الخميس 15 نوفمبر 2018 3:39 م القاهرة القاهرة 24.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

الرئيس الثالث عشر

نشر فى : الأحد 6 نوفمبر 2016 - 9:40 م | آخر تحديث : الأحد 6 نوفمبر 2016 - 9:40 م
فى بلد كلبنان لا يوجد سر واحد يعيش طويلا، حسابات الأطراف المتنازعة غير خافية واتصالات الكواليس شبه معلنة.
يقال عادة إن لبنان مرآة العالم العربى، لكنه قبل ذلك مرآة نفسه.

منذ تأسيس دولته انعكست على مسارحه أزمات الإقليم الكبرى وتجلت موازين القوى والنفوذ وأحجام الأدوار فى شئونه ومصائره، دون إخفاء بمساحيق تجميل أو إنكار لحقائق صوره.
كأى مرآة سياسية فإن ما يحدث فيه من تحولات مفاجئة وحسابات جديدة يعبر عن شىء ما يتحرك خارجه.

هناك أسباب داخلية ساعدت فى تفكيك أزمة الفراغ الرئاسى، التى تمددت لسنتين ونصف السنة دون أفق لحل.
تعطلت مؤسسات الدولة، رئاسة وحكومة ومجلسا نيابيا، وتدهورت الخدمات العامة إلى حد العجز عن جمع القمامة، وارتفعت نبرات الإدانة بأكثر ما هو معتاد للمحاصصة الطائفية وفساد النخب الحاكمة، وبدا أن انفجارا ما قد يحدث يأخذ من لبنان سلامته وأمنه، وربما وجوده كدولة، بالنظر إلى هشاشة وضعه الداخلى وبراكين النار فى جواره السورى.

لم تكن مصادفة تراجع شعبية «تيار المستقبل»، الذى يترأسه «سعد الحريرى»، على نحو فادح فى الانتخابات البلدية، وتقويض صورة «حزب الله» بأثر اتهامه بالمسئولية الأولى عن تعطيل الاستحقاق الرئاسى، أو أن تلاحق الاتهامات بصيغ أخرى جميع الأطياف والمكونات بلا استثناء واحد.
وفق الصيغة اللبنانية المعتادة «لا غالب ولا مغلوب» جرت صفقة تمرير الرئيس الثالث عشر العماد «ميشيل عون» إلى قصر بعبدا.

الصفقة لم تتضح كل أبعادها وخلفياتها بعد، ولا عرفت بدقة حسابات الأطراف الإقليمية المتنازعة فى تمريرها، ولا أى حسابات أخرى لأطراف دولية متداخلة فى مباركة التطور الجديد.
غير أنه من المؤكد أن إشارات خضراء صدرت فى وقت واحد من الرياض وطهران سمحت للمجلس النيابى بأن يلتئم لانتخاب «عون» رئيسا، وفق الصيغة نفسها «لا غالب ولا مغلوب»، فى لحظة صراع مفتوح على جبهات أخرى تبدأ من سوريا ولا تنتهى فى اليمن.
ذهبت الرئاسة إلى «عون» ورئاسة الحكومة تنتظر «الحريرى»، وكلاهما ينتمى إلى معسكر يخاصم الآخر على خلفية تداعيات اغتيال رئيس الوزراء الأسبق «رفيق الحريرى» والحرب فى سوريا والموقف من سلاح «حزب الله».

تحت وطأة الضجر العام من الفشل المزمن فى الوفاء بمتطلبات الحد الأدنى لاحتياجات الحياة الطبيعية تفكك معسكرى «٨ آذار» و«١٤ آذار»، وكانت صفقة تمرير الرئيس الثالث عشر إعلانا رسميا بنهاية تحالفات دون أن تتضح تحالفات جديدة، فكل شىء يتحرك وكل طرف يلملم أوراقه.
الذين عارضوا صعود «عون»، وناصبوه العداوة لسنوات طويلة، يعانون الآن بمقتضيات السياسة المتحولة ترحيبا بصعوده وأملا فى تعاون مشترك.

هذا وضع سوف يخضع لاختبار إثر آخر، يبدأ من تشكيل الحكومة والنظر فى قانون الانتخابات ومدى التزام الرئيس الجديد بما تعهد به فى «خطاب القسم» أن يقف على مسافة واحدة من كل المتناقضات حكما وفق الدستور لا طرفا فى أى صراعات سياسية، وبما سجله من ضرورة إقرار قانون انتخابى يؤمن عدالة التمثيل قبل موعد الانتخابات النيابية، وبما أكده من ضرورة الابتعاد عن الصراعات الخارجية واحترام ميثاق جامعة الدول العربية، والأهم النأى بلبنان ــ الذى يسير بين الألغام ــ عن النيران المشتعلة حوله فى المنطقة.

