الإثنين 19 نوفمبر 2018 10:54 م القاهرة القاهرة 20.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

لماذا أحمد زويل؟

نشر فى : الأحد 7 أغسطس 2016 - 9:25 م | آخر تحديث : الأحد 7 أغسطس 2016 - 9:25 م
لا أحد بوسعه أن ينفى صدق المشاعر العامة تحت صدمة الرحيل المفاجئ للدكتور «أحمد زويل»، أهم عالم منذ الدكتور «مصطفى مشرفة» أول عميد مصرى لكلية العلوم.

ولا أن يسحب باسم أى خلاف سياسى أحقيته فى نيل جائزة «نوبل» للكيمياء عن «الفيمتو ثانية»، أحد أبرز الاكتشافات العلمية المعاصرة وأكثرها تأثيرا.

هو «عبقرى» فى مجاله وكاد أن يحصل على جائزة «نوبل» ثانية.

قد تتفق أو تختلف مع «زويل السياسى»، وهو رجل أطل على السياسة المصرية عن قرب، تابع أسرارها وكواليسها، حاور اللاعبين الرئيسيين فيها، فتح قنوات اتصال مع مراكز التأثير وصناعة الرأى العام، وفكر لبعض الوقت بعد ثورة «يناير» فى الترشح لرئاسة الجمهورية قبل أن يتراجع عن الفكرة كلها، غير أن قيمته العلمية الفريدة لا يصح أن تدخل فى أى سجال.

رغم أنه حصل على مئات الجوائز العلمية الدولية فى مجال تخصصه إلا أن جائزة واحدة ظلت تلاحقه بظلالها وتساؤلاتها حتى بعد رحيله.

قبل نيل جائزة «نوبل» بست سنوات منحته الدولة العبرية جائزة «وولف» للكيمياء فى أجواء اتفاقية «أوسلو» عام (١٩٩٣).

كان ذلك خطأه الأفدح، فهو مصرى وعربى رغم جنسيته الأمريكية، وللقضية الفلسطينية عدالتها التى لا تنكر وجراحها التى لا تندمل.

غير أنه من السخف أن ينسب حصوله على جائزة «نوبل» لأى تزكية إسرائيلية.

هذا الكلام يمكن أن يقال عن جائزة «نوبل» للسلام، التى حصل عليها الرئيس الأسبق «أنور السادات» مناصفة مع رئيس الوزراء الإسرائيلى فى ذلك الوقت «مناحم بيجين»، وفق حسابات المصالح الغربية.

كان حصول الدكتور «محمد البرادعى» على الجائزة نفسها مناصفة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التى كان يترأسها، تعبيرا عن حسابات أخرى فهكذا قواعد اللعبة.

جوائز «نوبل» فى الآداب أكثر انضباطا بمعاييرها دون أن تغيب عنها حسابات السياسة.

وقد حازها «نجيب محفوظ» عن استحقاق لا شك فيه، رغم أى ظلال إسرائيلية تسببت فيها مواقفه المؤيدة للتطبيع الثقافى، بما أفضى إلى مقاطعة رواياته فى العالم العربى.

بأى تقدير موضوعى فإن «محفوظ» واحد من ضمن أى قائمة مختصرة لأعظم الروائيين فى القرن العشرين، وقد تأخرت الجائزة المستحقة طويلا قبل أن تصل إليه.

أما جوائز «نوبل» العلمية فلا سبيل إلى ضغوط الكواليس بحسابات المصالح، فالفضيحة فى هذه الحالة أخطر من أن تحتمل وأبشع من أن تبرر.

مع ذلك حاولت إسرائيل توظيف المشاعر المصرية التى واكبت رحيل «زويل» للتنكيل المعنوى بالشعب الفلسطينى، فكل من يطبّع بطل وكل من يقاوم إرهابى، بحسب ما صرح به المتحدث الرسمى باسم الجيش الإسرائيلى.

لم يكن ذلك هو اعتقاد «زويل» الذى حاول بقدر طاقته أن يطوى صفحة الجائزة الإسرائيلية، لا يذكرها ولا يفضل أن يذكره أحد بها، كأنها خطيئة يود نسيانها.

أرجو أن تحتفظ مصر بحقها الأصيل فى عطاء ابنها «أحمد زويل»، وألا تفرط أبدا فى رسائله إلى المستقبل.

ما يتبقى فى النهاية عنوان وحيد على تجربته بكل إنجازاتها الفريدة وتعرجاتها المثيرة العلم، ولا شىء آخر غير العلم.

بلا بناء جدى لمؤسسات البحث العلمى فلا أمل فى أى مستقبل.

يحسب له أنه اجتهد بقدر ما يستطيع فى شرح قضية العلم للجمهور العام بلغة بالغة الجاذبية، كإعلامى محترف يعرف كيف يخاطب ويؤثر ويقنع.

اكتسب نجوميته الاستثنائية من قدراته على التواصل، وهو يكاد يكون العالِم العربى الوحيد الذى اكتسب هذه الصفة.

قلت له ذات مرة بعد لقاء تليفزيونى معه كاد أن يفسده بالتنافس محاوروه لولا مواهبه الطبيعية فى التصرف أمام الكاميرات: «لو لم تكن عالما كبيرا لكنت إعلاميا قديرا».

ثم إنه حاول بأقصى طاقته أن ينتقل من التبشير بالعلم إلى بناء مؤسسى جامعى يحمل اسمه.

رغم القيود البيروقراطية والأزمات المتوالية التى صاحبت مشروعه فإنه حاول أن يصنع شيئا بينما اكتفى آخرون بالكلام.

باستثناء التجربتين اللامعتين للدكتور «مجدى يعقوب» فى مركز القلب بأسوان والدكتور «محمد غنيم» فى مركز الكلى بالمنصورة لا توجد مبادرات كثيرة ذات قيمة علمية وقدرة على الإلهام.

هناك فارق جوهرى بين مبادرات الأفراد وسياسات الدول، فالأولى رغم نبل دوافعها تأتى من خارج السياق العام وتكشف بعض عجزه بينما واجب الثانية أن توفر أوضاعا مؤسسية تستقطب الكفاءات وتراكم الخبرات فى بيئة حاضنة تشجع البحث العلمى وتضمن احتياجاته وأسباب نجاحه فى مهامه.

بنص الدستور المصرى فإن نسبة تصل إلى (٩٪) من إجمالى الناتج القومى تخصص للصحة والتعليم والبحث العلمى، غير أن ما هو ملزم دستوريا جرى الالتفاف حوله فى الموازنة الأخيرة.

قضية «زويل» الحقيقية هنا بالضبط، فى الالتزام لا التحايل، فى البيئة الحاضنة لا البيئة الطاردة.

وفق بعض التقديرات هناك (٣٠٠) ألف مصرى حصلوا على درجتى الماجستير والدكتوراه من الجامعات الغربية.

وذلك فيض من الكفاءات والخبرات تحتاجها مصر، غير أن أحدا عاقلا لا يمكن أن يطلب منهم العودة إلى بلادهم إذا لم تكن مؤسسات الدولة ومراكز البحوث قادرة على الاستيعاب والاستفادة.

ثم إن علماء الداخل، وهم على كفاءة مماثلة، يستشعرون ظلما لا يحتمل من شبه الاستهتار بقيمة اجتهاداتهم ومن البحث العلمى كله كأنه وظيفة لا لزوم لها.

البيئة الطاردة أقوى من تبشير «زويل» بـ«عصر العلم» والتراجع المفزع للجامعات المصرية طبقا لأى تصنيف دولى لا يمكن تجاوزه بغير سياسات جديدة تضع التعليم على رأس كل الأولويات.

بحسب شهادة «زويل» نفسه فقد حصل على تعليم متقدم فى كلية العلوم بجامعة الإسكندرية نهايات الستينيات أفضل مما كان يحصل عليه نظراؤه فى الولايات المتحدة الأمريكية.

الشهادة بنصها استمعت إليها قبل نحو عشر سنوات من مجموعة مهندسين حصلوا على درجة الدكتوراه من الجامعات الأوروبية والكندية بينهم الدكتور «محمد شاكر» أفضل مهندس استشارى مصرى بالكهرباء قبل أن يصبح وزيرا.

لماذا تدهورنا إلى هذا الحد؟

هذا سؤال رئيسى قبل أى حوار فى إصلاح التعليم.

لم تكن أزمته فى مجانيته، بل على العكس فإن المجانية اتاحت لـ«زويل» ابن الطبقة الوسطى الصغيرة التقدم إلى ما وصل إليه من منزلة دولية حتى بات مستشارا علميا لرئيس الولايات المتحدة.

هل كان تخريب التعليم ممنهجا؟

هذا سؤال آخر لا مفر من الإجابة عنه.