الجمعة 16 نوفمبر 2018 4:09 ص القاهرة القاهرة 17.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

كيف يمكن إنقاذ الانتخابات المقبلة؟

نشر فى : الثلاثاء 6 سبتمبر 2011 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 6 سبتمبر 2011 - 11:00 م

 للأسف تحقق ما توقعته وتوقعه آخرون منذ أسابيع، فما كادت جريدة «المصرى اليوم» تنشر فى عددها أمس الأول تقسيم الدوائر الانتخابية للبرلمان القادم ــ دون أن يعلن عنها بشكل رسمى بعد ــ حتى انتبهت القوى السياسية والأحزاب والمعلقون إلى حجم المشكلة التى وقعنا فيها.

الانتخابات الأهم فى مستقبل مصر المعاصر أصبحت على بعد عشرة أسابيع فقط، والنظام الانتخابى الذى انتهينا إليه بسبب توازنات ومواءمات غير ضرورية لا يتناسب أبدا مع أهمية الموضوع ولا مع الآمال التى عقدها الشعب المصرى على فتح صفحة جديدة من الديمقراطية وبدء الخروج من المرحلة الانتقالية الصعبة.

واسمحوا لى أولا بإعادة تلخيص العيوب الرئيسية للقانون والنظام الانتخابى الحالى:

(1) إن الجمع بين نظامى القائمة والفردى على النحو الذى جاء بقانون الانتخابات قد أوجد دوائر فردية كبيرة إلى حد يجعلها غير قابلة للنشاط الانتخابى خاصة فى عشرة أسابيع فقط، كما أنه أوجد قوائم تتراوح أحجامها بشكل متضارب وغير مفهوم، ولذلك فالمحصلة النهائية لا تحقق أيا من مزايا النظام الفردى ولا نظام القائمة، بل تنتهى بوضع هجين وغير متكافئ.

(2) أن النص على أن يكون رأس كل قائمة من العمال أو الفلاحين فيه تدخل فى شئون الأحزاب فى اختيار مرشحيها وفى حرية الناخبين فى اختيار من يمثلهم فى البرلمان، وفيه انحياز غير مفهوم ضد مرشحى الفئات، وكان من الممكن الحفاظ على نسبة تمثيل العمال والفلاحين التى نص عليها الإعلان الدستورى بوسائل أخرى أكثر اتساقا مع حرية الانتخابات.

(3) إن القانون لم يتضمن تنظيما لتمويل الدعاية الانتخابية، بما يهدد بأن تعود ظاهرة الرشوة وشراء الأصوات والبلطجة على نحو واسع، ويهدد بالتالى مصداقية ونزاهة الانتخابات التى اعتقد الناس أنها سوف تضع نهاية لهذه الظواهر القبيحة.

(4) إن إعلان الدستور والقانون قد تضمنا نصوصا بشأن عدم استغلال الدين والطائفية فى الدعاية الانتخابية، ولكن إلى الآن لم نر تفعيلا أو ضوابط تحكم ذلك بما يهدد بانقسام المجتمع على أسس دينية وطائفية ويهدد وحدة وسلامة الانتخابات.

(5) إن تقسيم الدوائر الانتخابية المنشور منذ يومين بشكل غير رسمى قد جاء ليزيد من عمق المشكلة إذ جاءت الدوائر غير متسقة الحجم، بعضها واسع إلى حد لا يسمح بدعاية انتخابية حقيقية، وبعضها ضيق، وفى الحالتين لا يوجد منطق واضح للتقسيم.

(6) وأخيرا فإن الموضوع صار شديد التعقيد إلى حد لا يتفق مع فكرة شفافية الانتخابات وسهولة إجرائها، إذ يفترض أن تتم الانتخابات فى يوم واحد على مجلسى الشعب والشورى، وأن تكون على ثلاث مراحل، وأن تتضمن نصف قائمة ونصف فردى، ونصف عمال وفلاحين (على الأقل) ونصف فئات، وسيدة على الأقل فى كل قائمة، ويتصدر القائمة عامل أو فلاح، وقد تنضم الأحزاب فى كتل وقوائم انتخابية. إذا كان هناك من يفهم ما سبق بوضوح، فليخبرنى.

على عكس كثير من المعلقين، لا أرى شخصيا أن الوضع الحالى يصب فى مصلحة تيار سياسى معين أو على حساب تيارات وأحزاب أخرى، بل أجده فى المحصلة الأخيرة يثير الاضطراب والتناقض ومن صعوبة الدعاية الانتخابية التى تستند إلى البرامج والأفكار ما يرجح كفة المال والعصبيات وجميع أشكال النفوذ التقليدى فى أن تعود للسيطرة والتحكم. بمعنى آخر، فإن النظام الانتخابى الذى وصلنا إليه يضعف من موقف الأحزاب والتيارات السياسية جميعا ويحد من التنافس بين البرامج الانتخابية لأنه يعيدنا إلى منطق التنافس بين الأفراد والعائلات صاحبة النفوذ التقليدى والمال والقدرة على الحشد.

وأكثر ما أخشاه من الانتخابات المقبلة ليس فوز تيار معين أو خسارة تيار آخر بل أن يأتى تشكيل البرلمان القادم ــ نتيجة لنظام الانتخاب المضطرب ــ متضمنا تمثيلا متواضعا للأحزاب كلها وتشرذما شديدا فى القوى السياسية الممثلة فى المجلس النيابى وزيادة فى ممثلى العائلات والمصالح الخاصة، فتكون المحصلة النهائية برلمانا ضعيفا، محدود الصلاحية، قليل القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية التى نحن مقبلون عليها، وعلى رقابة الحكومة وعلى الانتقال بمصر إلى الأمام.

من جهة أخرى، فإن الحديث عن تأجيل الانتخابات لم يعد ممكنا ولا مفيدا، ليس فقط لأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أكد التزامه بنهاية شهر نوفمبر موعدا لبدء الانتخابات، ولكن أيضا لأن تأجيلها فى هذه المرحلة المتأخرة سوف يهدد مصداقية عملية الانتقال الديمقراطى كلها، ويفتح بابا لمجهول لا أحد يعلم إلى أين يؤدى، ويؤجل الخروج من المرحلة الانتقالية التى يأمل الناس فى انتهائها لكى يمكن التفكير فى أولويات إعادة البناء والإنتاج والعمل.

فهل معنى ذلك أن وقت تصحيح عيوب النظام الانتخابى قد فات؟ لا أظن، ولكن الموضوع يحتاج لتضافر وتحرك سريع بين كل القوى السياسية التى يهمها أن تكون الانتخابات القادمة نزيهة ومنتجة لبرلمان قوى فيه تمثيل واضح للتيارات والأحزاب الرئيسية. لا يزال من الممكن ــ إذا اتفقت القوى السياسية سريعا ــ أن نطلب من الحكومة ومن المجلس العسكرى إعادة النظر فى قانون الانتخابات (دون المساس بالإعلان الدستورى) وإجراء تعديلات بسيطة بحيث يجرى الانتخاب على أساس القوائم وحدها، وأن يتم إلغاء النص على ألا يتصدر القائمة مرشح من الفئات مع الاحتفاظ بنسبة تمثيل العمال والفلاحين، وأن تصدر ضوابط محددة لتمويل الدعاية الانتخابية، وأن يعاد رسم الدوائر الانتخابية ــ والتى لم تتحدد رسميا بعد ــ بما يعبر عن تقسيم منطقى وتوزيع عادل للأصوات.

نتيجة الانتخابات القادمة سوف تحدد مصير البلد لعقود قادمة، ولذلك فالتنافس بين الأحزاب والتيارات السياسية سوف يكون شديدا والانتخابات سوف تكون ساخنة. ولكن هناك مصالح تعلو فوق التنافس الحزبى، ومن بينها أن يكون البرلمان القادم برلمانا قويا، مؤثرا، فيه أحزاب حقيقية وفاعلة. أما أن نخرج بعد كل هذا بمجلس نيابى ضعيف وغير قادر على مراقبة الحكومة، ولا على فرض إرادة الناس، فهذه هى الخسارة الأكبر.

والحرص على مستقبل الحياة الحزبية فى مصر يجب أن يعلو على الخوف من فوز أو خسارة تيار بعينه. المكسب الحقيقى لمصر أن يصبح لدينا نظام حزبى سليم، وبرلمان قوى، والنظام الانتخابى الحالى لن يحقق أيا منهما. فلنتفق على إعادة النظر فيه وعلى تصحيح عيوبه بينما الفرصة لاتزال سانحة.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.