كل تعهد ينطوى على لغم، فقانون الانتخابات موضوع سجال لبنانى ضاغط وملح غير أن لكل طرف تصورا يوافق مصالح طائفته بأكثر من ملاءمة التطلع إلى دولة حديثة ديمقراطية تحكمها قواعد المواطنة لا حصص الطوائف.
والابتعاد عن الصراعات الخارجية أقرب إلى الأمنيات من السياسات، بالنظر إلى ارتباطات الأطراف الداخلية النافذة بالحسابات الإقليمية المتناقضة.

وإعلان احترام القرارات العربية تأكيد جديد لهوية لبنان العربية لكنه لا يتعدى الأقوال العامة.
كما أن تعهده بدعم المقاومة ضد العدو الإسرائيلى حقيبة ألغام معبأة بالمخاوف المتبادلة، فهناك من يشكك بجدية بعض الأطراف فى أى مقاومة أو صلات خفية لها بمن يفترض أن تحاربه، وهناك من يؤكد قيمة المقاومة لكنه يطلب نزع سلاحها، باعتبار أن الجيش المخول وحده بصد أى عدوان.

فى اليوم التالى لصعود «عون» تبدأ مشكلاته الحقيقية ويحكم على قدراته فى نزع فتيل الأزمات قبل انفجارها بوجه لبنان كله.
هو رجل عنيد سعى على مدى (٢٦) عاما للعودة إلى قصر بعبدا، الذى طرد منه بقوة السلاح عندما كان رئيسا لحكومة عسكرية بتكليف من الرئيس المنتهية ولايته فى ذلك الوقت «أمين الجميل».
لم يكن التكليف شرعيا بأى معنى دستورى وقانونى أو سياسى توافقى، لكن طموحه دعاه إلى محاولة فرض رئاسته بالقوة فى أتون حرب أهلية.

دخل فى صدام مسلح مع حكومة «سليم الحص»، التى حظيت بدعم كامل من جبهة وطنية واسعة نظرت إلى صورته بسلبية بالغة سادت أرجاء العالم العربى.
عندما عاد من المنفى الباريسى إلى بيروت بعد اغتيال «رفيق الحريرى» وخروج القوات السورية فاجأ خصومه وأنصاره على السواء بـ«عون جديد».

وهو رجل عملى بروح المغامرة لم يتردد فى التحالف مع بعض أعداء الماضى، أو أن يدخل فى صراع مفتوح مع بعض الحلفاء القدامى.
لا يستبعد أن يبدى الرئيس «عون» وجها جديدا لم يسبق أن أطل عليه أحد من قبل.

وعلى الرغم من أنه الجنرال الرابع الذى يصعد إلى بعبدا فإنه يختلف عن سابقيه «فؤاد شهاب» و«إميل لحود» و«ميشيل سليمان».
ليست لديه كاريزما الأول وقوة نفوذه على المؤسسات العسكرية والأمنية، ولا مستوى الدعم الإقليمى والدولى الذى جسده رجلان استثنائيان «جمال عبدالناصر» و«شارل ديجول».

كما أنه ليس مثل الجنرالين الآخرين اللذين صعدا للمكان نفسه بقوة المواءمة الاضطرارية لا بأثر الطموح الزائد.
وهو فى الثالثة والثمانين من عمره يجد نفسه أمام اختبارات صعبة، كيف يحفظ استقلاليته دون إخلال بالتوازنات الحرجة؟ وكيف يوفق بين المتناقضات فى أوضاع إقليمية متفجرة؟

ليست هناك مهمة سهلة واحدة تعترض الرئيس عون، من طلب الماء النظيف والبيئة النظيفة إلى طلب إبعاد لبنان عن شلالات النار واحتمالات الاحتراب الأهلى التى أطلت بأشباحها أكثر من مرة فى السنوات الأخيرة.
أفضل ما يجرى فى لبنان الآن، على الرغم من كل الأزمات المحتملة والمشاعر المتضاربة، أنه بالكاد التقط أنفاسه وبدأ يتطلع إلى مستقبله بشىء من ثقة افتقدها طويلا.