السبت 24 فبراير 2018 11:56 ص القاهرة القاهرة 21°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقامة مناظرة بين المرشحين للانتخابات الرئاسية عبدالفتاح السيسي وموسى مصطفى موسى؟

من الانبهار إلى التشكيك – الاتحاد الأوروبى فى زمن الشعبوية

نشر فى : الجمعة 5 يناير 2018 - 8:55 م | آخر تحديث : الجمعة 5 يناير 2018 - 8:55 م
تجددت، على وقع النجاحات الانتخابية المتتالية لأحزاب اليمين المتطرف فى بلدان الاتحاد الأوروبى، نقاشات الأوروبيين حول كلفة اندماجهم القارى فى مرحلته الاتحادية الراهنة وحدود «مبدأ التضامن» الناظم للعلاقة بين أغنياء القارة، مقدمى المساعدات فى الشمال والغرب، بفقرائها، متلقى المساعدات فى الجنوب والوسط والشرق.

أوروبيا، مثل تفعيل مبدأ التضامن الأساس الأخلاقى والسياسى لمصداقية وعد الاندماج القارى وقدرته على تحقيق السلام والرخاء الاقتصادى لكل بلدانها. خلال العقود الماضية، تمايزت نقاشات الأوروبيين واختلفت من بلد إلى آخر وفقا لعوامل كموقع المجتمع المعنى على سلم الغنى والفقر الأوروبى. فتذمر عادة أغنياء الشمال والغرب من أعباء الاتحاد المالية، بينما عبر أوروبيو الجنوب والوسط والشرق عن شهية غير محدودة لتلقى المساعدات الاقتصادية والمالية والنظر إليها كحق طبيعى يشرعنه مجرد الانتماء الجغرافى لأوروبا. غير أن الأمر اللافت للنظر اليوم، وكما يستدل من اتجاهات الرأى العام فى معظم المجتمعات الأوروبية، هو ذيوع نظرة بالغة السلبية لأوروبا تحوى الكثير من التشكيك الجوهرى فى جدوى الاتحاد ومستقبل مسارات الاندماج القارى. وبات أغنياء وفقراء القارة الأوروبية يلتقون على تلك النظرة السلبية، والتى صارت تجتذب إلى خاناتها أيضا قطاعات سياسية واسعة يمينا ويسارا. ولا شك فى أن التحول الراهن فى اتجاهات الرأى العام الألمانى تجاه الاتحاد الأوروبى، وترجمته المباشرة فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، يقدم إشارات بالغة الوضوح بشأن تراجع الفكرة الأوروبية. 

***

فعلى مستويات مجتمعية وحكومية متعددة، استقرت فى ألمانيا لفترة طويلة نظرة إيجابية لأوروبا رأت بمسار الاندماج القارى فى لحظات البداية (خمسينيات القرن العشرين) ضمانة وحيدة لإعادة ألمانيا فى شطرها الغربى إلى أوروبا والتجاوز التدرجى لهمجية النازية باتجاه بناء علاقات سلام وتعاون مع الجوار، وصاغت فى مرحلة ثانية (سبعينيات القرن العشرين) رابطة سببية مباشرة بين الاندماج والحفاظ على الرخاء الاقتصادى والاجتماعى للمجتمع الألمانى. ثم تطورت بعد وحدة الألمانيتين (تسعينيات القرن العشرين) لتجمع بين رابطة الاندماج ــ الرخاء وبين قراءة للفكرة الأوروبية والتزام ألمانيا بها كأداة لتهدئة مخاوف الجوار من صعود ألمانيا الموحدة بقوتها الاقتصادية المستمرة ووزنها الجيواستراتيجى الجديد وكمدخل لاستكمال التوحد القارى بدمج مجتمعات وسط وشرق أوروبا القريبة تاريخيا وثقافيا من المجتمع الألمانى.

واتسمت الحياة السياسية الألمانية فى المقارنة القارية، وباستثناء تيارات اليمين المتطرف التى كانت محدودة الأهمية على صخبها وفصائل اليسار المتطرف التى رفضت الانخراط فى السياسة وتورط بعضها فى ممارسات عنف، اتسمت بالتزام الأحزاب الكبيرة بعدم المزايدة على الفكرة الأوروبية وتبنى خطاب عقلانى علنى يشرح للمواطنين المزايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكثيرة للاندماج القارى ويعول عليها لتبرير الكلفة المادية التى تتحملها ألمانيا كالممول الأول للمؤسسات الأوروبية والمدافع الأول عن تفعيل مبدأ التضامن مع المجتمعات الأوروبية محدودة النمو والقدرة الاقتصادية بدعمها ماليا، فى سبعينيات القرن العشرين اليونان وإسبانيا والبرتغال ثم منذ التسعينيات بلدان وسط وشرق أوروبا. فمنذ خمسينيات القرن العشرين تناوب الحزبان الكبيران، المسيحى الديموقراطى والاشتراكى الديموقراطى، على شغل مقاعد الحكم والمعارضة وامتنعا بمسئولية سياسية وبغض النظر عن حسابات المنافسات الانتخابية المتكررة بينهما وبمعزل عن صخب اليمين واليسار المتطرف، عن التعامل الشعبوى مع كلفة الاندماج القارى. وسمح ذلك بصعود الفكرة الأوروبية لتصبح عنوان التزام أخلاقى واستراتيجى للمجتمع والدولة فى ألمانيا لا يقبل التراجع والتشكيك.

