الإثنين 19 نوفمبر 2018 8:02 ص القاهرة القاهرة 17.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

حادثة دريسدن: الغضب مطلوب.. والتعقل أيضا

نشر فى : الأحد 5 يوليه 2009 - 11:05 م | آخر تحديث : الأحد 5 يوليه 2009 - 11:05 م
أين الخيط الرفيع بين الانفعال والتعقل فى التعامل مع حادثة دريسدن المروعة؟ أقصد حادثة إقدام عنصرى ألمانى متطرف يوم الأربعاء الماضى على قتل الشهيدة مروة الشربينى زوجة المبعوث المصرى علوى على عكاز، فى لحظة حصولها على حكم يدينه ويعاقبه لسابق تهجمه عليها باليد واللسان فى حديقة عامة، لا لشىء إلا أنها مسلمة ترتدى الحجاب.

وبما إننى عشت فى ألمانيا لمدة خمس سنوات، فإن الانفعال المرفوض هنا هو تعميم العنصرية، وكراهية الإسلام والمسلمين على كل الألمان، مواطنين وسلطات عامة، ومن باب أولى فإطلاق هذا التعميم على كل الأوروبيين هو أيضا من قبيل الانفعال المرفوض، والدليل الملموس فى قضية الشهيدة مروة بالذات هو أن المحكمة التى أدانته وعاقبته هى محكمة ألمانية، استندت فى حكمها إلى قانون ألمانى، وأن جميع السلطات الرسمية هناك استنكرت الجريمة وأدانتها.

لكن هذا التعقل ينبغى ألا ينسينا جملة من الحقائق الخطيرة الدالة على تحيز مسبق بدرجة أو أخرى ضد الإسلام والمسلمين فى مواقع عديدة لا يستهان بها فى ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية، وهو تحيز يصل فى أحيان كثيرة إلى درجة ازدواج المعايير، والمغالطة والتضليل، وإليكم بعض معالم هذا الجانب المظلم من الصورة:

عندما عرفت بهذا النبأ المروع فى الثامنة من مساء الخميس من زميلى محمد سعد شحاتة المسئول فى ذلك اليوم عن الطبعة الثانية من «الشروق»، وبعد أن اتفقنا على مكان نشره فى أعلى الصفحة الأولى، توجهت فورا إلى قنوات التليفزيون الألمانية، الناطقة بالعربية والإنجليزية والألمانية، وكانت مفاجأة قاسية على مشاعرى الإنسانية، وعلى انتماءاتى المهنية، أن هذه المأساة ليس لها وجود فى أى من نشرات أخبار تلك القنوات، ورحت أنتظر نشرات آخر المساء الجامعة التى تقدم فى العادة ملخصا لأحداث اليوم كله، ولكن كانت حادثة دريسدن غائبة تماما، وكأنها وقعت فى كوكب آخر، ولم يكن ممكنا منع النفس من المقارنة الأليمة بين تجاهل الإعلام الألمانى لمقتل الشهيدة «مروة» فى قاعة المحكمة التى لجأت إليها لتحصل على حقها بالطريقة المتحضرة التى يطالبنا به الغرب، وبين إطناب هذا الإعلام ومبالغاته عندما يرتكب مسلم مثل هذه الجريمة، أو أقل منها. فقد ظلت جميع قنوات التليفزيون الألمانى، وكذلك الصحف، وغيرهما من وسائل الاتصال الجماهيرى تذيع على مدى أشهر أحاديث وصورا وتحقيقات عن مقتل المخرج الهولندى «فان خوج» على يد مسلم متطرف، وكان هذا المخرج قد صنع فيلما يسيء إلى الإسلام بشهادة الجميع، فى حين أن «مروة» لم ترتكب أى مخالفة لا ضد قوانين البلاد التى تعيش فيها مع زوجها، وطفلها، ولا حتى ضد قاتلها بصفته الشخصية، علما بأننى هنا لا أنتحل عذرا لقاتل فان خوج، ولا أقصد أنه كان يستحق القتل.

تذكرت أيضا أن ألمانيا كلها تقف على أطراف أصابعها إذا دنست مقبرة يهودية، أو نصب تذكارى لضحايا الهولوكوست، فما بالنا لو أن قتيلة دريسدن كانت يهودية، أقسم بالله العظيم أن أوروبا كلها وليست ألمانيا فقط، كانت سوف ترتعد فرائصها، وتنادى إلى مؤتمرات قمة، ووزارية، وبرلمانية، ولكانت كل قنوات التليفزيون والصحف فى كل أوروبا قد أرسلت فرقا من المندوبين والمصورين إلى كل شبر له علاقة بالحادث والجانى والضحية، ولكان الأرشيف الصحفى والتليفزيونى قد فتح على مصراعيه لإخراج آلاف القصص والوثائق والصور المناهضة للعنصرية، ومن المؤكد أن رئيس جمهورية ألمانيا، ومستشارها أو مستشارتها، وبرلمانها «البوند ستاج» كانوا سيوجهون بيانات اعتذار إلى أسرة الضحية، وإلى الجالية اليهودية، وإلى اليهود فى جميع أنحاء العالم، وكانت تقام للضحية جنازة رسمية، وحفلات تأبين يتقدمها كل رجال الحكم والسياسة والثقافة الألمان، فضلا عن مراجعة القوانين لقطع دابر هذه الموجة الجديدة من العداء للسامية.

بديهى أننى لن أرفض ذلك التعامل المفترض بأقصى درجات الجدية والاهتمام والحزم مع جرائم العنصريين ضد أبرياء يهود كانوا، أم غير يهود، وبديهى أيضا أننى لا أطالب السلطات والرأى العام والمثقفين فى ألمانيا بأن يتعاملوا مع جريمة قتل الشهيدة مروة الشربينى بهذا المستوى من التعبئة، لأن ذلك مستحيل أولا، ولأننى أدرك خصوصية اليهود فى ألمانيا بعد الهولوكست ثانيا.. ولكننى أطلب وأتوقع قدرا من الاهتمام يتناسب مع مقتل أم شابة بريئة على يد متطرف عنصرى، فى مجتمع ديمقراطى، ولكن يعج حاضرا بالجيوب العنصرية فى كل زواياه. وكما لفتنا الأنظار، فقد كان يجب الاهتمام إعلاميا بالجريمة، ولو لمدة يوم أو يومين، كذلك كان يجب أن تصدر بيانات استنكار على مستوى عال، ناهيك عن التحقيق فى الشكوك التى يثيرها بحق والد الشهيدة «مروة» حول أسباب عدم تفتيش الجانى لدى دخوله إلى قاعة المحكمة، مع أن دواعى التفتيش قائمة لسابق تهجمه على الضحية فى الحديقة العامة، وكذلك يجب التحقيق فى مسلك الشرطة الألمانية منذ بداية الحادث.. فأين كانت تقارير المراقبة منذ الشجار الأول فى الحديقة العامة؟ ولماذا ترك وقت يقدره والد الضحية بعشر دقائق ليجهز القاتل على الضحية؟ بل وكما علمت من شقيق الضحية أن الزوج «علوي» قال بعد أن أفاق من الغيبوبة: إن أحدا سواه لم يتدخل على الإطلاق لمنع الجانى من الاستمرار فى توجيه الطعنات إلى زوجته، وأن الشرطى أطلق الرصاص عليه «أى الزوج مباشرة» عندما كان يحاول منع المتطرف من الإجهاز على الشهيدة، رغم أن الزوج كان جريحا بسبب طعنة تلقاها هو الآخر من سكين القاتل.

وعندما تحدثت إلى الدكتور سيد تاج الدين مستشارنا الثقافى فى ألمانيا أمس الأول(السبت)، كانت الصحف قد بدأت تنتبه إلى خطورة ما جرى، وأستطيع القول إن هذا الاهتمام ظهر تحت ضغط تحرك المنظمات الإسلامية التى نادت إلى تنظيم مظاهرة احتجاج فى برلين أمس الأحد، ولكن قنوات التليفزيون الألمانية ظلت على صمتها كما أبلغنى صديقى المهندس أيمن زغلول المقيم فى برلين.

لكن تلك المطالب العادلة لن يستجاب لها بالدرجة الكافية إلا بمواصلة الضغط من داخل ألمانيا، ومن خارجها. فلابد أن تواصل المنظمات الإسلامية الألمانية، وكذلك منظمات المجتمع المدنى الألمانى الديمقراطية، والبعثات الدبلوماسية للدول الإسلامية احتجاجها، ومطالبتها بالتحقيق، وكذلك المطالبة ببيانات استنكار رسمية من أعلى السلطات الألمانية.. وإذا كانت السفارة المصرية قد طلبت إيضاحات، فإن الحكومة المصرية يجب أن تتحرك على الفور بإيفاد مراقبين للوقوف على سير التحقيقات، وتستعد لأقوى أشكال الاحتجاج، وللمطالبة بالاعتذار العلنى من الحكومة الألمانية عن سلوك شرطتها إذا أثبتت التحقيقات النزيهة تقاعس الشرطة عن حماية الشهيدة وزوجها، وإذا ثبت أن الشرطى تعمد إطلاق النار على الزوج، كما قال هو، وكما أكدت ملابسات القضية.

كذلك مطلوب من ناشطى حقوق الإنسان وحوار الحضارات فى مصر وجميع البلدان الإسلامية، وناشطى المدونات، والفيس بوك، والتويتر أن يندفعوا بزخم، ودون توقف، للتعبير عن الغضب والاحتجاج، دون قطع قنوات الحوار، ودون تحريض متطرف على العنف. ويجب ألا ننسى أن هناك ملايين المسلمين يعيشون فى ألمانيا، وملايين آخرين يعيشون فى بقية دول الغرب، وأن القانون والديمقراطية يكفلان لهم الكثير والكثير من الحقوق، وأن التيارات العنصرية هى الأقلية، وأنها تضعف بتطور مسيرة الديمقراطية. وكل الذى طالبنا به آنفا يصب فى تيار مساعدة القوى الديمقراطية على عزل العنصريين والقضاء عليهم، لكننا مطالبون فى بلداننا أيضا شعوبا وحكومات أن نبدأ بأنفسنا.. ونرى ما فى مجتمعاتنا من عنصرية وتعصب ليس فقط ضد من يختلفون معنا فى العقيدة أو العنصر، ولكن أيضا ضد بعضنا البعض.
عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدة الشروق السابق. كاتب صحفي مصري بارز ، وشغل عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني.ولد عام 1950 ، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، وعمل كمحرر ومعلق سياسي منذ عام 1973 ، سواء في الإذاعة والتليفزيون أو في مجلة أكتوبر أو في جريدة الأهرام ، وكان مديرا لتحرير الأهرام الدولي في أوروبا ، وكبيرا لمراسلي الأهرام في منطقة وسط أوروبا ، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.
التعليقات