الخميس 13 ديسمبر 2018 11:35 م القاهرة القاهرة 17.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

أزمات سعودية أمريكية لن تنتهى

نشر فى : الخميس 6 ديسمبر 2018 - 9:40 م | آخر تحديث : الخميس 6 ديسمبر 2018 - 9:40 م

على الرغم من متانة العلاقات بين الرياض وواشنطن منذ التأسيس لها منتصف أربعينيات القرن الماضى، لم تسر العلاقات بين الدولتين على خط مستقيم خلال السبعين عاما الأخيرة. وعرفت العلاقات فترات شد وجذب، وامتدت فى الكثير من الحالات لتصل لمستوى خطير من الأزمات. وكان أى من هذه الأزمات قادرا على قطع حبل العلاقات الاستراتيجية المعقدة والهامة للدولتين. إلا أن صانعى السياسة ومتخذى القرار فى الرياض وواشنطن أدركوا ضرورة احتواء هذه الأزمات اعتمادا على حساب الربح والخسارة على المدى الطويل والمتوسط. وبداية يمكن تقسيم هذه الأزمات لفئتين، أولها ينتج عن سلوك مباشر من إحدى الدولتين (السعودية أو الولايات المتحدة) كما كان الحال حالة استعمال السعودية سلاح النفط أو عندما مرر الكونجرس قانون جاستا. وتتعلق الثانية بردود الأفعال على تطورات إقليمية كبرى تدفع الدولتين لضرورة مواجهة الأزمة معا فى إطارها الأكبر مثل الحال مع الثورة الإيرانية أو الربيع العربى.
***
بعد بدء معارك حرب أكتوبر، قررت الدول العربية المصدرة للنفط بزعامة السعودية خفض الإنتاج 5% على الفور مع تعهد بخفض 5% إضافية كل ثلاثين يوما، وبادرت السعودية منفردة بخفض إنتاجها بنسبة 10%. وعندما أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل قيمتها 2.2 مليار دولار يوم 19 أكتوبر، أوقفت السعودية شحن النفط كلية لأمريكا. ونتج عن الخطوة السعودية أزمة كبيرة فى السوق الأمريكية تضاعفت معها نسبة البطالة لتصل 9%، وارتفعت نسبة التضخم لتزيد عن 10%، وتضاعفت أسعار النفط خمس مرات.
ثم كانت أزمات عام 1979 والتى بدأت بالإطاحة بنظام الشاه فى إيران، وهو النظام الذى كان صديقا للرياض ولواشنطن، على يد ثورة شعبية قادها الإمام آية الله الخمينى. من ناحية أخرى، وقعت مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل تحت رعاية وإشراف واشنطن. وتسبب الحدثان فى إحداث هزة كبيرة لعلاقات الرياض بواشنطن، إلا أن ثلاثة تطورات لاحقة متسارعة فى الأشهر التالية لم تترك للدولتين بديلا عن العودة لحميمية العلاقات بينهما. ففى نوفمبر 1979 سيطرت مجموعة من المتطرفين على الحرم المكى، أهم مقدسات المسلمين وأحد أهم مصادر شرعية حكم آل سعود، واضطرت السعودية لاستخدام القوة من أجل السيطرة على المسجد الحرام. ودفع الغزو السوفيتى لأفغانستان فى ديسمبر، وبدء الحرب العراقية الإيرانية بعد ذلك بتسعة أشهر، الرياض وواشنطن للعمل سويا كحلفاء فى مواجهة التهديدات المتزايدة أمامهما فى الشرق الأوسط.
***
وكانت أزمة غزو العراق للكويت 1990 كافية لوضع بذور التعاون العسكرى غير المسبوق بين الدولتين عن طريق إرسال واشنطن أكثر من 400 ألف جندى لحماية السعودية ولتحرير الكويت. وكشفت عمليات عاصفة الصحراء ضعف القدرات السعودية فى الدفاع عن نفسها واعتمادها فى البقاء على الحماية العسكرية الأمريكية. وكشفت الحرب خطورة العامل الجغرافى على السعودية خاصة بعدما هددتها إيران فى الثمانينيات وهددها صدام حسين باجتياح عسكرى بعد ذلك بسنوات. وعلى الرغم من تأكيد هذه الأزمة للشراكة السعودية مع الولايات المتحدة، فإنها هددت شرعية عائلة آل سعود بسبب استعانتها بقوات غير مسلمة للدفاع عن وجود الدولة. من هنا سارع الملك فهد لمحاولة إعادة إحياء مفهوم الشرعية الإسلامية واستثمر الكثير فى بناء دور عبادة ومدارس إسلامية حول العالم كرد على الانتقادات الداخلية لدور الجيوش غير الإسلامية فى تأمين المملكة.
ثم تعرضت الدولتان لاختبار أزمة 11 سبتمبر 2001، وهى الأزمة التى لا تزال تبعاتها مستمرة حتى اليوم بصور مختلفة. وكان لوجود خمسة عشر سعوديا بين الإرهابيين التسعة عشر ممن نفذوا الهجمات التى نتج عنها مقتل ما يقرب من ثلاثة آلاف أمريكى فى مدن نيويورك وواشنطن وولاية بنسلفانيا، تبعات شديدة الأثر على علاقة الدولتين. تشكلت لجنة تحقيق مستقلة للبحث فيما جرى، وتحديد هوية ودوافع الإرهابيين، ومن دعمهم وما يمكن القيام به لتجنب أى هجمات مستقبلية. وبعد عامين تقريبا من التحقيقات الجادة، خلصت لجنة التحقيق التابعة للكونجرس فى أحداث 11 سبتمبر إلى استبعاد تورط كبار المسئولين السعوديين أو جهات حكومية سعودية فى تمويل تنظيم القاعدة. ولم يتم توجيه أى اتهام رسمى للرياض بتورطها أو بقيامها بأى دور فى تلك الهجمات. إلا أن الهجمات دفعت لبروز تساؤلات حول ارتباط السعودية بتنظيم القاعدة، والمخاوف من تأمين العقيدة الوهابية المتشددة أرضا خصبة للإسلام المتطرف.
وبعد أكثر من 15 عاما، عادت بقايا أزمة 11 سبتمبر تطارد علاقات الرياض بواشنطن عندما تم إقرار قانون جاستا، ومعناها العدالة فى مواجهة رعاة النشاط الإرهابى، وقد أقره الكونجرس وأصبح قانونا فى نهايات شهر سبتمبر 2016. ويتخطى القانون الجديد قانونا سابقا صدر عام 1976 وكان يوفر الحصانة السيادية للدول وحكامها من الملاحقة القضائية داخل أمريكا. مر قانون جاستا بأغلبية وإجماع غير مسبوق فى مجلسى الكونجرس، الشيوخ والنواب. وصوت كل أعضاء الكونجرس فى حالة نادرة لصالح القرار قبل أن يتدخل الرئيس أوباما بالفيتو الرئاسى محاولا إيقافه، إلا أن جاستا أصبح قانونا بأغلبية 97 صوتا مقابل صوت واحد فى مجلس الشيوخ، وبأغلبية 348 مقابل 77 صوتا فى مجلس النواب. وفصل هذا القانون كى يتم من خلاله توجيه الاتهام للمملكة السعودية وأعضاء أسرتها الحاكمة بالضلوع بصور مباشرة وغير مباشرة فى هجمات 11 سبتمبر. وهناك اليوم عشرات القضايا المرفوعة أمام محاكم نيويورك وواشنطن العاصمة وولاية فيرجينيا من عائلات ضحايا الهجمات ضد حكومة المملكة السعودية.
***
ومثلت كذلك موجات الربيع العربى شرخا فى علاقات الدولتين، واعتبرت الرياض نزول الملايين من المواطنين مطالبين بالتغيير فى تونس ومصر والبحرين واليمن وغيرهم خبرا مزعجا. إلا أن أكثر ما أزعج الرياض هو موقف إدارة أوباما التى رحبت على مضض بالتغيير فى القاهرة عند إزاحة الرئيس السابق حسنى مبارك عن الحكم فى فبراير 2011. ولم تتحمس الرياض للثورة المصرية والتى أطاحت بحليف وثيق لها ولواشنطن معا. لذا لم تنتظر الرياض عندما احتشد الآلاف فى العاصمة البحرينية المنامة مطالبين بالتغيير، وتدخلت عسكريا دون إبلاغ واشنطن.
ثم جاء التوقيع على الاتفاق النووى بين إيران من جانب والولايات المتحدة والدول الخمس الكبرى، ليمثل هزة عنيفة لعلاقات الرياض بواشنطن. فلعقود ضمنت الرياض وقوف واشنطن معها فى عدائها لإيران، لذا شعرت السعودية بعدم الارتياح إلى إدارة أوباما إذ شعرت بأنها اعتبرت تحالف الرياض مع واشنطن أقل أهمية من التفاوض على الاتفاق النووى مع إيران.
***
لم تغير الهزات والأزمات الخطيرة التى واجهتها علاقات واشنطن بالرياض استراتيجية ما يجمع الدولتين، ولم ترتبط الأزمات أو إدارتها بشخصية ملك سعودى أو تفضيلات رئيس أمريكى. ولم يؤثر موت ملك فى الرياض أو انتخاب رئيس جديد فى واشنطن فى استقرار هذه العلاقات. إلا أن ما نشهده منذ وصول ترامب للسلطة وما تبعه من صعود محمد بن سلمان لولاية العهد يبدو أكثر من كاف لإنهاء خصوصية العلاقات بين الدولتين.
كاتب صحفى يكتب من واشنطن
الاقتباس
لم تغير الهزات والأزمات الخطيرة التى واجهتها علاقات واشنطن بالرياض استراتيجية ما يجمع الدولتين، ولم ترتبط الأزمات أو إدارتها بشخصية ملك سعودى أو تفضيلات رئيس أمريكى. ولم يؤثر موت ملك فى الرياض أو انتخاب رئيس جديد فى واشنطن فى استقرار هذه العلاقات.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات