الأربعاء 26 سبتمبر 2018 9:55 ص القاهرة القاهرة 26°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

لماذا كان ٣ يوليو حتميًّا؟

نشر فى : الإثنين 6 يوليو 2015 - 11:15 ص | آخر تحديث : الإثنين 6 يوليو 2015 - 11:15 ص

 

بالقرب من أول انتخابات رئاسية بعد ثورة «يناير» تحدث اللواء «عبدالفتاح السيسى» بلا حواجز فى جلسة ضيقة بمكتبه فى ضاحية «مصر الجديدة» حيث مقر المخابرات الحربية التى يترأسها عن قلقه البالغ من احتمالات اختراق وتقويض المؤسسة العسكرية.

قال ما نصه: «كان هنا بالأمس على المقعد الذى تجلس عليه خيرت الشاطر، وقد سألنى إن كان الوقت قد حان كى يحصل الإخوان المسلمين على حصة فى الدفعات المقبلة للكليات العسكرية.. أجبته لن يحدث أبدا».

بدا الطلب انفلاتا جامحا عن أية قواعد تحكم المؤسسات العسكرية فى أية دولة محترمة بالعالم وتناقضا منذرا بصدام مع طبيعة الجيش المصرى التى تتأسس على الصهر الوطنى لا السياسى ولا الأيديولوجى فى بوتقته.

فى هذه الجلسة قال الفريق «عبدالعزيز سيف الدين» قائد الدفاع الجوى والرجل الثالث فى «المجلس العسكرى»: «هذا تهديد مباشر لبنية وعقيدة الجيش المصرى، فهو ليس ميليشيا تطلب كل جماعة حصة فيه».

نفس الطلب طرحه رئيس حزب «الحرية والعدالة» فى ذلك الوقت «محمد مرسى» على اللواء «حسن الروينى» قائد المنطقة المركزية: «لماذا لا يدخل الإخوان الجيش؟».

أجابه بنفس العبارة التى سمعها «الشاطر» من «السيسى».

فى أول حضور رئاسى لـ«مرسى» وسط المجتمع العسكرى فى «الهايكستب» اقترب من «الروينى» قائلاً: «هل تذكر ما طلبته منك؟».

رد عليه: «ما زلت عند رأيى».

فى هذا اليوم لاحظ «مرسى» أن قادة عسكريين كبارا امتنعوا عن أداء التحية العسكرية، على رأسهم الفريق «سيف الدين».

سأله: «لماذا لا تؤدى التحية لرئيس الجمهورية يا سيادة الفريق؟».

أجابه بشجاعة: «لأنك لم تحترم الإعلان الدستورى الذى أقسمت على احترامه ودعوت إلى عودة مجلس الشعب، الذى قضت ببطلانه المحكمة الدستورية».

بتلخيص ما تقبلت المؤسسة العسكرية نقل السلطة إلى رجل ينتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين، رغم ما بين الطرفين من ثأرات تاريخية غير أن الجماعة أهدرت على نحو كارثى أية فرصة للانتقال إلى نظام ديمقراطى يتبنى قيم «يناير» وتنضبط العلاقة بين مؤسساته على قواعد دستورية حديثة.

بتعبير اللواء «السيسى» فى الجلسة الضيقة التى جرت وقائعها قبل شهور قليلة من إعلان «مرسى» رئيسا فإن «المهمة الأولى عودة الجيش إلى مهامه الطبيعية».

وهو يطلق عبارته اللافتة رفع يده اليمنى إلى أعلى: «فى هذه اللحظة سوف ترتفع شعبية الجيش مرة أخرى إلى عنان السماء».

وقد كانت المهمة الثانية، وفق «السيسى»، «عودة الانضباط إلى المؤسسة العسكرية التى تضررت من الوجود فى الشارع وضغط الحوادث من حولها ورفع مستويات التدريب والجاهزية لأية احتمالات تضر بالأمن القومى، الذى يتعرض لانكشاف خطير».

لم يكن هذا رأيه وحده.

كان تقدير الفريق «سيف الدين» الذى أبلغه للمشير «محمد حسين طنطاوى» «أن الواجب الوطنى والعسكرى يحتم على القادة الأقدم رتبة وسنا إفساح الطريق لقادة آخرين أكثر شبابا لتولى مسئولية إعادة الجيش إلى مهامه الطبيعية».

سألته: «من وزير الدفاع القادم يا سيادة الفريق؟».

أجاب: «إنه أمامك الآن» مشيرا إلى اللواء «السيسى» أصغر أعضاء المجلس العسكرى سنا.

بمعنى مباشر كان وزير الدفاع «السيسى» هو اختيار المؤسسة بالمقام الأول، ولم يكن اختيارا للجماعة بدليل أنها عندما فكرت فى إطاحته لم يكن أمامها أى بديل قادر على الإمساك بزمام الأمور أو يقبل بأداء المهمة.

من موقعه الجديد حاول بقدر ما يستطيع أن يبتعد بالجيش عن السياسة وأخلص فى نصيحته للرئيس «مرسى»، لكن القرار كان فى المقطم، حيث مقر مكتب الإرشاد.

بقرار من «الشاطر» ألغى فى اللحظات الأخيرة اجتماعا دعا إليه وزير الدفاع بعد موافقة الرئيس لتسوية سياسية مرضية للأطراف المتصارعة تجنب البلد الانزلاق إلى الفوضى.

تملكت الجماعة شهوة السلطة لكنها عجزت عن إدارتها بفداحة.

أهدرت أية قيمة ديمقراطية بالإعلان الدستورى الذى أصدره رجلها بالاتحادية فى نوفمبر (٢٠١٢)، وتنكرت لكل وعودها السياسية واستعرضت ميليشياتها فى الشوارع.

تحالفت مع أكثر الجماعات الإسلامية توغلاً فى العنف وخلطت على نحو فادح بين الشريعة والشرعية ولوحت بعصا السلطة للمعارضة المدنية وجماعات الشباب الغاضب.

هددت الإعلام وروعت القضاة وحاولت أن تخترق الشرطة وتحرشت بالجيش بتعمد الإساءة.

تقطعت كل السبل مع القوى السياسية ومؤسسات الدولة فى وقت واحد، وتجمعت كل رياح الغضب لطرد الجماعة من السلطة.

هذه حقائق أساسية فى فهم ما جرى بـ(٣٠) يونيو و(٣) يوليو.

أى محاولة للفصل بين الحدثين المحوريين، المظاهرات المليونية غير المسبوقة فى أحجامها وتدخل الجيش لعزل الرئيس «مرسى» خروج عن السياق وتهويم فى الفراغ.

فى (٢٦) يونيو دعيت قيادات الجيش لحضور خطاب الرئيس فى قصر المؤتمرات بمدينة نصر الذى بدا مزيجا من الوعيد والتهديد.

وقد تبدت فى الجو العام مخاوف أن يتعرض وزير الدفاع إلى احتجاز جبرى على يد الجماعة.

سئل قائد الحرس الجمهورى اللواء «محمد زكى» إن كان هناك خطرا قد يتعرض له الوزير أجاب: «لا نكون رجالاً إن حدث ذلك».

كان كل شىء على الحافة، الجماهير تحتشد للمواجهة الحاسمة فى الميادين والجماعة تستعد بالأنصار والسلاح والجيش لا يخف استعداده للامتثال للإرادة الشعبية بعدها لا قبلها.

أعطى بيان رسمى للقوات المسلحة مهلة أسبوعا للقوى السياسية أن تتوافق غير أن الجماعة تهيئ لها أنه إنذار للمعارضة المدنية، عندما صدر بيان آخر فى (٣٠) من يونيو يمنح مهلة آخيرة ليومين تصورت الجماعة مرة أخرى أن الإنذار ليس لها.

كل شىء انتهى و«قضى الأمر» على ما قلت عندما نزلت دبابات الجيش لتؤمن المنشآت العامة.

حتى لا ينسى أحد فإن عشرات الملايين استدعوا الجيش للتدخل بهتافات دوت فى الميادين «انزل يا سيسى».

بغض النظر عن أية انتقادات وسلبيات اعترضت ما بعد (٣٠) يونيو فإن ما جرى كان حتميا.

لم يكن هناك بديل آخر إلا أن يكون مقامرة بالبلد كله تضعه أمام سيناريوهات الاحتراب الأهلى والفوضى المسلحة.

عند حد الخطر إذا لم يستجب الجيش للإرادة الشعبية فإن قيادته سوف تتهم بالخيانة والتواطؤ.

بعد عامين هناك مخاوف من اختطاف «يونيو» كما اختطفت «يناير» لكن لا يصح لأحد أن ينكر حقائق اللحظة الفاصلة.

بنظرة واحدة على آخر مشاهد العنف والإرهاب من اغتيال النائب العام إلى المحاولة الفاشلة للاستيلاء المسلح على الشيخ زويد وفصل العريش عن رفح فإن أكثر الأسئلة جوهرية:

ما الذى كان يمكن أن يحدث فى مصر ما لم تحشد (٣٠) يونيو عشرات الملايين، ويتدخل الجيش لحسم سؤال السلطة؟