السبت 17 نوفمبر 2018 3:26 ص القاهرة القاهرة 18.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

مشكلة هذا البرلمان

نشر فى : الثلاثاء 6 مارس 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 6 مارس 2012 - 8:00 ص

هناك شعور عام فى البلد بعدم الرضا عن أداء مجلس الشعب خلال الأسابيع القليلة الماضية، وهو شعور منتشر بدرجات متفاوتة، ولكن يكاد يكون مشتركا بين مختلف التيارات السياسية. اعتقادى أن هذا موقف مبكر أكثر من اللازم، وأنه لا تزال هناك فرصة لكى يصحح المجلس من أدائه ويحقق للناس ولو جانبا من توقعاتهم. ولكن لن يتحقق ذلك إلا بفهم سبب الأداء المضطرب للمجلس فى بدايته، وما دفع الناس للسخط المبكر عليه ــ وذلك من وجهة نظرى ــ أربعة أسباب رئيسية:

 

السبب الأول: أن المجلس بدأ عمله فى ظل توقعات مبالغ فيها بشأن ما يمكن له أن يحققه. فقد رأى الناس فى برلمان الثورة الجهة الوحيدة المنتخبة بقدر من الشرعية والمصداقية، فاعتبروا أنه صار بيده ومن واجبه أن يتصدى لحل كل المشاكل، متجاهلين أنه سلطة تشريع ورقابة وليس سلطة تنفيذية، وبالتالى فليس بيده حل مشاكل الناس مباشرة، وإلا كان متدخلا فى أعمال السلطة التنفيذية ــ أى الحكومة وأجهزة الدولة ــ ومغتصبا لها. مجلس الشعب مهمته الأولى هى التشريع، والثانية هى الرقابة على أعمال الحكومة، وهو بهذا المعنى له دور كبير فى حل مشاكل الناس من خلال القوانين والسياسات اللازمة، ولكن ليس بالتصدى لها مباشرة. وفى تقديرى أن هذه المبالغة فى التوقعات كان بعضها بحسن نية راجعا إلى الحماس المصاحب لإجراء انتخابات نيابية حرة، ولكن أن كثيرا منها كان بسوء نية وبغرض «توريط» المجلس الجديد ووضعه فى مواجهة الناس بما يخفف من الضغط على الحكومة وعلى المجلس العسكرى، وبما يجعله مسئولا عن مشاكل تنفيذية ليست فى الأصل من اختصاصه.

 

السبب الثانى: أن حزب الأغلبية بدا فى الأيام الأولى للمجلس كما لو كان متعاليا على الأحزاب الأخرى وشديد الزهوة بالانتصار، بينما الناس صار لديهم حساسية شديدة من أية بوادر لاحتكار السلطة أو لإقصاء القوى السياسية الأخرى، وصاروا يتطلعون إلى أسلوب جديد للعمل البرلمانى يقوم على التعددية الحقيقية وعلى احترام حقوق الأقلية السياسية. ومع ذلك فالحق يقال إن رئيس المجلس وقيادات حزبه قد نجحوا بسرعة فى إدراك هذه المشكلة والتفاعل معها وفى تغيير مسلكهم وأسلوب تعاملهم مع الأحزاب والقوى السياسية الأخرى بذكاء وحسن تقدير لما ينتظره الناس اليوم من حزب للأغلبية، وكان لذلك أثر واضح ومباشر على عمل المجلس.

 

أما السبب الثالث: فهو أن المجلس ورئيسه قد سقطا فريسة للوائح داخلية عقيمة وإجراءات ونظم لا تسمح بإنجاز أى شىء، بل يكاد يكون المقصود منها هو أن يظل المجلس «مكلمة» لا تنتج ولا تنجز لأن نظام عملها بأكمله تم بناؤه على هذا الأساس. وهنا تكمن المشكلة الرئيسية: فرئيس المجلس يتمسك بتطبيق اللائحة الداخلية حرصا على المشروعية وعلى ألا يعترض أحد على مخالفته لها أو للنظام الرسمى للعمل، ولكنه يرسخ بذلك من جهة أخرى من تراث الكلام غير المنتج، فيتحول كل استجواب أو طلب إحاطة إلى حوار لا ينتهى بشىء محدد، وكل قضية كبرى إلى لجنة تحقيق أو تقصى حقائق، وكل قضية عامة إلى سجال لا نتيجة واضحة له، وفى النهاية فلا قانون يصدر، ولا قرار يتم التوصل إليه، لأن مطحنة الإجراءات واللوائح الداخلية لا تترك فرصة لأى من ذلك. والقضية أخطر من مجرد تضييع الوقت فى الكلام، بل يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة للغاية. فلو استمر النواب عاجزين عن التفاعل مع القضايا العامة والتشريعات المطلوبة بسبب هذه الإجراءات المكبلة، فلا شك أنهم سوف يرتدون مرة أخرى إلى البحث عن الخدمات الشخصية وإلى ملاحقة الوزراء والمسئولين بطلبات خاصة لأن الناخبين سيطلبون منهم نتيجة ما، وهنا نكون قد عدنا إلى مجلس تخليص طلبات المواطنين لا تحقيق الصالح العام.

 

وأخيرا فإن السبب الرابع: هو أننا جميعا قد انزلقنا وبسرعة شديدة فى مسار اللدد والخصومة والعداوات القبيحة بين نواب المجلس، بكل ما فيها من تصيد للأخطاء والبحث عن المكاسب الإعلامية السريعة، والانفعال بلا سبب فى مواضيع لا تحتمل سوى خلاف فى الرأى، الأمر الذى جعل ساحة البرلمان تبدو أحيانا كما لو كانت حلبة للمصارعة، لا محرابا للتشريع وللتشاور فيما يصلح حال الأمة. هذا أسلوب كرهه الناس فى المجالس السابقة، ولكننا ننزلق إليه دون وعى ودون تفكير، وعلينا التوقف واستدراك هذا الأمر قبل أن يصبح أسلوبا مطردا فى العمل. ومن عجب أن البرلمان الذى لم يصدر عنه تشريع واحد حتى الآن يشغل نفسه ووقته بمحاسبة أعضائه عما يقولونه خارج قاعات المجلس، وكأن هذه هى القضية القومية التى ينتظر المواطنون أن يتم حلها.

 

ومع ذلك فإن الوقت لا يزال مبكرا، والفرصة لا تزال سانحة لكى يصحح المجلس من أدائه الفعلى أولا، ثم من صورته لدى الناس بعد ذلك. والمسئولية فى ذلك تقع فى المقام الأول على عاتق حزب الأغلبية لأنه الحزب الأكبر والمتحكم فى رئاسة المجلس ولجانه. بإمكان حزب الأغلبية أن يأخذ المبادرة فى تغيير النظام العقيم الذى يعمل به المجلس ولائحته الداخلية بحيث تنطلق الطاقات الكامنة لدى أعضائه الراغبين فى التغيير ويتمكنون من إصدار التشريعات والقرارات التى ينتظرها الناس، وبإمكانه أن يقدم ثقافة جديدة فى العمل البرلمانى الجماعى الذى تتعدد فيه الآراء ولكن يعمل الجميع لصالح الوطن، وبإمكانه أن يفرض أسلوبا جديدا فى الحوار وفى الجدل ينهض على احترام النواب لبعضهم البعض ولحق كل منهم فى رأيه مهما كان مختلفا أو صادما. ولو أخذ حزب الأغلبية هذه المبادرة، فلا شك عندى أن باقى الأحزاب ستسانده وتؤيده فى ذلك لأن هدفنا جميعا أن يكون البرلمان أكثر فاعلية وأكثر تأثيرا ومصداقية.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.