الجمعة 21 سبتمبر 2018 8:44 م القاهرة القاهرة 27.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الانفراج أو الانفجار

نشر فى : الإثنين 5 نوفمبر 2012 - 8:40 ص | آخر تحديث : الإثنين 5 نوفمبر 2012 - 8:40 ص

ما يجرى فى مصر الآن أقرب إلى نص ارتجالى على مسرح مضطرب، الحركة صاخبة فوقه، فيه أصوات تعلو وأضواء تتوهج، بينما الجمهور يستبد به القلق ولا يعرف كيف ينتهى هذا العرض؟

 

فى النص الارتجالى تتجسد أزمة حكم وصلت إلى ذروتها فى قضية «الدستور» وجمعيته التأسيسية. القضية تتعدى «الدستور» ومسودة نصوصه المخجلة إلى المستقبل بوعوده ومخاوفه.

 

تمرير «الدستور» بأية صياغة يكتب بها وارد ومحتمل، لكنه نهج يعمق الانقسام فى المجتمع وقد تفلت الصراعات عن سلميتها. القنابل الموقوتة كامنة تحت موائد الحوار، فأزمة الثقة مستحكمة وأزمة المصداقية فى خلفية المشهد، والكلام عن «أخونة الدولة» عليه شواهده. الجماعة الأكثر انضباطًا وتنظيمًا تعتقد أن فرصتها فى «التمكين» لكوادرها فى بنية الدولة قد حانت، وتحاول أن تهيمن بمفردها على الوظائف العليا فيها. الاستفراد بالدولة له مخاطره، فهذه مسألة تستعصى على أى تيار سياسى بمفرده ومن عواقبه التخبط فى إدارتها. بات التخبط سمة أساسية فى المؤسسات التنفيذية. الحكومة تفتقد إلى الكفاءة والهيبة معًا، والعاملون فيها حاصروا فى سابقة لا مثيل لها فى التاريخ المصرى كله مكتب رئيسها. مؤسسات الدولة الرئيسية تتصادم، ونذر الانفلات المؤسسى ظاهرة.

 

الرئيس يستشعر تبعات ورطة اختياراته.. والمعلومات الموثوقة منسوبة إلى مقربيه تؤكد أنه عنف بلغة حادة مستشاريه القانونيين الذين ورطوه فى أزمة إقالة النائب العام، لكنه لم يحسم مسألة إعادة بناء مؤسستى الرئاسة والحكومة من جديد بصورة أكثر جدية وكفاءة. بدا حائرًا تمامًا بين نواياه والتزاماته، بين الدولة التى أؤتمن عليها والجماعة التى خرج منها. هو يدرك الآن أن أغلب الذين أسند إليهم مناصب فى مؤسسة الرئاسة أو الحكومة أو جهات تنفيذية أخرى بلا خبرة تسند أو كفاءة تزكى، وأنهم باتوا عبئًا عليه، لكنه لا يتصرف حتى الآن وفق تصوراته واعتقاداته وتجربته فى الحكم. هو رجل أسير جماعته، والجماعة عندها تطلعاتها، غير أن للتطلع ــ وبعضه مشروع ــ مقوماته، وأفضت التطلعات بغير سند خبرة أو جدارة إلى ارتباك لا مثيل له فى مستويات الأداء العام.

 

فى يوم واحد صدرت أربعة قرارات فى مسألة واحدة: نغلق أو لا نغلق المحال التجارية عند العاشرة مساءً ؟

 

الأول، أكد أنه سوف يطبق فى موعده المعلن.. والثانى، قال إنه سيؤجل لأسبوع آخر.. والثالث، أرجع التأجيل لصياغة قواعد لائحية للتنفيذ.. والرابع، تحدث عن مفاوضات تجرى مع اتحاد الغرف التجارية للبحث عن حل للأزمة دون أن يحدد موعدًا.

 

التخبط وصل إلى حد أن الوزير المختص، فى اجتماع ضمه مع محافظى القاهرة والجيزة والاسكندرية وممثل لوزارة الداخلية وممثل آخر لاتحاد الغرف التجارية، صمم على تطبيق قرار الإغلاق فورًا بينما أبدى محافظون وجهة نظر أخرى مالت إلى التفاوض مع «الغرف التجارية»، قبل أن تصدر إليه التعليمات بقبول التفاوض وإرجاء تنفيذ القرار.

 

هذا المستوى المتدنى من الأداء الحكومى يتمدد فى أجهزة الدولة، والأزمة داخلها تستحكم. لا نظام الحكم الجديد استقرت قواعده، ولا المؤسسات صيغت العلاقات بينها. وهذه من تبعات غياب دستور يضمن التوافق الوطنى عليه منتقلًا بمصر من عصر إلى عصر آخر.. لا استنساخ «مبارك» وصلاحياته وطبيعة نظامه بوجوه جديدة وأحزاب مختلفة.

 

إنه الدستور إذن فى صلب الأزمة المصرية المتفاقمة، غير أن هناك معضلات أخرى فى صلب الأزمة ذاتها، ربما تساعد حلحلة المعضلة الدستورية فى انفراج المعضلات الأخرى.

 

الدستور نقطة الارتكاز الأولى لمواجهة الاستحقاقات جميعها بشىء من التوافق الوطنى. السؤال الرئيسى هنا: «هل نحن بصدد تحول ديمقراطى أم انتكاسة ديمقراطية؟».

 

تتمدد التساؤلات إلى الانتخابات البرلمانية والمحلية المقبلة ومدى نزاهتها، وسلامة الدولة وطبيعة العلاقات بين مؤسساتها التى أفلتت إلى صدامات جرى تطويقها.

 

حلحلة المعضلة الدستورية قد تفضى إلى توافق آخر فى ملف العدالة الاجتماعية وإنقاذ الاقتصاد من أحواله المترنحة. رقم واحد يلخص عمق الأزمة: (٧٠٠) مليون جنيه حجم العجز اليومى، وصاحب التقدير رجل اطلع على الحقائق وأشرف عليها بنفسه. المشكلة هنا أن نظام الحكم الجديد يحاكى سلفه فى طبيعة العلاقات مع صندوق النقد الدولى واشتراطاته التى من أخطرها رفع الدعم عن السلع الرئيسية. التوقعات تشير إلى أن معدلات التضخم والفقر والبطالة سوف تتزايد ومستوى الخدمات العامة سوف يتراجع بدوره. هذا يسحب من شرعية النظام الذى تحاصره احتمالات الانفجار الشعبى، وقد يكون عشوائيًا هذه المرة.

 

سؤال الانفجار : من يدفع ثمن التدخلات الجراحية فى بنية الاقتصاد المصرى المترنح ؟ هل هم الفقراء مرة أخرى؟.. نفس الضحايا على عهد النظام السابق؟

 

معضلة النظام عند لحظة الانفجار المحتمل أن وسائل السيطرة على التداعيات تعوزه، فلا الأمن عاد إلى عافيته ولا الجيش سيقبل أن يتولى ضبط الشارع وأن يعود إلى ثكناته مرة أخرى.

 

خفض الاحتقان السياسى بالتوافق على الدستور يساعد ايضاً على خفض الكلفة الاستراتيجية للأمن القومى المصرى فى الملفات الإقليمية الضاغطة من تهميش القضية الفلسطينية إلى الحروب الإقليمية بالوكالة فى المشرق العربى والتحرش بإيران.

 

ضغوط الأزمات على مكتب الرئيس «مرسى» دعته إلى مبادرة حوار مع معارضيه للخروج من أزمة الدستور الضاغطة.

 

الخطوة متأخرة ولكنها إيجابية.

 

فى البداية غض الدكتور «مرسى» نظره عن أزمة الدستور وتداعياتها وأحالها إلى «التأسيسية» مؤكدًا أنه لا يتدخل فى أعمالها.. لكن الأزمة تفاعلت والاحتقان السياسى بات خطيرًا بينما التدهور الأمنى فى سيناء دخل إلى متاهات مرعبة وخلية مدينة نصر موحية برائحة دم محتملة فى المكان.

 

فى لحظة تالية حاول «مرسى» أن يستعيد شكل الحوار دون مضمونه أو الكلام فى الموضوع دون جديته على النحو الذى جرت به وقائع الحوار الرئاسى مع أكثر من ستين شخصية تنتسب لأحزاب وقوى بعضها من فلول النظام السابق.

 

هذه المرة فكر الدكتور «محمد مرسى» بطريقة مختلفة أكثر عملية وجدية، ذهب مباشرة إلى منافسيه الرئاسيين الثلاثة: «حمدين صباحى» و«عبدالمنعم أبوالفتوح» و«عمرو موسى». كانت فكرته الأولية أن يحاورهم مجتمعين بحضور الدكتور «محمد البرادعى» مؤسس حزب الدستور.

 

أجرى الاتصالات بنفسه، أضفى عليها طابعًا وديًا وإنسانيًا، غير أن وجود «البرادعى» فى الخارج أجل فكرة الاجتماع الخماسى لوقت لاحق ربما فى غضون أسبوع.

 

ضغوط الأزمة دعت «مرسى» إلى التصرف على نحو حاول أن يجمع بين فكرتين.

 

الأولى، أن يتأجل الاجتماع الخماسى لبعض الوقت، فبعض محاوريه أكدوا على ضرورة مشاركة «البرادعى» فى الحوار الجماعى الأول، وأنها سوف تكون رسالة إيجابية للرأى العام أن الأطياف السياسية المتصارعة على مائدة حوار واحدة، وأن الحوار جاد، ثم طرح اقتراحًا جديدًا بضم الدكتور «محمد سعد الكتاتنى» إلى مائدة الحوار الضيقة حتى يكون حزب «الحرية والعدالة» الذى يترأسه طرفًا مباشرًا فى الحوار ضمانًا لتنفيذ ما يتفق عليه، غير أن هذا الاقتراح لم يحسم حتى الآن.

 

والثانية، أن يبادر لاجتماعات منفردة مع المرشحين الرئاسيين السابقين تمهيدًا لحوار وطنى حول أزمة الدستور وسبل الخروج منها.

 

الحرص الذى أبداه الرئيس لسرعة البدء فى الاجتماعات فيه إدراك لعمق الأزمة، ولكن من الضرورى مع ادراك خطورة الأزمة وعمقها أن يأخذ الحوار مداه فى جدية الإجراءات التى تصاحب التزاماته.. فصور الاجتماعات لا تصلح بذاتها لتخفيض الاحتقان السياسى.

 

المشكلة فى مصر الآن أن حقائقها السياسية فى حالة سيولة.. الانفراج والانفجار سيناريوهان محتملان.

 

الرئيس فى اختبار حقيقى الآن، وعليه أن يحسم أمره ما إذا كان رئيساً لكل المصريين أم منحازاً للجماعة وحدها.