وترجمت اتجاهات الرأى العام، خاصة بين السبعينيات ومنتصف التسعينيات، عقلانية ومسئولية النخبة السياسية الألمانية إلى تأييد مستمر من جانب أغلبية واضحة ومستقرة بين المواطنين الألمان للاندماج القارى، وإلى ذيوع نظرة إيجابية لأوروبا وللهوية الأوروبية كسياق جمعى جديد تعاطت معه أغلبية الألمان بقبول بل وبإقبال بين.

إلا أن أحداث العقد الأول من الألفية الجديدة، وهى دفعت إلى الواجهة الأوروبية بأزمات اقتصادية ومالية عصفت ببلدان كاليونان والبرتغال وإسبانيا وايرلندا وهددت استقرار العملة الأوروبية الموحدة، أسفرت عن تغيير جذرى فى اتجاهات الرأى العام الألمانى بشأن أوروبا بحيث لم يعد بها من إيجابياتها السابقة سوى القليل. وأطل منذ الأزمة اليونانية فى ٢٠٠٨ شبح الشعبوية المشككة من بين ثنايا سياسات ومواقف وخطابات الأحزاب السياسية الرئيسية بشأن الاندماج القارى ومجمل الفكرة الأوروبية. ثم تصاعدت الشعبوية الألمانية المشككة فى أوروبا خلال السنوات القليلة الماضية على وقع النجاحات الانتخابية والسياسية المتتالية لليمين المتطرف (على مستوى الولايات أولا ومنه إلى المستوى الفيدرالى)، وتوظيف اليمين المتطرف لخليط من الأفكار العنصرية والقومية الألمانية للترويج لنظرة سلبية بشأن الاتحاد الأوروبى. وتواكب ذلك مع انتشار «التشكيك فى أوروبا» قاريا، من الخروج البريطانى من الاتحاد إلى وصول سياسيين شعبويين إلى المواقع التنفيذية الأولى فى بعض بلدان وسط وشرق أوروبا.

***

فوفقا لقياسات واستطلاعات الرأى العام الأخيرة التى أجرتها صحف ومراكز بحثية ألمانية، يشعر ثلثا المواطنين بأن كلفة وسلبيات الاندماج القارى باتت تطغى على عوائده الإيجابية وأن الحكومة الألمانية قد تنازلت عن الكثير من سلطاتها لمؤسسات أوروبية بيروقراطية وفاسدة على نحو أضحى يهدد رخاء ومصالح المجتمع الألمانى. وفى حين يسجل أيضا ثلثا المواطنين رفضهم استمرار ألمانيا فى تقديم مساعدات اقتصادية ومالية «سخية» لبلدان كاليونان ويرادفوا بين إجراءات كهذه وبين الاتهام باللامسئولية السياسية والتعامل باستهتار مع أموال دافعى الضرائب الألمان، يتراجع التأييد الشعبى للعملة الموحدة اليورو إلى أدنى مستوياته ليسجل معدلات حول حد الخمسين بالمئة فقط. وبذلك، تنقلب النظرة السلبية للاتحاد الأوروبى من معبرة عن قناعات أقلية صغيرة إلى موقف أغلبية تبلغ نسبتها فى بعض الاستطلاعات 55 بالمئة.

حكوميا أيضا، وجدت الشعبوية المشككة فى أوروبا طريقها إلى المواقف والخطابات الرسمية. خلال السنوات الماضية، تواتر حديث رسميين ألمان عن ألمانيا لن تقبل أن يتحول اقتصادها إلى «الممول الأول» لإخفاقات شعوب أوروبية غير منتجة ولا أن يصبح دافعو الضرائب من المواطنين الألمان «ضحايا» للسياسات الاقتصادية والمالية لبعض الحكومات الأوروبية. بل وروج بعض السياسيين النافذين فى الأحزاب السياسية الرئيسية، خاصة الحزب المسيحى الديمقراطى وشقيقه الجنوبى الحزب المسيحى الاجتماعى، لقراءة شعبوية وقومية تعلن عن تخوفها على مصير «مدخرات الألمان وإنتاجية وحيوية اقتصادهم العالية» إزاء سيطرة البيروقراطية الأوروبية وتورطها فى إعادة توزيع حصاد الاقتصاد الألمانى على أوروبيين «كسالى» لا يستحقون. وفى أجواء سياسية كهذه، لم يكن بغريب أن يحصد اليمين المتطرف ممثلا بحزب البديل لألمانيا 12.6 بالمائة من أصوات الناخبين فى الانتخابات البرلمانية ٢٠١٧ ويحصل من ثم على ٨٠ مقعدا فى البرلمان الفيدرالى الجديد. فقد أدار حزب البديل لألمانيا حملته الانتخابية مشككا فى أوروبا ومروجا لوهم «ألمانيا الضحية» وناشرا لكراهية الأجانب ولمقولات عنصرية وقومية فجة.

لا يبتعد بقية الأوروبيين كثيرا عن التحول السلبى الطارئ على اتجاهات الرأى العام الألمانى، ولا تختلف حكوماتهم عن الحكومة الألمانية فى ترددها الراهن حيال الفكرة الأوروبية وتمثلها لشىء من الشعبوية فى التعامل مع سياسات الاندماج القارى. وأيا ما كان الأمر، فإن الاختبار القاسى الذى يتعرض له الاتحاد الأوروبى على وقع التقلبات الاقتصادية والمالية والسياسية فى بلدان القارة مرشح للاستمرار لفترة طويلة قادمة.

 

عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات