السبت 22 سبتمبر 2018 11:47 م القاهرة القاهرة 26.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

جديد فى الدبلوماسية

نشر فى : الأربعاء 6 أكتوبر 2010 - 9:48 ص | آخر تحديث : الأربعاء 6 أكتوبر 2010 - 9:48 ص
رسخ فى أذهان كثير من الناس أن الدبلوماسى رجل حلو المعشر رقيق الحاشية أنيق المظهر يتقن اختيار ربطة العنق، التى يرتديها والأكلات التى يقدمها لضيوفه وموضوعات النقاش، التى سيتولى إثارتها على مائدة العشاء ونوع السيجار الذى يختم به وجباته.

ولكن ما لا يعرفه كثير من الناس هو أن الدبلوماسية أصعب المهن على الإطلاق إذا نظرنا إليها من منظور الحياة الزوجية والتأهل للزواج والعلاقات العاطفية وتربية الأطفال وتنشئتهم. كانت دائما مهنة شاقة وأسمع أنها ازدادت مشقة.

تتغير الدنيا وتتغير معها المهن التقليدية وبخاصة تلك التى تتأثر بطبيعة الحكم كالدبلوماسية. نذكر مرحلة حين كان الشيوعيون يحكمون فى نصف بلاد العالم ويؤثرون بأفكارهم وسلوكياتهم فى النصف الآخر. وقتها كانت وزارات الخارجية تشجع الدبلوماسيين على اصطحاب زوجاتهم، وبأن تسمح لهن بالعمل فى وظيفة أو أخرى بالسفارة أو فى خدمة تجمعات المغتربين بما يتناسب وخبراتهن.

نذكر أيضا مرحلة كان الدبلوماسيون الصينيون يقيمون ويعملون فى مبانٍ قريبة من بعضها البعض وتوفر الدولة لكل منهم سواء كان زوجا مرافقا أم زوجة مرافقة العمل المناسب. قدمنى مسئول كبير فى سفارة صينية إلى حاملات شهادات فوق الجامعية يعملن فى السفارة طاهيات يوفرن بعملهن على الدولة نفقات سفر وإقامة طهاة متخصصين وفى الوقت نفسه تكون الدولة قد ضمنت الاستقرار العائلى لدبلوماسييها.

وفى مرحلة أخرى وجدت بعض الدول الغربية مصلحة فى الاستفادة من تجارب الدول الشيوعية فصارت تشجع زوجات الدبلوماسيين على العمل نصف وقت فى أعمال السكرتارية وتعليم الأطفال أو الكبار خلال مدة إقامتها مع زوجها فى موقع عمله. مرة أخرى كان الهدف تأمين حياة عائلية مستقرة للدبلوماسى.

ولكن فى معظم الأحوال ظل العرف قائما بأن لا يعين دبلوماسى وزوجته الدبلوماسية فى بعثة واحدة ليقوما معا بأداء مهام دبلوماسية، وقد يخضع أحدهما وظيفيا للآخر فتنتقل مشكلات البيت إلى السفارة ومشكلات العمل إلى البيت.

وما تزال بعض الدول تفضل أن يعمل الطرف المرافق زوجا كان أم زوجة فى وظيفة غير دبلوماسية فى السفارة عن أن تتوزع العائلة على بلدين. وما زالت وزارات الخارجية تجرب بدائل متعددة.


قرأت منذ أيام فى صحيفة فاينانشال تايمز تحقيقا لفت انتباهى. يدور التحقيق حول تجربة جديدة لحل مشكلة من مشكلات الزواج بين الدبلوماسيين نفذتها وزارة الخارجية البريطانية. كلفت الوزارة اثنين من دبلوماسييها، زوج وزوجته، بتقاسم مسئولية رئاسة بعثة دبلوماسية لبريطانيا فى لوساكا عاصمة زامبيا.

وكان الاثنان وهما توم كارتر وكارولين دافيدسون قد تعرفا وتزوجا أثناء عملهما فى سفارة المملكة المتحدة فى براتيسلافا. وعندما حل موعد اختيار أحدهما رئيسا للبعثة اقترحا على الوزارة أن يتولى كل منهما مسئولية رئاسة البعثة لمدة أربعة أشهر.

أعرف أن عقبات كثيرة تقف فى وجه تطبيق مثل هذه التجربة فى مصر، رغم أننى أعرف جيدا أن الخارجية المصرية تعانى مثل غيرها من وزارات الخارجية من المشكلات الناجمة عن تعدد الزيجات بين رفاق المهنة.

وأعرف عن ثقة أن بعض هذه المشكلات البيروقراطية يؤثر سلبا على جودة العمل وكفاءة الدبلوماسيين والدبلوماسيات، وبخاصة هؤلاء الذين لم ينجحوا فى توفيق ظروفهم وأولوياتهم العائلية مع ظروف الوظيفة.

أثار انتباهى فى التحقيق الصحفى جانبا فى التجربة لا يقل أهمية. إذ قام الدبلوماسى كارتر وزوجته الدبلوماسية دافيدسون بتجربة أخرى مستفيدين من الأشهر الأربعة، التى يقضيها كل منهما بالتناوب، يكون أحدهما خلالها بلا عمل. تقدم كلاهما لدراسة إدارة الأعمال والحصول على درجة ماجستير فيها.

واختارا للدراسة المواد التى تزيد كفاءتهم فى العمل الدبلوماسى. استفادا مثلا من دراسة مادة الإدارة العليا لأنها دربتهما على وضع إطار عام يجمع بين الأهداف والإمكانات وأفضل أساليب الاقتراب من قضية مطلوب التدخل فيها بالوساطة أو التحليل وتقدير موقف.

تعلما أيضا كيف يشرحان بدقة معقولة موضوعا وعرفا، وكان جديدا بالنسبة لكليهما، كيف يفكر القطاع الخاص. درسا المناهج السلوكية فازدادا خبرة بضرورة صياغة السؤال الصحيح والقدرة على التنبؤ بسلوك وتصرفات شخص معين أو جماعة معينة تحت الضغط أو التحفيز.

يقول محرر التقرير الصحفى إن هناك مؤشرات على أن وزارات خارجية كل من روسيا والولايات المتحدة والصين تنوى تبنى التجربة عسى أن تسهم فى حل واحدة من أصعب مشكلات المهنة والاستفادة منها فى تطوير قدرات دبلوماسييها من الجنسين. وأعتقد أنه رغم صعوبات معينة لا يوجد ما يمنع خارجيتنا من تبنى الفكرة أسوة بخارجيات الدول المتقدمة وحماية للاستقرار العائلى، الذى يفتقده عدد غير قليل من الدبلوماسيين المصريين.
جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.