الجمعة 15 ديسمبر 2017 8:19 ص القاهرة القاهرة 14.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

أنا فاصلة منقوطة

نشر فى : الأربعاء 6 ديسمبر 2017 - 11:00 م | آخر تحديث : الأربعاء 6 ديسمبر 2017 - 11:00 م
فى الصورة امرأة أنيقة تلبس فستانا أسود فى طرفه خط أحمر على طول القماش. تنظر السيدة إلى الكاميرا بشكل مباشر بعينيها الرماديتين وشعرها القصير وهى تبتسم. تمسك السيدة بيدها يد طفلة لا تتعدى السنتين تلبس معطفا أحمر سميك يعطيها هيئة «ذات الرداء الأحمر»، وهى قصة كثيرا ما قرأتها السيدة لابنتها. الصورة باهتة بعض الشىء ويطغى عليها اللون الأصفر أو البرتقالى كما هى الحال فى أغلب الصور التى تم الاحتفاظ بها منذ تلك الفترة.

***

باستطاعة من يتصفح الصور أن يدوس على زرار الزمن فيهبط اليوم فى عالم آخر، بعد ما يزيد عن الثلاثين عاما، تلبس فيه امرأة أخرى الفستان الأسود ذا الخط الأحمر، وتمسك بيدها فتاة صغيرة شعرها بنى محمر، تلبس معطفا أحمر تحاول جاهدة أن تتخلص منه فهو يخنقها بفروته الداخلية التى لا تناسب جو المدينة التى تعيشان فيها.

***

بين الصورتين حيوات بأكملها، فقد ربت السيدة الأنيقة أطفالا وكبرت ذات المعطف الأحمر وسافرت وأحبت وأصبح لها طفلة وها هى تحاول أن تجبرها على لبس المعطف الأحمر المخملى ربما فى محاولة منها من أن تتأكد أن صغيرتها سوف تحبها كما أحبت هى والدتها الجميلة. ربما تلبس هى الفستان الأسود علها تكتسب منه بعض أناقة ورقى والدتها.

*** 

بين الصورتين سنوات طويلة بالأحداث وقصيرة بالزمن، أين ذهبت الأيام، تتساءل المرأتان، كيف خلعت الأم فستانها الحريرى لتلبسه ابنتها التى وضعت على ظهر ابنتها المعطف الأحمر خاصتها؟ فى العلاقة مع الزمن أسرار لا يمكن فكها، شبهها البعض بالغمزة، أى الجزء من الثانية الذى تستغرقه غمزة عين ترف فتطير صاحبتها فى دوامة من الدخان يحط بها فى زمن آخر، على الأرجح أيضا فى بلد آخر لم يظهر فى الصورة التى أصبحت اليوم باهتة رغم حقيقتها يوم تم التقاطها بعدسة مصور.

***

هناك شىء افتراضى يربطنا بزمن مضى، فيتجلى ذلك الزمن أحيانا بوضوح من خلال الأحاديث والذكريات ثم ما يلبث أن يعود فيخيم عليه ضباب يكتظ هو الآخر بالصور، تماما كما تتسابق الصور أمام أعيننا فى كل مرة نتذكر فيها أشخاصا لم نرهم منذ سنوات ربما لأننا انتقلنا للعيش بعيدا عنهم ففرقتنا الحياة أو لأنهم رحلوا عن الدنيا برمتها. فى العلاقة الافتراضية نعيد ترتيب الأشياء وتفنيد المشاعر فنتغاضى عن بعض المرارة ونعيد تجميل بعض التفاصيل.

*** 

فى اللغة الشامية نستخدم تعبير «العمر المحير» نسبة للفترة التى يتغير فيها جسد الطفل بشكل يجعله أكبر من مقاس ثياب الأطفال وأصغر من أن يلبس ثياب الكبار. أنا أكتشف أن هناك عمرا محيرا آخر فى مرحلة من الحياة يعتبرها الكثيرون أوج الحياة وقمة الطاقة والعطاء، فهى مرحلة الانغماس بالعمل والتعامل مع معترك الحياة العائلية. هى مرحلة يفترض أن يكون فيها الإنسان معتمدا على نفسه بشكل كامل ويصبح مسئولا عن أشخاص وأمور من حوله. هى أيضا فترة أشعر أننى حين أتعب فيها أحتاج إلى أن ألبس المعطف الأحمر وأحتمى فى طيات فستان أمى الجميلة القوية، فأقف محتارة إذ إنه من المستحيل أن تدخل يدى حتى فى كم المعطف الصغير.

*** 

العمر المحير هذا شديد القسوة، هو كقمة جبل بين الوديان، نصل إليه بعد سنوات من العمل الجاد والجهد الجسدى والعقلى والعاطفى فنكون فى مكان يهيأ لنا أننا لو مددنا يدنا لاستطعنا أن نلمس القمر. ثم ماذا؟ أمد يدى لأقطف القمر فى ليلة داكنة فيختل توازنى. أنا أقف على مساحة صغيرة على ارتفاع شاهق وها هو توازنى يختل بسبب حركتى المتهورة، فمن ذا الذى يستطيع فعلا أن يقطف القمر؟ أين أمى بفستانها الحريرى ونظرتها الثابتة لتمسك بى قبل أن أتدحرج هابطة إلى القاع؟

***

فى علم النفس دراسات بلا نهاية عن محاولات الناس المتكررة بالانسلاخ عن طفولتهم، كثير منها محاولات لا يصاحبها قرار واع فالحياة هى من تبعدنا عن حضن الأم وكأس الحليب الدافئ قبل النوم. انظر إلى طفلتى وأخاف من شدة ما أرى نفسى فى وجهها الصغير. يقول من حولى إنها تشبهنى كثيرا وأنا أنظر فى عينيها وأسألها إن كانت سوف تحبنى حين تلبس هى الفستان الأسود وتلبس ابنتها المعطف الأحمر بعد سنوات عديدة. أنا طبعا أعى لنرجسية ما أطلبه منها. أم أننى أطلب من نفسى أن أحبها كما أحبتنى أمى حتى أضمن لنفسى مخزونا من الرحمة حين أكبر؟ هل فى الحب عقد يجبر الطرفين بالتزامات غير محدودة بزمان ومكان؟ هل هذا ما يشار إليه بالحب غير المشروط؟

***

لا أعرف أكثر من أننى فى مرحلة غريبة أشعر فيها أننى فاصلة منقوطة كتلك التى تربط جملتين منفصلتين لكن بينهما علاقة منطقية فى النص، كل جملة من زمن وتمسك إحداهما بيد الأخرى برفق. أنا واو الوصل، أنا الوادى بين جبلين، أنا الشخص المحتار فأنا أشبه الأم والطفلة، أشبه أمى وابنتى تشبهنى فيزيد ذلك من تخبطى. أنا فاصلة منقوطة تربط بين مكيالين من الحب غير المشروط، أنا واو الوصل الذى يريد أن يدمج بين جملتين متطابقتين تلبسان معطفا طفوليا أحمر فوق فستان نسائى من الحرير فأهمس فى أذنيهما: أنا أحبك.

 

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات