الأربعاء 19 سبتمبر 2018 7:49 م القاهرة القاهرة 31.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

لمصلحة من هذا الاستخفاف بالبرلمان؟

نشر فى : الإثنين 7 مارس 2016 - 10:15 م | آخر تحديث : الإثنين 7 مارس 2016 - 10:15 م
لدى ما يدعونى للتعاطف سياسيا أو إنسانيا مع السيد/ توفيق عكاشة، وقد أصابنى منه ما أصاب الآخرين من تطاول واتهامات طالت كل من تجرأ وانتقد سياسات الدولة فى السنوات الأخيرة، كما أننى أتفق مع اعتبار استقباله للسفير الإسرائيلى فى منزله عملا مرفوضا من نائب برلمانى وشخصية اعلامية لها جمهور واسع. ومع ذلك فإننى حتى هذه اللحظة لا أفهم السبب الحقيقى لإسقاط عضويته فى البرلمان. إن كان لقاؤه بالسفير هو السبب فإن هذه ليست جريمة يعاقب عليها القانون مهما كان الموقف الشعبى الرافض للتطبيع، كما أن كثيرا ممن طالبوا بمعاقبته داخل المجلس وخارجه من أصحاب المواقف المعروفة ببث الكراهية ضد الشعب الفلسطينى والدعوة لحصاره وكسر صموده فى مواجهة الاحتلال الإسرائيلى. وإن كان، كما تردد إعلاميا، أنه «فقد ثقة الشعب» وفقا للائحة المجلس فإن الأمر كان يقتضى أن يكون هناك تطبيق سليم لنص المادة ولشروط نفاذها وليس مجرد الاستعانة بعباراتها الفضفاضة. أما إذا كان السبب هو أن تصرفاته تهدد الأمن القومى فكان يجب إسقاط الحصانة عنه والتحقيق معه من جهات مختصة. الواضح إذن أن إسقاط العضوية كان بسبب تجاوزه المساحة المقررة له بما يجعل الدولة ترفع حمايتها عنه وتتخلص من عبئه الذى بات ثقيلا.

على أية حال فما يشغلنى ليس مصير السيد/ توفيق عكاشة، وإنما أن يقدم مجلس النواب بهذه السهولة على خطوة مخالفة للقانون واللائحة وقد تستخدم مستقبلا ضد نواب آخرين لأسباب مختلفة، كما يقلقنى أن يستمر سوء أداء مجلس النواب، وانصياعه لضغوط الاعلام وأجهزة الدولة، وأن يصبح مثارا للسخرية والتندر فيفقد المزيد من المصداقية أمام الرأى العام.

ولا أقول ما سبق إعجابا بهذا البرلمان بصفة خاصة، بل الواقع ان كثيرين، وأنا منهم، قد حذرنا طوال العامين الماضيين من عواقب اصرار الدولة على عقد الانتخابات البرلمانية بموجب قانون معيب، يعتمد على نظام القوائم المطلقة الذى لا مثيل له فى العالم، ويضعف المشاركة الحزبية، ويعيد سيطرة العصبيات ورأس المال، ويأتى ببرلمان مفكك وضعيف. كل هذا كان مطروحا أمام الدولة ولكنها تجاهلته، فجاء الإقبال ضعيفا، والنتائج هزيلة (أبرزها فوز السيد/ توفيق عكاشة بأعلى عدد من الأصوات الفردية فى مصر كلها). ومع ذلك فقد قبلنا هذه النتيجة، واعتبرنا أن علينا التمسك بالبرلمان أيا كانت عيوبه والعمل على تصويبها لأنه خطوة إلى الأمام، ولأنه بالتأكيد يتضمن وجوها جديدة سوف تكون على قدر المسئولية، ولأن وجود مجلس نيابى فى كل الأحوال خير من غيابه.

ولكن للأسف إن أداء البرلمان خلال الأشهر الثلاثة الماضية كان شديد السوء، الفوضى التى اجتاحت جلساته الافتتاحية، والاستهتار الذى جرى به اعتماد أكثر من ٣٤٠ قانونا فى أيام معدودة، واستقالة رئيس محكمة النقض السابق المستشار/ سرى صيام اعتراضا على سوء الإدارة، وتعطيل النشاط التشريعى أسابيع طويلة لحين مناقشة اللائحة، وتأجيل عرض بيان الحكومة أكثر من مرة، والسكوت على التلاعب بالتصويت الالكترونى، والهرج والمرج السائد فى كل جلسة. كل هذا أدى إلى ترسيخ انطباع تراكمى لدى الناس بأن البرلمان غير قادر على تحمل المسئولية، وإنه لا يستحق أن يؤخذ مأخذ الجد. وهذا ليس فى صالح البلد لأن ضياع هيبة ومكانة البرلمان تضعف من دوره التشريعى والرقابى وتدعم فكرة أن المجتمع غير مستعد للديمقراطية وأن أمامنا سنوات طويلة قبل أن يصبح المصريون مؤهلين لها.

لعل هناك من ينصح المسئولين فى الدولة بأن ضعف البرلمان وتفككه، مثله مثل ضعف النقابات والأحزاب والمنظمات الأهلية والحركات الشبابية، فى مصلحة الحاكم وأنه يساعد على الاستقرار ويمنح الحكومة الفرصة لتطبيق سياساتها وبرامجها دون اعتراض أو تعطيل. وهذا خطأ تاريخى جسيم. فالمجتمع لن يتقدم والاقتصاد لن ينمو والأمن لن يستتب بسبب غياب المعارضة أو ضعف آليات الرقابة على الدولة. بل العكس هو الصحيح، لأن ما يمنح البلد فرصة أكبر للتنمية والاستقرار هو قوة واستقلال المؤسسات السياسية والنيابية، وتعدد الآراء فى المجتمع، ووجود آليات للتفاوض والرقابة والتصحيح وبناء التوافق على السياسات العامة. بغير ذلك فإن الحكومة قد تجد فرصة لإصدار القوانين وتمرير السياسات بسهولة ويسر، وفى غياب رقابة فعالة من البرلمان، ولكن المجتمع هو الذى يدفع التكلفة بعد ذلك حينما يتبين أن القوانين كانت تحتاج لمراجعة أفضل والسياسات لمزيد من التوافق والتمهيد والشرح.

لا شك أن الناس معها حق فى أن تفقد حماسها وثقتها فى البرلمان بسبب اضطراب إدارته وأدائه فى الأسابيع الأولى، ولكن بدلا من الاندفاع نحو مزيد من الاستخفاف بالمجلس والاستمتاع بما تنقله برامج التليفزيون وصفحات التواصل الاجتماعى من نوادر ومفارقات وفضائح، فإن علينا جميعا أن نتمسك بتصحيح مساره وضبط أدائه وخضوعه الكامل للدستور والقانون لأن ضعف البرلمان وضياع مصداقيته يجعل الدولة بلا رقيب والشعب بلا ممثل يدافع عن حقوقه.
زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.