السبت 17 نوفمبر 2018 9:45 ص القاهرة القاهرة 20.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

الهزيمة بأثر رجعى

نشر فى : الأحد 5 يونيو 2016 - 10:05 م | آخر تحديث : الأحد 5 يونيو 2016 - 10:05 م

أسوأ أنواع الهزائم «الهزيمة بأثر رجعى».


لا يعقل أن تطارد أشباح (٥) يونيو بلدا بأكمله لزهاء نصف قرن رغم أنه رفض التسليم بنتائجها السياسية فى لحظات الانكسار.


رغم التضحيات التى بذلت والدماء التى سالت على جبهات القتال ــ حتى يمكن اقتحام قناة السويس بقوة السلاح فى أكتوبر (١٩٧٣) ــ فإن هناك من أراد أن تستقر الهزيمة سببا سرمديا لتقديم التنازلات المجانية من حقبة سياسية إلى أخرى، حتى وصلنا إلى اجتماعات باريس بحثا عن تسويةٍ ما تقارب المشى فى التيه وراء سراب.


رحلة التيه بدأت فى اللحظة التى قال فيها الرئيس الأسبق «أنور السادات» إن «أكتوبر آخر الحروب» و«٩٩٪ من أوراق اللعبة فى يد الولايات المتحدة»، وكانت ذروتها اتفاقيتا «كامب ديفيد» اللتين خذلتا بطولة السلاح على نحو ليس له مثيل فى تاريخ المنتصرين ــ أى منتصرين فى العالم!
لم يكن ذلك مطلب ملايين المواطنين العاديين التى خرجت إلى الشوارع رفضا للهزيمة وتصميما على القتال من جديد فى تظاهرات (٩) و(١٠) يونيو، وكانوا هم أنفسهم الأبطال الحقيقيين فى حربى «الاستنزاف» و«أكتوبر» لإزالة آثار العدوان.


عندما صمتت المدافع ذهبت ثمار التضحيات كلها إلى طبقة جديدة أطلق عليها وقتها «القطط السمان».


بتفسير اجتماعى فإن الذين حازوا الجوائز بغير استحقاق أرادوا حذف الذين ضحوا من كل معادلة واعتبار «النصر العسكرى» تسويغا للانقلاب على سياسات يوليو وانحيازاتها، كأن العدالة الاجتماعية من أسباب الهزيمة.


وبتفسير استراتيجى فإن التحول إلى الانفتاح الاقتصادى «سداحا مداحا» بتعبير الأستاذ «أحمد بهاء الدين» كان مقصودا لبناء طبقة جديدة توفر قاعدة اجتماعية للسلطة الجديدة وتتبنى المصالح الغربية بغض النظر عن تعارضها مع أى مصالح مصرية.


تكريس الهزيمة فى الوجدان العام ألحت عليه حملة إعلامية وسياسية قفزت فوق تجربة الحرب الطويلة بين عامى (١٩٦٧) و(١٩٧٣) وبطولات المواطن العادى التى قاربت الأساطير الإنسانية إلى حيث لخصتها مرة فى «بطل الحرب والسلام أنور السادات» ومرة أخرى فى «صاحب الضربة الجوية الأولى حسنى مبارك».


التلخيص بحث عن شرعية حكم خاصم عصره فى طلب المشاركة السياسية وناقض مجتمعه فى طلب العدل الاجتماعى، غير أن أزمات الشرعية لا يمكن تجاوزها بقفزات فى الهواء كألعاب الأكروبات.


فى عام (١٩٦٧) جرى اصطياد المشروع الناصرى من بين ثغرات نظامه كأنه «كعب أخيل» بالتراجيديا الإغريقية.


لم يكن استهداف مصر عشوائيا قد خضع لمقتضى حسابات اللحظة بقدر ما كان تخطيطا لضرب مشروعها فى صميمه.


وقد مثلت انحرافات المخابرات العامة على عهد «صلاح نصر» واحدة من أسباب ضعف مناعة الدولة، على الرغم من الدور الاستثنائى للجهاز فى تعقب الموساد الإسرائيلى والتغلب عليه، فأى إنجاز لا يبرر أى انتهاك.


فى مراجعاته بعد النكسة أطلق «جمال عبدالناصر» على تلك الانحرافات «دولة داخل الدولة» و«مراكز القوى» داعيا إلى المجتمع المفتوح ودولة المؤسسات.


