الأربعاء 15 أغسطس 2018 6:39 م القاهرة القاهرة 33.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى تجربة نادي «بيراميدز» ستصب في مصلحة الكرة المصرية؟

انتخابات ليبريا وعام مصر الجديد

نشر فى : الأحد 7 يناير 2018 - 10:50 م | آخر تحديث : الأحد 7 يناير 2018 - 10:50 م
لا أريد أن يسىء القارىء بى ظنا، تصورا منه أنى مولع بالتشاؤم، وأنه لا يلفت نظرى فى الموضوعات التى أكتب فيها إلا ما يدعو للحزن على مصير الوطن. كم كنت أود أن يكون موضوعى هو مما يبعث الفرح فى النفوس، لماذا لا أكتب مثلا عن تزايد احتياطات البنك المركزى من العملات الأجنبية، أو نجاح الدبلوماسية المصرية فى حشد أربعة عشر صوتا فى مجلس الأمن للتصويت ضد قرار الرئيس الأمريكى باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، أو حتى نجاحات الرياضيين المصريين فى الفوز بميداليات ذهبية وفضية فى منافسات دولية، وطبعا اختيار محمد صلاح أفضل لاعب فى إفريقيا للعام الفائت. طبعا بعض هذه الموضوعات لست مؤهلا لمجرد الخوض فيها، معلوماتى الرياضية على سبيل المثال هى أدنى من متوسط ما يعرفه أى شاب فى مصر، أما بالنسبة للموضوعات الأخرى التى أستطيع الحديث عنها بقدر من الثقة بحكم سنوات طويلة من الدراسة والتدريس والبحث، فقد وضعتها فى السياق المقارن، ومنها ما اخترته عنوانا لهذا المقال، مثل تجربة الانتقال السلمى للسلطة فى جمهورية ليبريا عبر انتخابات رئاسية تنافسية، انتهت ليس بفوز مرشح المعارضة لاعب الكرة جورج ويه، فى انتخابات تنافسية نزيهة شهد بها المراقبون الدوليون والصحافة العالمية، وهو ما لا أظن أننا يمكن أن نشهد مثيلا لها فى مصر لأعوام طويلة قادمة، أيا كان الرأى فى مصداقية انتخاباتنا الرئاسية القادمة فى ربيع هذا العام. وهو ما يدعونى للحزن عندما أقارن ذلك بأوضاعنا السياسية فى مصر. لذلك فقد عقدت العزم على ألا أخالف عهدى أمام القارئ، وأن أفضل ما أكتبه له فى بداية العام الجديد، والذى أتمناه عاما سعيدا على الصعيد الشخصى لكل القارئات والقراء، هو أن أطرح تصورى لما عليه حال الوطن. بدون تزويق وبدون مبالغة.

***

وبداية أصارح القارئ بأن حالنا فى العام الجديد لا يسر حبيبا، ويبعث الغبطة فى نفس العدو. اقتصادنا ليس على الطريق القويم مهما كان احتياطى البنك المركزى من العملات الأجنبية، ونظامنا السياسى لا يعرف نمطا رشيدا فى اتخاذ القرار، وشبابنا وهم عدة المستقبل يبحثون عن أفضل السبل للهرب من الوطن، وينجح النوابغ منهم فى أن يجدوا لهم فرص عمل وحياة هانئة فى مدن الدول المتقدمة، دونما ندم أو مراجعة للنفس حول أسباب تفضيل العيش فى المهجر عن البقاء مع الأهل فى ربوع الوطن.

إذا كنتم غير مقتنعين بوصفى لحال الاقتصاد، فعليكم أعزاتى القارئات وأعزائى القراء مقارنة معدلات النمو فى قطاعات الاقتصاد المختلفة العام الماضى. وبالاعتماد على بيانات وزارة التخطيط التى أفترض أنها الأكثر مصداقية. وعليكم فقط بمراجعة هذه البيانات بالأسعار الثابتة. وتحسب بيانات الوزارة مساهمة القطاعات المختلفة فى الناتج المحلى الإجمالى بالأسعار الثابتة لسنتى 2011 ــ 2012، وتقف عند الربع الثالث من سنة 2017. والواقع أنى أتردد فى استخدام هذه البيانات، لأنه على الرغم من مرور أربعة شهور عليها، فما زال موقع الوزارة يشير إليها على أنها أرقام أولية، ومع ذلك لا يمكن تجاهل الانطباع العام الذى تشير إليه. فمرة أخرى هذه البيانات هى بالأرقام الثابتة، أى التى تظهر حقيقة ما جرى فى الاقتصاد عوضا عن قياس مساهمة القطاعات المختلفة بالأسعار الجارية، ومن ثم يكون النمو خادعا لأنه ليس نتيجة نمو حقيقى، وإنما هو مجرد زيادة فى القيمة النقدية بسبب التضخم الذى قارب فى العام الماضى 30%. لن أستخدم هذه الأرقام، ولكن هذه البيانات الأولية تؤكد صحة انطباع الكثيرين من أن الاقتصاد المصرى هو فى الحقيقة فى حالة ركود، وهو على وجه الدقة فى حالة ركود تضخمى، فبينما يتراجع الناتج فى القطاعات الأولية وخصوصا الزراعة، لا تنمو الصناعات التحويلية إلا بمعدل متواضع للغاية لا يتجاوز2%، ولا يظهر النمو إلا فى قطاع التشييد الذى حقق معدلا بلغ 9%، بل وحتى فى قطاعات الخدمات تراجع الدخل الحقيقى من قناة السويس بنسبة 14% خلال الشهور التسعة الأولى من العام الماضى. هذه الأرقام تدعو للانزعاج لأنها إذا ما قورنت بحجم العجز فى الميزان التجارى والذى بلغ 24 مليار دولار، وحجم المديونية الخارجية الذى بلغ قرابة 80 مليار دولار، فنحن نقترب من وضع يجعلنا نقلق على مستقبلنا الاقتصادى فى القريب العاجل. كيف سنفى بالعجز الهائل فى ميزاننا التجارى، أو بعبارة أخرى كيف سنستطيع تمويل وارداتنا الأساسية من غذاء بما فى ذلك القمح ومستلزمات إنتاج وإنتاجنا الزراعى والصناعى شبه راكد، وقدرتنا التنافسية محدودة، وقطاعنا الخاص عازف عن الاستثمار، واعتمادنا على رءوس الأموال الأجنبية يعنى مزيدا من المديونية وخضوعنا لمشروطية الدائنين. ولا يجب أن تخدعنا بيانات المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، فهما مهتمان باتباعنا لوصفتهما التى تركز على البعدين النقدى والمالى استنادا إلى نظريات عتيقة تفترض أن مجرد خفض العجز فى الموازنة وتعويم العملة الوطنية يؤديان إلى النمو، بينما تظهر تجربتنا وتجربة دول أخرى كثيرة أن الاكتفاء بهذه الوصفة لا يؤدى إلا إلى الركود التضخمى. وهذا هو حالنا الذى لا يستغرب معه أن يقترن النمو الذى تتحدث عنه الحكومة بازدياد معدلات الفقر الذى يصيب أكثر من ربع السكان ( 28%) وهشاشة العيش والتى يعانى منها القطاع الأغلب من المصريين.

وكان بودى قرائى الأعزاء أن أطمئنكم أن باب الأمل مفتوح فى استدراك صانع القرار لهذه الأوضاع بالتصويب الضرورى. طبعا هذا أمر محتمل جدا لو كان مجتمع صنع السياسة مجتمعا مفتوحا يضم إلى جانب المسئولين الحكوميين المختصين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى ومراكز الأبحاث. ولو كانت عملية صنع السياسة تتسم بالمرونة والاستجابة لتطلعات المواطنين المشروعة، ولو كانت هناك مؤسسة نيابية تعكس الرأى العام، ولو كانت هناك قنوات إعلامية تفتح صفحاتها وشاشاتها وموجاتها لاجتهادات المواطنين باختلاف أوضاعهم الطبقية واجتهاداتهم الفكرية. ولكنكم كما تعرفون دائرة صنع القرار، إن كانت معروفة، هى فى الغالب ضيقة للغاية، وأحزابنا الجادة تحت الحصار هى ومنظمات المجتمع المدنى، ولا يهيمن على مجلسنا النيابى وقنواتنا الإعلامية سوى الصوت الواحد.

***

ما الذى تعنيه هذه الأوضاع بالنسبة لوضعنا فى العالم، ومستقبلنا؟ هل يمكن أن تكون لنا سياسة خارجية ناجحة فى ظل هذه الظروف؟ وهل يكون مستقبلنا أدعى للبهجة من تحديات الحاضر؟ لا توجد سياسة خارجية ناجحة دون اقتصاد قوى. وحتى فى الحالات التى تنجح فيها دولة اقتصادها ضعيف فى كسب نقاط أو ممارسة تأثير فى محيطها الإقليمى أو الدولى استنادا إلى قدراتها العسكرية أو مهارة دبلوماسيتها فى اللعب على المشاعر الطائفية فى محيطها الجغرافى، إلا أن تجربة إيران الأسبوع الماضى وقصة انهيار الاتحاد السوفيتى توحيان بأن هذه الانتصارات الدبلوماسية إن لم تستند إلى اقتصاد قوى يشبع الحاجات الأساسية والتطلعات المشروعة لسكانه فى عيش كريم سوف تنتهى إن قريبا أو عاجلا بانهيار البنية السياسية التى سمحت لهذا التناقض أن يستمر. وهكذا فإن المكاسب الملموسة التى حققتها السياسة الخارجية المصرية بالتواجد على مسرح السياسات الفلسطينية والسورية والليبية لم تقترن بنفوذ، وقدرة على تغيير مسار الأحداث على النحو الذى يتفق مع المصالح المصرية فى تخفيف التهديدات لأمننا الوطنى.

ربما كانت نظرتنا للمستقبل ستختلف لو كان لشبابنا رؤية لحاضرنا تدعوه للتمسك بالبقاء فى وطنه ليدفع تقدمه. إن لدى شبابنا قدرات هائلة وحس وطنى رفيع، ووعى صحيح بحقيقة الأوضاع فى وطننا. وإنجازاته واضحة. ومع إعجابى وتقديرى للنجاحات الرياضية للشباب المصرى، إلا أن ما يثير إعجابى هو ما أعرفه عن قرب من هؤلاء الشباب الذين ألتقى بهم فى قاعات الدراسة الجامعية، وأسعد بمتابعتهم فى زيارات خارجية قادتنى إلى بعض أرقى الجامعات فى الخارج، وما أكده بعضهم وهم فى سن غضة بتفوقهم على من هم فى مثل سنهم على مستوى العالم، وتحديدا فى الرياضيات سيدة العلوم وهى مع الفيزياء وإتقان اللغة مفاتيح التقدم فى عصر المعرفة، وما دللت عليه ذلك المراكز المتقدمة التى أحرزها الصبية المصريون فى مسابقة عالمية للمهارات العقلية جرت فى ماليزيا أواخر ديسمبر الماضى.

ولكن ما هو المستقبل الذى نعد به شبابنا؟ هل نعده بوظائف لائقة، وبنظام سياسى لا يضيق بالتعددية وحرية الرأى، ويسمح بانتقال سلمى للسلطة على نحو ما جرى فى ليبريا. لا أظن أن مؤتمرات الشباب التى تكرر عقدها ورموز هذا الشباب قابعة فى السجون غيرت من نظرة هؤلاء الشباب القاتمة لمستقبلهم فى مصر.

 

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات