الخميس 27 يوليو 2017 8:52 ص القاهرة القاهرة 28.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في «أكشاك الفتوى» بمحطات مترو الأنفاق؟

زوم آوت

نشر فى : الأربعاء 6 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 6 مارس 2013 - 8:00 ص

قضيت الأسبوعين الماضيين فى جامعات وتليفزيونات وملتقيات ثلاث مدن فى أستراليا، والرسالة التى وصلتنى واحدة: بالرغم من أن أستراليا تبدو وكأنها محصنة من الأزمة الاقتصادية التى تعصف بأوروبا، يظل هناك إحساس بخيبة الأمل فى النظام السياسى، وفى الساسة، وفى تشابه برامج الأحزاب، وإحساس بأن العالم ينشد التغيير. وهناك أيضا نوع من الحيرة حول ما جرى للثورة المصرية ــ حيرة تشى بالآمال الكبيرة التى علقها الناس علينا وعلى بحثنا عن طريق جديد نحو عالم أفضل. «كنا نتابعكم.. لم أكن أنام.. أسرتونا بما رأيناه عندكم.. ثم؟» ثم ماذا؟ «انتخبتم رئيسا ومازلتم فى الشوارع! لماذا تعترضون على إدارة يؤيدها غالبية الشعب؟ ألم تأتِ عن طريق الانتخابات؟ ولكن ما هو التغيير الذى قمتم به؟ أين شواهده؟ ولماذا تغرقون أنفاق غزة؟» فنبدأ فى حكى قصة الانتخابات الرئاسية وما جرى فيها، ثم قصة المائة يوم، ثم الداخلية، فبورسعيد.

 

ثم، وبعد اللقاءات، تأتى الرسائل ــ من الحضور أو ممن شاهدوا بث اللقاء ــ وأترجم مقاطع من رسالة تلخص المعنى العام فيهم كلهم: «لقد اختطفت المصالح المالية الضخمة ديمقراطيات الغرب، وأصبح ممثلو هذه المصالح يملون أجنداتهم على الساسة الذى انتخبهم الشعب ليمثلوا احتياجاته وأولوياته. وهذا الإفساد لفكرة الديمقراطية يجعل من الصعب عليكم استحداث ديمقراطية شابة ــ وبالطبع فالولايات المتحدة وإسرائيل هما جزء كبير من هذه المشكلة عندكم. لكن الاستمرار على الطريق الثورى هو الشىء الضرورى الآن. نرى النظم فى الغرب تفشل اقتصاديا، وتخسر الشارع ــ نرى هذا بوضوح الآن. إن ما تحاولون القيام به فى مصر هو مصدر إلهام لنا ــ فقصة مصر هى جزء بالغ الأهمية من قصة العالم اليوم».

 

قصة العالم اليوم كبيرة ومتشعبة. رأينا هذا الأسبوع احتجاجات الناس فى البرتغال على سياسات التقشف. ورأينا قصة الـ«موفيمنتو تشينكوى ستيللى» (حركة النجوم الخمس) الإيطالية التى فازت بربع مقاعد البرلمان الإيطالى فى تعبير واسع عن عدم رضى الناخبين عن سياسات الحكومة ومشروعات المعارضة. و«حركة النجوم الخمس» بدأها الممثل الكوميدى الشهير بِبِ جريللو، ودعمها خبير الاتصالات جانروبرتو كاساليجيو، بأن أنشأ لها موقعا على النِت على سبيل التجربة، ففاجأت الكل بسرعة نمو شعبيتها ثم بانتصارها الانتخابى (ذكرتنى بمفاجأة الاستجابة الواسعة لدعوة صفحة «كلنا خالد سعيد» للناس بالنزول فى ٢٥ يناير ٢٠١١ وما جرى بعدها) وقد دخلت الحركة الانتخابات بحملة على مبادئ أخلاقية، لكنها لم تقدم ــ وليس عندها ــ برنامجا محددا، والكثير من «نوابها» لم يلتقوا ببعض حتى يوم الاثنين هذا ــ سوى عبر النت.

 

والمشكلة الكبرى فى إيطاليا الآن كما يلى: ديون إيطاليا الخارجية تصل الآن إلى ١٢٦٪ من دخلها القومى السنوى. وقد اضطرت إلى التعهد بأنها سوف تخفض هذا الدين، خلال ٢٠ عاما، إلى ٦٠٪ من الدخل القومى. أى أن عليها كل عام أن تسدد فوائد الدين + أكثر من ٢٪ من أصله ــ وهو ما يوازى نحو بليون يورو سنويا. لكن اقتصاد البلاد لا ينمو، بل هو يتقلص بمعدل ٢.٥٪ فى السنة. ما العمل إذا؟ والخطير ــ أو الأخطر ــ فى الموضوع أن هذا التعهد المالى تم النص عليه فى الدستور الإيطالى! ألمانيا أصرت على هذا، فتمت إجراءات إدراجه فى الدستور فى يوليو ٢٠١٢ أثناء التهاء الناس بالعطلة الصيفية! مرة ثانية: ما العمل إذا؟ أصبح المطروح أن تبيع إيطاليا بعض ما تبقى من ممتلكات الدولة. وتَشَكَّل حزب سياسى تمحور حول فكرة «إنقاذ» إيطاليا عن طريق بيع كبرى مؤسساتها للطاقة، الـENI. رَأَسَ هذا الحزب البروفيسور ميكيلى بولدرين، الإيطالى المولد والجنسية والأستاذ بجامعة واشنطن فى سانت لوى بالولايات المتحدة، وساند رؤيته الاقتصادية (حول وجوب بيع العملاق الإيطالى) كبار أساتذة الاقتصاد من المدرسة النيوليبرالية. وــ ويا لمحاسن الصدف ــ كان المشترى الأساسى المطروح لشراء ENI قرينتها الإسبانية REPSOL، والتى يشغل بولدرين منصبا فى مجلس إدارتها! تصدت حركة النجوم الخمس لهذا المخطط، وطرحت رؤية أخلاقية، فانتخبتها قاعدة شعبية واسعة، ونالت ربع مقاعد البرلمان، وبهذا أوقفت المخطط ــ على الأقل إلى حين. ولكن، كيف ستتصرف الآن ككتلة سياسية وليس كمجموعة نشطاء؟ وما رؤيتها للحلول الاقتصادية والمالية للموقف؟ لن تستطيع أن تتحالف مع أى حزب سياسى آخر وإلا فقدت مصداقيتها ــ لأن فسادهم معروف. وبالتالى سوف تتم تحالفات الأحزاب وتشكيل الحكومة بدونها ــ أو ضدها. ستراتيجيتها ستكون موجهة لأن تدخل الانتخابات المقبلة لتكسب ٥١٪ من المقاعد وتشكل حكومة وتغير الإدارة تماما، لكن عليها ألا تخذل الشعب فى الأربع سنوات المقبلة، بل عليها أن تضاعف شعبيتها. ستكون كتلة تصويتية، فهل يكفى هذا؟ أتصور أن هذه التجربة تستحق أن تهتم بها ثورتنا اهتماما شديدا.

