الأربعاء 21 نوفمبر 2018 2:57 م القاهرة القاهرة 27.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

أفكار عمالية

نشر فى : الثلاثاء 5 مايو 2015 - 9:10 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 5 مايو 2015 - 9:10 ص

كان يمكن أن يمر عيد العمال بهدوء وسلام، لولا واقعتان ــ واحدة رمزية والأخرى حقيقية ــ ألقتا بظلال ثقيلة على وضع العمال فى مصر، وتؤكدان الحاجة الماسة لحوار صريح وجدى فى المجتمع حول مستقبل النقابات وعلاقات العمل.

الواقعة الأولى ــ الرمزية ــ هى التصريح الصحفى الذى أدلى به السيد رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال بأن: «عمال مصر ليست لهم مطالب»، متجاهلا أن الدور الوحيد لأى نقابة مهنية أو عمالية هو تمثيل مطالب أعضائها، ومعبرا عن فكرة أن وطنية عمال مصر تتعارض مع مطالبهم المشروعة، وأن العمال المخلصين للوطن والحريصين على استقراره لا ينبغى أن تكون لهم مطالب. وقد أثارت هذه التصريحات القلق من عودة سيطرة الدولة على النقابات المهنية والعمالية وتحويلها لأجهزة بيروقراطية لا تسعى لمصلحة أعضائها وإنما لتحجيم نشاطهم ومطالبهم.

أما الواقعة الثانية ــ والأكثر أهمية ــ فهى صدور حكم المحكمة الإدارية العليا (رقم ٢٤٥٨٧ / ٦١ ق.ع. يوم ١٨ أبريل ٢٠١٥) بحظر إضراب العمال وجواز إحالة العامل المضرب إلى المعاش. وهذا حكم، فوق أنه يتعارض مع الحقوق المنصوص عليها فى الدستور ( المادة ١٥: «الإضراب السلمى حق ينظمه القانون») والاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى انضمت مصر إليها عام ١٩٨١، فإنه يقحم الشريعة الإسلامية فى نزاع قضائى لا محل فيه لخلاف شرعى. ويرجع الموضوع إلى يوم ١٣ يونيو ٢٠١٣، حينما قام عدد من العاملين بالوحدة المحلية بقورص، المنوفية، بالإضراب عن العمل. وبعد ذلك بشهور، تمت إحالتهم للتحقيق الإدارى ثم للمحكمة التأديبية بالمنوفية والتى أصدرت حكما بإحالتهم للمعاش.

وطعن الموظفون السبعة عشر على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، وجاء تقرير هيئة المفوضين لصالحهم، ولكن المحكمة فى النهاية أصدرت حكمها بتأييد إحالة ثلاثة منهم إلى المعاش وبعقوبات إدارية أقل للباقين.

ومع أن هذا المقال ليس مجالا للتعليق على الواقعة محل الحكم، إلا أن ما يستحق التوقف هنا هو أن المحكمة، فى تسبيب حكمها، استندت إلى عدم وجود قانون مصرى ينظم الإضراب عن العمل (وهو عكس مبدأ أن الأصل فى الأمور هو الإباحة)، وأن تصديق مصر على الاتفاقية الدولية عام ١٩٨١ قد اقترن بتحفظ عدم الإخلال بالشريعة الإسلامية، وأن الإضراب عن العمل مخالف للشريعة. والحكم بذلك فتح الباب على مصراعيه لأسئلة عديدة لم تتطرق صفحاته الثلاث والثلاثين للإجابة عليها: ما علاقة الشريعة الإسلامية بموضوع الإضراب؟ ومن قال إن الإضراب محرم شرعا؟ ولماذا نعود مرة أخرى لهذا التداخل بين الدين والدولة والذى دفعنا لرفض دستور ٢٠١٢؟ وأين الدولة المدنية التى تحكم بالدستور والقانون وحده؟

مع ذلك فإن الواقعتين السابقتين لا تمثلان كل الموضوع، بل تؤكدان ضرورة معاودة الحوار الجدى حول علاقات العمل وموقع العمال فى المجتمع وكيفية إقامة التوازن بين حقوق وواجبات فئاته المختلفة. وقد شهد العالم فى العقود الماضية تطورا كبيرا فى فهم طبيعة علاقات العمل وتقديرا متزايدا ــ خاصة فى دول أوروبا الغربية ــ لمفهوم الشراكة والتوازن فى المصالح بما يحقق الصالح العام للبلد، ويشجع القطاع الخاص على الاستثمار وزيادة الكفاءة، دون أن يكون ذلك على حساب العمال بل بالتعاون معهم والاستجابة لمطالبهم (وهذه بالمناسبة هى الديمقراطية الاجتماعية). ولكن هذا التوازن المطلوب لا يأتى بحسن النوايا، ولا بقرار حكومى، ولا بقانون مهما كان عادلا، بل هو نتاج تفاوض وحوار وشد وجذب حتى تصل الأطراف المعنية إلى ترتيبات، تحقق للعامل ظروفا وشروطا تمنحه حق الحياة الكريمة بينما تحقق لصاحب العمل الإطار الذى يمكنه من الربح وتحقيق عائد على استثماره.

ولكن التفاوض بين العامل وصاحب العمل، لكى يكون متكافئا وعادلا، ينبغى أن يستند إلى امتلاك كل طرف لأدوات قانونية تمكنه من تنظيم صفوفه والتنسيق مع زملائه للحصول على أفضل شروط ممكنة. لذلك يحمى القانون حق أصحاب الأعمال فى أن تكون لهم اتحادات وجمعيات ومنظمات، وأن يستعينوا بخبرات قانونية واقتصادية، وأن يلتقوا بالمسئولين والوزراء، ويقدموا لهم الدراسات ومشروعات القوانين التى تعبر عن وجهة نظرهم وتحمى مصالحهم. وفى المقابل فإن الدولة عليها واجب أن تحمى حق الطرف الآخر ــ العمال ــ فى الحصول على ذات الحماية القانونية فى تشكيل النقابات المهنية والعمالية، وأن تكون هذه النقابات معبرة عن مطالبهم ومصالحهم وليست امتدادا للدولة، وأن تستعين أيضا بالخبرات القانونية والاقتصادية لبلورة مطالبها، وأن تنظم تحركاتها، وأن تستخدم التفاوض والإعلام والإضراب السلمى أدوات لها فى حماية مصالحها.

الإضراب إذن ليس أداة للتخريب، ولا لعرقلة الاقتصاد، ولا لهدم الدولة، بل وسيلة مشروعة للتفاوض ولكن بشرط أن ينظمه القانون ويضع له حدودا وضوابط وشروطا تجعله يحقق الهدف منه، وهو الوصول للتوازن السليم بين مصالح العامل وصاحب العمل.

هذا التوازن لا يحقق مصلحة العامل فقط، بل الصالح العام للوطن لأنه يدعم تماسك المجتمع والسلم الاجتماعى. أما الاعتقاد بأن إضعاف النقابات والسيطرة عليها وحرمان العمال من أدوات التفاوض الجماعى يمكن أن يحقق هدوءا واستقرارا فهو اعتقاد خاطئ ولا يؤدى فى نهاية المطاف إلا إلى مزيد من التوتر، لأن تماسك المجتمع لا يتحقق بانتصار فئة واحدة بل بالتوازن بين مصالح مختلف الطبقات والفئات من خلال آليات قانونية للتفاوض وحل المنازعات.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.