدم بعض المزايا الإضافية للمستثمرين، كما أن آخر ما نريده هو أن يتم تخصيص المناطق الصناعية واللوجستية الجديدة إلى مجموعة محدودة من الشركات الكبرى بالأمر المباشر من منطلق السرعة والكفاءة. هذا موضوع يحتاج لمشاركة المجتمع بأسره فى فهمه وتقديره والاقتناع به، وفى الاطمئنان إلى اهتمام الدولة بجميع جوانبه الاجتماعية والبيئية، والتعرف من البداية على مصادر تمويله، والتحقق من أن تنفيذه يجرى فى إطار من الشفافية والتنافسية فى توزيع الفرص والأراضى والموارد. لا نريد لهذا المشروع أن يتحول ــ كما حدث فى مشروعات عملاقة فى الماضى ــ إلى مناسبة جديدة لاستغلال النفوذ والمعلومات والقرب من الدولة، واستبعاد جموع المصريين من التمتع بثماره. تطوير منطقة قناة السويس هو مشروع المستقبل لمصر، ونجاحه يتوقف على التزام الدولة بقواعد جديدة من الشفافية والحوكمة والشراكة المجتمعية.

وأخيرا فإن الاقتراح الثالث يتعلق بكيفية التعامل مع الملفات والتحديات الكبرى التى تواجه البلد بشكل عام، خصوصا أن الإعلام يبشرنا بالاعلان عن عدة مفاجآت كبرى خلال الاحتفال بمشروع قناة السويس. المفاجآت جميلة ومفرحة، ولكن حان الوقت لكى تنتقل الدولة من أسلوب مفاجأة الشعب بمشروعات وقوانين ومبادرات وبرامج فى مختلف المجالات، ولو كانت إيجابية وتحقق الصالح العام، إلى أسلوب الشراكة والحوار والترحيب بمختلف الآراء والاستعداد للرد على التساؤلات والاستجابة للمقترحات. الحكم بالمشاركة ينطوى بالتأكيد على جهد كبير فى التفاعل مع الرأى العام، وعلى تأخير فى التنفيذ، وعلى التفاعل مع ردود فعل متنوعة وأحيانا معارضة، ولكن نتيجته أن يكون الشعب مشاركا فى صنع القرار ومتحملا مع الحاكم لمسئوليته النجاح أو الفشل ومدافعا عن جهد الدولة فى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. الطبيعى أن يكون البرلمان هو ساحة مناقشة هذه السياسات والبرامج والقوانين، ولكن إلى أن يصبح لدينا برلمان منتخب فيمكن التواصل مع المنظمات والأحزاب والنقابات والجامعات التى تذخر كلها بخبرات ومعارف يحتاجها البلد. الشراكة مع المجتمع فى وضع السياسات والبرامج ومتابعة تنفيذها عملية مرهقة ولكن عوائدها تستحق الجهد.

***
خالص التهنئة بانتهاء مشروع قناة السويس، ووافر التقدير لكل من ساهموا فى تنفيذه بإخلاص وحماس.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.