الإثنين 24 سبتمبر 2018 4:32 م القاهرة القاهرة 35°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

المبادرة الفرنسية حول السلطة الفلسطينية: لعب فى الوقت الضائع

نشر فى : الثلاثاء 7 يونيو 2016 - 10:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 7 يونيو 2016 - 10:00 م

فجأة، ومن غير تمهيد مسبق، تحرك الحزب الاشتراكى الذى يمسك بزمام السلطة فى فرنسا، بقيادة الرئيس فرانسوا هولاند، والذى تتآكل شعبيته يوما بعد يوم، فى اتجاه البحث عن تسوية للمسألة الفلسطينية، أو ربما السلطة الفلسطينية، وفق رؤية لا جديد فيها، رفضتها الحكومة الإسرائيلية سلفا، على الرغم من أنها «أدنى» فى منطلقها وفى استهدافاتها من أية مبادرة سابقة.


هكذا شهدت باريس، الأسبوع الماضى، اجتماعا دوليا شارك فيه عدد كبير من وزراء الخارجية فى الغرب، تصدرهم وزير الخارجية الأمريكى، وبعض وزراء الخارجية العرب، يتقدمهم الوزير السعودى وإلى جانبه الأمين العام المنتهية ولايته لجامعة الدول العربية السيد نبيل العربى.


لعل أفضل ما يلخص المبادرة الفرنسية الجديدة ما رددته الرياض من أن المبادرة السعودية التى تقدم بها الملك السعودى الراحل عبدالله بن عبدالعزيز فى القمة العربية ببيروت، فى العام 2002، كانت أكثر تقدما، وربما أكثر عدلا من المبادرة الفرنسية، التى باتت الآن دولية، فى ما خص حقوق الشعب الفلسطينى فى أرضه، واستطرادا فى دور السلطة الوطنية الفلسطينية فى إدارة شئون شعبها داخل فلسطين المحتلة.



***


ولم تكن حكومة نتنياهو، التى تعزز تطرفها العنصرى بعد انضمام ليبرمان إليها، فى تزامن غير مقصود مع المبادرة الفرنسية ــ الدولية الجديدة، بحاجة لأن تجاهر برفضها، خصوصا أنها تحفظت عليها حين عرض عناوينها رئيس الحكومة الفرنسية خلال زيارته الأخيرة للكيان الإسرائيلى، وهكذا فقد تصرفت وكأنها غير معنية بما تضمنته من مقترحات تقوم على أساس توسيع مساحة «السلطة» فى القرار الذى يعنى الفلسطينيين، بالتفاهم طبعا مع الحكم العسكرى الإسرائيلى.


ربما لهذه الأسباب مجتمعة لم تحدُث هذه المبادرة أية ردود فعل مؤثرة، وإن ارتفعت أصوات فلسطينية داخل المجلس الوطنى الفلسطينى بالرفض، فى حين تصرفت الحكومة الإسرائيلية وكأنها غير معنية بما تقرر فى باريس.


ومع أن ميزان القوى القائم حاليا، يستبعد أن يقبل التطرف الإسرائيلى، الحاكم أية مبادرة من شأنها إحداث أى تعديل أو «تحريك» لصالح الشعب الفلسطينى، فإن استعراض مسلسل المبادرات أو المقترحات المعنية بإيجاد تسوية للصراع العربى ــ الإسرائيلى، الذى سرعان ما انكمش بعد الهزائم والنكسات العربية المتوالية فصار «نزاعا» بين السلطة الفلسطينية التى لا سلطة لها، وبين الاحتلال الإسرائيلى الذى مازال صاحب القرار فى الشئون الفلسطينية، بما فيها صلاحيات السلطة الفلسطينية فى الأرض التى لا تزال تحت الاحتلال ومدى حرية الحركة المتاحة أمامها.


لقد سحب من التداول تعبير «الصراع العربى ــ الإسرائيلى» بعد مسلسل النكسات والهزائم والتسويات بالإكراه، التى تعرض لها فبدلت من طبيعته لا سيما بعد «خروج» الدول العربية المعنية مباشرة به، أى مصر وسوريا، ثمّ الأردن وكل منها لسبب وضمن إطار مغاير للآخر، من حومة الصراع، مما جعل السلطة الفلسطينية وحيدة فى مواجهة «العدو القومى» الذى غدا يتمتع بقوة أسطورية بعد أن توالت الاتفاقات المنفردة بين مصر وإسرائيل، ثمّ بين سوريا وإسرائيل، عبر فك الاشتباك، فى العام 1974، ثمّ بين إسرائيل والأردن الذى كان يحصل دائما على «جوائز ترضية» لا يستحقها، كبديل مفترض، أو كشريك مضارب للسلطة الفلسطينية.


ففى خريف العام 1967، وبعد الهزيمة القاسية التى منيت بها مصر (ومعها سوريا) فى حرب الخامس من يونيه، ثمّ ــ عمليات سحب شعار «تحرير فلسطين من النهر إلى البحر»، الذى كان قيد التداول حينه... توالت سلسلة من الاتفاقات المنفردة، أخطرها ما أقدمت عليه مصر ــ السادات بعد حرب رمضان ــ أكتوبر 1973، من الاندفاع إلى التسوية المنفردة مع الإسرائيليين، متخلية عن قضية فلسطين، مفترضة أنها قد أدت ما يفرضه واجب التضامن معه...


بعدها سيختلف الأمر جذريا، خصوصا عبر المسارات المنفصلة للدول العربية، والتى ردت عليها القيادة الفلسطينية باتفاق أوسلو مع الاحتلال الإسرائيلى فى العام 1993، وهو الاتفاق الذى مكن القائد ياسر عرفات من العودة إلى داخل الأرض المحتلة، ببعض من الفصائل المقاتلة التى صارت فى «الداخل» مجرد شرطة، لا شأن لها بالتحرير وتختصر مهمتها بقمع الاعتراضات ومظاهر الاحتجاج ورفض «اتفاقات الخيبة» و«صك الهزيمة الجدية» التى لم تلبث أن هدأت بقوة الأمر الواقع.


ماذا تعنى «التسوية»؟ ومن هو القادر على فرضها؟!


مع انعدام التوازن بين العرب مجتمعين وبين العدو الإسرائيلى فإن «التسوية» هى ــ بمعناها الحقيقى ــ تنازلات عربية لعدوهم الأقوى منهم، قد تصيب بعض أنظمتهم فى وطنيتها أو فى عروبتها، ولكنها تصيب الفلسطينيين فى صميم حقوقهم فى أرضهم، أى فى جوهر نضالهم الوطنى المستمر منذ ثمانين عاما أو يزيد.


والخط البيانى لمشاريع التسوية يثبت أن كل مشروع طرح على الفلسطينيين كان يخصم المزيد من حقوقهم، خصوصا مع تناقص الدعم العربى، بل مع انعدامه أحيانا، بحيث باتوا يواجهون ــ لوحدهم – العدو التاريخى لجموع العرب.


بعد العودة إلى الداخل سرعان ما انشقت السلطة إلى سلطتين واحدة فى الضفة الغربية (بقيادة فتح ومن معها)، والثانية بقيادة «حماس» ومعها «الجهاد» فى غزة، فإذا «القضية المقدسة» تنتهى فى سوق المساومات السياسية.. وإذا العرب يدفعون «السلطة الفلسطينية» إلى مزيد من التنازلات خصوصا وأن انقسامها بلغ ذروة مخاطره عندما ابتعدت السلطة فى رام الله عن «الحرب الإسرائيلية» التى استهدفت غزة المخضعة لسلطة حماس منذ وفاة ياسر عرفات، عمليا.. وهى الحرب التى تكررت ثلاث مرات خلال السنوات الأربع عشرة الماضية فدمرت كل ما فى غزة تقريبا.


على هذا فإن الرئيس الفرنسى يتقدم مبادرته فى لحظة سياسية محددة:


ــ الوضع العربى فى أتعس حالاته مطلقا. مصر التى تربطها معاهدة صلح مع العدو الإسرائيلى تعرض الآن ما يشبه الوساطة، متبرعة بالسعى إلى «تسوية للنزاع«، لا يستطيع الطرف الفلسطينى أن يرفضها لضعفه، ولا تقبلها إسرائيل بسبب من تعاظم إحساسها بأنها أقوى من العرب مجتمعين... وأن مجرد اتخاذ مصر موقعا «وسيطا» هو إضعاف لموقع الطرف الفلسطينى.


بالمقابل فإن الحرب فى سوريا وعليها تخرج هذه الدولة التى كانت قوية من دائرة الصراع، بل تكاد تجعلها عبئا على الطرف الفلسطينى، فى ظل ضعفها الراهن الذى يغرى بها العدو الإسرائيلى فتشن طائراته الحربية الغارات عليها، فى مواقع متعددة، مستغلة انهماكها فى الحرب فيها وعليها.


هل من الضرورى الحديث عن العراق الذى يعيش مناخات حرب أهلية ويزيد من إرهاقه ــ سياسيا وعسكريا واقتصاديا بالطبع ــ سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابى على نحو نصف مساحته متخذا من مدينة الموصل عاصمة ومركز قيادة...


أما لبنان فقد حررت مقاومته أرضه، فى العام 2000، ثمّ تصدت للحرب الإسرائيلية عليه فى العام 2006 فانتصرت فيها، ولكنها لا تستطيع ــ حتى لو أرادت ــ أن تنوب عن الفلسطينيين وجميع العرب فى التصدى لقضية فى خطورة «تحرير فلسطين».. أو إجبار إسرائيل على القبول بتسوية تعيد للفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم فى أرضهم.


ربما لهذا لم تهتم إسرائيل كثيرا بالمبادرة الفرنسية الجديدة، ولا أهتم العرب، أو سمحت لهم ظروفهم بالاهتمام بها، فاكتفى الوزير السعودى بالتذكير بمبادرة ملكه فى بيروت فى العام 2002 وحاول إحياءها بعد مواتها.. ولكن ذلك كله كان فى محاولة تبرئة الذات من «دم هذا الصديق».
وسيكون على شعب فلسطين أن ينتظر انقلابات جذرية فى هذا الوضع العربى البائس قبل تجديد الحديث عن «التحرير».


ومع ذلك فإن فتية فلسطين وصباياها يخرجون على عسكر الاحتلال بسكاكينهم الصغيرة ليقولوا: هذه أرضى، وهى حق لى، ولن ننسى!

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات