الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 12:27 ص القاهرة القاهرة 26.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الحكم الصادم.. ومحنة العدالة

نشر فى : الثلاثاء 5 يونيو 2012 - 8:40 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 5 يونيو 2012 - 8:40 ص

حالة الغضب والاستياء التى أصابت الشارع المصرى من الحكم الصادر يوم السبت لها ما يبررها، ليس فقط لأن المتهمين من قيادات الداخلية تمت تبرئتهم جميعا، ولكن ــ وهذا هو الأهم ــ لأن معنى ذلك هو أن يسدل الستار على جريمة كبرى وأن يصبح المسئول عن سقوط مئات الشهداء وآلاف المصابين مجهولا، كما لو كان الأمر يتعلق بسرقة تافهة أو حادث مرور يمكن نسيانه بعد قليل. لذلك فلا الحكم على الرئيس السابق ووزير داخليته بالسجن المؤبد، ولا الخطبة التى استهل القاضى بها الحكم، كان يمكن أن يشفعا أو يصرفا الناس عن حقيقة أننا أمام محاولة لغلق ملف لا يمكن تجاهله بهذه السهولة. وإذا كان هناك من بين المتحدثين فى الإعلام وفى الشارع وفى البرلمان من التمسوا للمحكمة العذر فى أنها حكمت بما توافر أمامها من أدلة وبراهين، فإن الأمر الذى لن يغفره المجتمع أو يسكت عليه هو أن يكون تقاعسا أو تواطؤ من الجهات الرسمية ــ على نحو ما أعلن ممثل النيابة بل والمحكمة ذاتها ــ بما تسبب فى غياب الأدلة وضياع الحقيقة، ولو إلى حين.

 

لا عجب إذن أن يأتى رد فعل المجتمع بهذا القدر من الغضب والرفض لنهاية غير متوقعة للمحاكمة، ولمحاولة استغلال الموقف السياسى والاقتصادى المتأزم من أجل الطمس على أهم فصل من فصول الثورة. ولكن إن كان الحكم قد أثار هذه المشاعر الغاضبة والاستنكار، فإن المؤسف أن تكون تلك المشاعر موجهة ضد هذا الحكم وحده بينما الحقيقة أن القانون والعدالة فى مصر بوجه عام فى محنة، وأن الموضوع أكبر وأعمق بكثير من هذا الحكم فقط. الحقيقة أننا أمام مفترق طرق بين الاستمرار فى التعامل مع القانون باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، وبين الدفاع عن فكرة القانون والعدالة باعتبارها هدفا فى حد ذاته وقيمة يسعى المجتمع للتمسك بها.

 

الثورة بطبيعتها ظاهرة تتعارض مع القانون، لأن مفهوم الثورة هو هدم مؤسسات ونظم وقوانين كانت مانعة من تحقيق مطالب وآمال الجماهير السياسية والاجتماعية فى ظل حالة الاستبداد السائدة. عندئذ يصبح الإصلاح مستحيلا، والهدم ضروريا، والخروج عن الإطار القانونى والدستورى هو السبيل الوحيد لإعادة ترتيب المجتمع على أسس جديدة ولبناء نظام قانونى يعبر عن توازن جديد فى المصالح والقيم والقوى الاجتماعية، وهذا هو ما يعرف بالشرعية الثورة. ولكن مشكلة هذا البلد أننا نتحرك بين الشرعية القانونية والشرعية الثورية دون أى حرج، وعلى نحو انتقائى، وبشكل يرتبط بتحقيق أهداف ومكاسب سياسية ضيقة، وليس على أساس تحقيق الصالح العام. منذ الحادى عشر من فبراير من العام الماضى، ونحن نتأرجح بين الفكرتين بشكل لا يحكمه منطق ولا مصلحة عامة، بل بناء على صراعات حزبية وعلى مكاسب ضيقة، وعلى محاولة كل طرف تحقيق أكبر قدر من الشعبية والجماهيرية بغض النظر عن أثر ذلك كله على فكرة القانون والعدالة.

 

من هنا تأتى التناقضات التى نعيش معها كل يوم: الاستهانة البالغة باستقلال القضاء إلى حد اعتبار الاعتداء على القضاة فى قاعات المحاكم وتهديدهم علنا من أهالى المتهمين ظاهرة عادية من ظواهر الانفلات الأمنى مثل ركن السيارة بعرض الطريق أو سرقة تيار كهربائى. وفتح الباب لمئات الآلاف من الشكاوى والدعاوى الجادة والهزلية، الحقيقية والكيدية، بما أصاب أجهزة الدولة بالشلل التام لأن لا أحد مستعدا لتحمل مسئولية حسم المشاكل أو التوقيع على ورقة أو اتخاذ قرار. وقبول استمرار العمل بقوانين كانت حتى وقت قريب تعرف بأنها سيئة السمعة لمجرد أنها تحقق الآن أهدافا سياسية وجماهيرية. وهناك تناقض عجيب بين الاحتفال بنهاية عصر القوانين الاستثنائية وانتهاء العمل بقانون الطوارئ، وبين المطالبة بالعودة إلى المحاكم الخاصة والقوانين ذات الأثر الرجعى واللجان ذات السلطات الخارقة ولو كان فى ذلك بدية تأسيس استبداد جديد. وقضايا فى المحاكم تأخذ اهتماما اعلاميا واسعا ثم تنتهى إلى لا شىء. والمسئولون يدافعون عن بقائهم فى مناصبهم بتقديم ضحايا وقرابين كلما زادت سخونة الوضع السياسى على أمل أن يخرجوا من الثورة سالمين. الشرعية الثورية لم تتحقق من البداية، والشرعية القانونية لا أحد يأخذها مأخذ الجد، والنتيجة هى ما نحن فيه اليوم، قضايا لا تقدم فيها الأدلة كاملة، واستهتار بالعدالة إلى أبعد الحدود، ومتهمون يقدمون للمحاكمة لإرضاء الرأى العام، ومجرمون يفلتون من العقوبة لأن الأدلة غير متوافرة.

 

المطالبة بالعودة إلى نقطة البداية والاستناد إلى الشرعية الثورية يزداد صعوبة كل يوم. فهناك واقع حقيقى يجرى بناؤه على الأرض ولا يمكن تجاهله أو التغاضى عن وجوده إلا بثورة جديدة. هناك مبادئ دستورية تم الاستفتاء عليها، وهناك انتخابات برلمانية جرت، وهناك قوانين صدرت، وهناك جولة انتخابات رئاسية انتهت، وكل مرحلة من هذه المراحل ــ مهما كان فيها من عيوب وعوار قانونى ــ وافق عليها عشرات الملايين من المصريين وصارت واقعا ينبغى التعامل معه. والاستناد إلى الشرعية القانونية بكامل حذافيرها يعنى السكوت عن كل ما فى القوانين الحالية والنظام القانونى من عيوب ومن خلل جعلها تؤدى بنا إلى ثورة تطالب بإسقاط نظام بأكمله. ما الحل إذن؟ الحل هو أن تتم إعادة بناء النظام القانونى وأن تتم مراجعة القوانين، وتحقيق الاستقلال الكامل للقضاء، وإصلاح أجهزة التحقيق والتحرى والتفتيش، ومحاسبة من يخفى دليلا، وتوعية الناس بحقوقهم وواجباتهم. باختصار الحل هو البدء فى الإصلاح الأهم فى البلد، وهو إصلاح البنية القانونية بأكملها وإعادة تأسيس دولة القانون من جديد.

 

الحكم الأخير جاء صادما لأنه أظهر حقيقة ناصعة للناس جميعا، وهى أن القانون فى أزمة والعدالة غير متحققة. ولكن الضرورى الآن ليس أن نتوقف عند هذا الحكم وحده، بل أن نستغل الموقف لكى نقف وقفة جادة من أجل انقاذ فكرة القانون ذاتها والتأكيد على أن مستقبل مصر يعتمد على إقامة دولة العدالة. فى هذه الظروف الحرجة نحن فى حاجة لإعلاء قيمة القانون والعدالة لا لمزيد من الاستهتار بهما.

 

أما الحكم الأخير فهناك سبل للطعن عليه، ولإعادة التحقيق فيه، ولإلزام جميع الجهات بتقديم ما لديها من أدلة بشأنه، ومحاسبة المسئولين عن إخفائها أصلا، لأن الحقيقة لن تختفى إلى الأبد، ولكن لن يكشفها ويحميها إلا أن نأخذ فكرة القانون والعدالة مأخذ الجد.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.