الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 9:09 م القاهرة القاهرة 19°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

عن الطائفية والانتخابات

نشر فى : الثلاثاء 6 ديسمبر 2011 - 9:20 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 6 ديسمبر 2011 - 9:20 ص

حدث للأسف ما حذر منه الكثيرون بأن تتحول المعركة الانتخابية الجارية إلى تحزب طائفى وانقسام للمجتمع بين دينى ومدنى أولا، ثم بين مسلم ومسيحى. لا شىء يضر بالنسيج الوطنى وبالوحدة الوطنية أكثر من هذا الانقسام الذى تفاقم فى الأسبوعين الماضيين وصار يهدد ليس فقط الانتخابات الجارية بل مستقبل البلد بأكمله. الطائفية ليست جديدة على مجتمعنا، ولكن ما جعل التوتر هذه المرة زائدا عن المعتاد أن المسكوت عنه صار علنيا، وما كان الناس يتجنبون التصريح به أصبح مطروحا على الساحة دون أى تردد أو حصافة أو حتى حياء. وما كادت المعركة الانتخابية تحتدم حتى صار كل شىء مباحا: الشائعات، والمنشورات، والمؤامرات، و«الضرب تحت الحزام» بكل أشكاله، فى مشهد لم تعرفه مصر من قبل. والإعلام لم يدخر جهدا فى تأجيج الموقف وفى إلقاء الزيت على النار حتى يستمتع المشاهدون كل مساء وينطفئ غليلهم بالفرجة على النسيج الوطنى وهو يحترق. كيف وصلنا إلى هذه النتيجة المؤسفة؟

 

يسهل القول إن الأحزاب المتنافسة قد أخطأت حينما لجأت للورقة الطائفية من أجل حشد الأصوات لصالحها أو تعبئة الناخبين ضد الخصوم. هذا صحيح، ولكن الواقع أن خطأ الأحزاب والقوى السياسية بدأ قبل ذلك بكثير، حينما تركت الشهور تمضى دون أن تتوجه إلى الناس لا ببرامج اقتصادية محددة، ولا بسياسات اجتماعية يمكن الاتفاق أو الاختلاف عليها، ولا حتى بذلت الجهد الكافى للاقتراب من مشاكلهم اليومية والحياتية بما يمكن الناخبين من الاختيار بين رؤى سياسية واقتصادية واجتماعية متنافسة، فكان طبيعيا حينما حان وقت المعركة الانتخابية أن يتم اختزال الاختلاف بين الأحزاب فى الموضوع الأسهل والأكثر ظهورا، وهو الطائفية. ولو كانت الأحزاب أتاحت للناس فرصة المشاركة فى حوار سياسى أكثر عمقا حول أولويات الإنفاق العام، وشكل الدولة القادمة، والتنمية الاقتصادية، والسياسات الخارجية، وغير ذلك من القضايا التى تمنح الأحزاب هوية وتميزا، لما كانت المعركة الانتخابية قد أخذت هذا المنحنى الطائفى القبيح. المجتمع يدفع الآن ثمن انشغال الأحزاب فى صراعات سياسية وتجاهل الحوار المباشر مع الجماهير وتبنى القضايا المختلفة التى كان يجب أن تكون هى محور المعركة الانتخابية.

 

من جهة أخرى فقد تفاقم الوضع الطائفى فى الأسبوعين الماضيين بما لمسه الناس من جهد على الجانب المسيحى للمشاركة الإيجابية والفعالة والمنظمة فى الانتخابات. الذين هاجموا المشاركة المسيحية المنظمة باعتبارها تكريسا إضافيا للطائفية معهم حق من حيث المبدأ لأن هذا التكتل فى حد ذاته تعبير جديد عن أن المجتمع صار منقسما وفقا لخطوط دينية، وهو وضع مؤسف ولا ينبغى تشجيعه أو الاحتفاء به. ولكن تجاهل أن هذا الموقف يمثل رد فعل طبيعيا ونتيجة منطقية لسكوت المجتمع على الزج بالدين وبالطائفية فى قلب الحياة الحزبية منذ فترة طويلة هو ما أصفه بالانتقائية، والتكتل المسيحى فى هذه الظروف جزء من مشكلة أكبر يجب التعامل معها بإنصاف وبتقدير للدوافع والأسباب. أما ترك الطائفية والتحزب الدينى يسيطران على الساحة السياسية ثم مطالبة المسيحيين بأن يكونوا هم بالذات بعيدين عن الطائفية ومواطنين مثاليين، وأن يختاروا مرشحيهم دون التنسيق فيما بينهم حتى لا يكون فى ذلك تعميقا للمشكلة، فهذا أمر غير ممكن وغير عادل. المطالبة بنبذ الطائفية فى العمل السياسى يجب أن تكون عملا كاملا وشاملا ومنطبقا على الجميع، لا أن تكون انتقائية نستخدمها أحيانا ونتجاهلها معظم الوقت.

 

وأخيرا فبقدر ما كانت حماية القضاء والقوات المسلحة للعملية الانتخابية محل تقدير واحترام داخل اللجان (برغم وجود تجاوزات عديدة ولكن لا ترقى لمستوى التزوير المنظم المعروف سابقا) إلا أن أجهزة الدولة تركت الساحة خارج اللجان تماما وسمحت بانتهاك القانون بلا أى محاولة للتدخل خاصة فيما يتعلق بالزج بالدين وبالطائفية فى الدعاية الانتخابية، وفى التشهير بالخصوم باستخدام أسلحة التكفير والطائفية والتعصب الدينى، وفى نشر الشائعات، رغم أن كل هذا أعمال مخالفة للقانون وتمت على مرأى ومسمع من كل أجهزة الدولة ومن اللجنة العليا للانتخابات. والنتيجة أن المرحلة الانتخابية الأولى تميزت بنزاهة نسبية داخل اللجان، ولكن تميزت أيضا بتجاوزات بلا حدود خارجها خاصة فى استخدام الدين والطائفية سلاحا ووسيلة للتحريض ولتشويه الخصوم برغم كل ادعاءات التنافس الشريف.

 

هل هناك أمل فى أن تكون المرحلتان الثانية والثالثة أكثر احتراما للمنافسة وأكثر تقديرا لضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية فى ظل الظروف الصعبة التى تجتازها البلاد؟ أرجو ذلك، ولكن أشك فى أن تكون الأحزاب المتعطشة للسلطة والباحثة عن أكبر مكسب مستعدة لوضع مصلحة البلاد فى المقدمة. ولكن الموقف بالفعل مؤسف وخطير، ولو استمرت نبرة التصعيد الطائفى والفرز القبيح للمجتمع إلى مسلم ومسيحى فإن الانتخابات قد تنتهى بشكل أو بآخر والبرلمان يتم تشكيله، ولكن تكون تكلفة كل ذلك باهظة على المدى الطويل وعلى وحدة الوطن وعلى سلامته. لن تكون الانتخابات سليمة وآمنة ونزيهة بالفعل إلا لو تمت فى إطار النبذ الكامل للطائفية من جميع الأطراف، والتطبيق العادل للقانون داخل اللجان وخارجها وعلى كل الأحزاب والتيارات السياسية، حتى تعود تلك الأحزاب للتنافس على برامج اقتصادية واجتماعية بدلا من الاستمرار فى تعميق الهوة الطائفية.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.