 

وفى الولايات المتحدة نفسها، تترنح الدوائر المالية عجبا للهجوم الذى تشنه عليهم عضو مجلس الشيوخ الجديدة، السناتور إليزابيث وارين. ووارين (حزب ديمقراطى) أستاذة القانون فى جامعة هارفارد، متخصصة فى قانون «التفليس»، وقد أزعجت البنوك فى الأسبوع الماضى بتساؤلاتها حول اختلاف المعاملة التى يلقاها المواطنون الذين لا يستطيعون دفع ديونهم عن تلك التى يلقاها البنوك فى نفس الموقف؟ كما أشارت وارين، فى استجواب برلمانى لرئيس البنك المركزى، بِن بِرنانكِ، إلى تقرير من بلومبرج يجد أن المستثمرين يقرضون البنوك الكبرى بأسعار فوائد منخفضة لأنهم يعلمون ان الحكومة لن تسمح للبنوك بأن تفلس، وهذه الفائدة المنخفضة تمثل «دعما» يصل إلى نحو ٨٣ بليون دولار فى السنة، واقترحت وارين على برنانكِ أن البنوك عليها أن تدفع ضرائب على هذا الدعم للمواطن العادى. ويبدو أن توجهات السناتور الجديدة شجعت اثنين من زملائها، شيرود براون (ديمقراطى) وديفد فيتر (جمهورى) على إعادة البدء فى تحركات نحو محاولة تقنين جديد لعلاقة الحكومة بالمؤسسات المالية الكبرى.

 

أما فى إنجلترا فالمعركة المشتعلة الآن هى بين شركة الطاقة العملاقة EDF Energy، ومجموعة من ناشطى البيئة. قام الناشطون، واسم مجموعتهم No Dash for Gas («لا للركض إلى الغاز») باحتلال مداخن أحد المفاعلات المملوكة للشركة فى العام الماضى، وظلوا جالسين فى الأعلى؛ فى فوهات المداخن أسبوعا، يبثون الأخبار والمعلومات حول مشكلات التلوث وسياسات الشركة. ثم نزلوا. وكانت العملية كلها مسالمة ومبدعة فاهتم بها الناس وتركت أثرا طيبا عندهم. الآن تقدمت EDF Energy بدعوى قضائية ضد شباب No Dash for Gas تطالبهم بتعويضات قدرها خمسة ملايين جنيها أسترلينيا، والكل يعلم أن هذه  حرب بسلاح المال لإسكات الاحتجاجات على سياسات الشركة ولإسكات دعوة الشباب للمجتمع والدولة ليعيدا التفكير فى سياسات واستخدامات الطاقة. وهى محاولة أيضا لردع أى مجموعات أخرى تسول لها نفسها مواجهة عمالقة المال. لجأ الناشطون إلى الإنترنت، إلى فيس بوك وتويتر، يشرحون لبريطانيا ما يحدث، ويطلبون العون، وبدأ الناس يوقعون على عريضة تطالب EDF Energy بالتراجع عن مقاضاة الشباب ومحاولة ردعهم عن نشر المعلومات وإبداء الرأى. ولما لم تستجب الشركة بدأ المواطنون فى إلغاء تعاقداتهم معها ــ فهى تمد ملايين البيوت والمنشآت بالغاز والكهرباء ــ والدخول فى تعاقدات مع منافسيها، وحتى وقت كتابة هذه السطور وصل عدد الموقعين على العريضة إلى ستين ألف مُوَقِّع بينهم عدد من أعلام الفن والفكر.

 

كل هذا من باب القول إننى فى كل مرة أضطر فيها أن أغترب عن المشهد القريب جدا لثورتنا أرى من جديد كيف أننا جزء من تغيير ضخم يحاول أن يحدث، من عالم جديد يحاول أن يولد. المسألة ــ سواء على مستوى البلد أو على مستوى العالم ــ هى: كيف تتشابك الأيدى؟ كيف نصل النقاط؟

 

صباح الاثنين اتصل شباب من الشباب الإسبانى الثائر، الـ«إندجنادوس»، بصديقة إيطالية، يأتمنها الشباب ويستشيرونها، يطلبون منها أن توصلهم بشباب حركة النجوم الخمس فى إيطاليا، فهم يريدون فهم النموذج ليحاولوا إنشاء مثله فى إسبانيا. الثورة مستمرة، الثورة عالمية.

التعليقات