ثغرات النظام أدت من ناحية عملية إلى تقويض أهم تجربة سياسية فى التاريخ العربى الحديث والانقضاض عليها، ومن بينها نفذت الضربة القاتلة لخططها التنموية التى كانت مثالا يحتذى للاقتصاديات الصاعدة فى العالم.


إنكار الحقائق تشويه للذاكرة التى هى أغلى ما يملكه المصريون والفلسطينيون والعرب جميعا.


فى عام (٢٠٠٢) كتب أشهر أدباء العالم «جابريل جارثيا ماركيز» فى «بيان لا يوقع عليه سواى»: «سامحونى إذا قلت إنى أخجل من ارتباط اسمى بجائزة نوبل التى حصل عليها شخص كمناحيم بيجين، وأعلن عن إعجابى غير المحدود ببطولة الشعب الفلسطينى الذى يقاوم الإبادة بالرغم من إنكار المثقفين الجبناء أو وسائل الإعلام أو حتى بعض العرب لوجوده».


كانت قد مرت سنوات طويلة على اتفاقية «كامب ديفيد» وسنوات أطول على هزيمة يونيو، لكن تظل لمثل هذه الكلمات قوتها الأخلاقية حتى لا نستسلم لطغيان القوة، فننسى تجربة الحرب وسنوات العزيمة والتضحية، أو ألا نتذكر دعوات التعبئة العامة وراء المقاتلين على الخنادق الأمامية لجيل جديد ولد فى الجامعات طلب توسيع المشاركة فى القرار السياسى وإصلاح بنية النظام.


أخطر ما يتعرض له أى بلد أن تدخل ذاكرته فى شبه غيبوبة، كأنه لا يتعلم شيئا من تجاربه.


الرهان على أى تسوية للقضية الفلسطينية فى موازين القوى الحالية هو رهان على تنازلات من طرف واحد.


لا توجد «مبادرة فرنسية» لها قوام ولا أى مبادرات أخرى عليها خاتم الجدية.


الكلام كله إنشائى يعيد ترتيل المحفوظات السياسية عن حل الدولتين دون أن تبدر إشارة واحدة من حكومة «بنيامين نتانياهو» عن استعدادها لأى وقف لمشروعها الاستيطانى فى الضفة الغربية وسعيها لتهويد القدس وتهجير فلسطينيى (١٩٤٨) عند أول فرصة ممكنة.


باستثناء العلاقات العامة فى اجتماعات باريس لا توجد أى أرضية لتسوية محتملة، فإسرائيل ليست مضطرة لأى تنازلات وفق موازين القوى الحالية، والعالم العربى مشغول بأزماته وانفجاراته وصراعاته الداخلية وحروبه مع الإرهاب وغياب أى إرادة سياسية تضع القضية الفلسطينية على جدول الأولويات والولايات المتحدة وأطراف أوروبية أخرى تدعو العرب إلى مبادرات حسن نية تشجع إسرائيل على إبداء المرونة بالشروع فى التطبيع والدخول إلى سلام دافئ.


نحن أمام سيناريو: «كل شىء مقابل لا شىء» بدلا عن «السلام الشامل مقابل التطبيع الكامل» وفق نصوص المبادرة العربية.


هل يمكن الحديث عن تسوية ما للقضية الفلسطينية فى ظل حكومة تعلن ضم الجولان السورية وتضم وزيرا للدفاع اقترح قبل سنوات ضرب السد العالى بالقنبلة النووية؟


ما الذى يدعو الحكومة الإسرائيلية للتعجل بالتنازل إذا كانت الأطراف العربية لا تمانع كثيرا فى إبداء ما هو أكثر من المرونة؟


وما معنى التسريبات عبر وسائل إعلام فرنسية عن تبادل أراضٍ بين الفلسطينيين والإسرائيليين تدخل فيها أجزاء من مصر؟


على الرغم من نفى وزير الخارجية «سامح شكرى» مثل تلك التسريبات فإن مغزى نشرها يستدعى البحث فيما خلفه.


التسريبات نفسها لعب بالنار، إذا لم تطفأ تماما فإنها سوف تأكل كل شىء أمامها.


هناك سؤال أخير عن مغزى اجتماعات باريس فى ذكرى هزيمة يونيو؟


بظاهر الوقائع فلا شىء يوحى بأن الأمر مقصود.


وبحسب السوابق فإن الرموز لها رسائلها كما حدث عند إعادة افتتاح قناة السويس فى ذكرى الهزيمة عام (١٩٧٥).


فى رمزية التوقيت تذكرة بالهزيمة ودعوة للانصياع لروحها التى رفضها المصريون قبل زهاء نصف قرن.