الخميس 15 نوفمبر 2018 3:01 ص القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

بيكاسو.. الأفق الأوسع للعالم

نشر فى : الجمعة 7 سبتمبر 2018 - 8:50 م | آخر تحديث : الجمعة 7 سبتمبر 2018 - 8:50 م

«أنا أفعل دائما ما لا أستطيع فعله كى أتعلم كيف أفعله»، قال ذلك الفنان «بيكاسو»، وهذا ما أفعله حين أكتب عنه، وأعماله المتعددة الأساليب والرؤى كأنها إبداع مجموعة فنانين عظام. فى الأسبوع الماضى زرتُ أول متحف له فى العالم، أقيم فى مدينة «انتيب» جنوب فرنسا، وساهم «بيكاسو» بمده بأعماله. والمكان قلعة على ساحل البحر المتوسط تعود أصولها إلى عصر الإغريق، وفيها أقام «بيكاسو» أستوديو، وعاش ستة شهور، مع رفيقته آنذاك الفنانة «فرانسواز جيلو». كان هو فى الـ61 من عمره، وهى فى الـ21، واستغرق حبهما سنوات الحرب العالمية الثانية العشرة، اشتعلت خلالها علاقتهما بعواطف جارفة متصارعة لا تُطاق، تروى تفاصيلها بطريقة روائية ساحرة «فرانسواز»، فى كتابها «حياتى مع بيكاسو»، والذى توجد له ترجمة عربية تضاهى بأناقتها وذكائها النص الإنجليزى، الذى ترجمته عنه الناقدة والشاعرة العراقية «مى مظفر»، زوجة الفنان الراحل «رافع الناصرى»، ونقرأ فيه كيف كانت فرانسواز تقصد «بيكاسو لتعليمها فنون الطباعة، و«بعد خطوة غزل مفاجأة جريئة تساءل بيكاسو: ألا تمتنعين؟، قلتُ: وهل ينبغى لى؟ بدت عليه الصدمة، وكان مغلوبا على أمره، وكنتُ أعرف جيدا أنه لم يكن يدرى ما يريد أن يفعله»!

ويدرك من تجاوز الستين قول بيكاسو: «يحتاج المرء إلى عمر طويل كى يبلغ مرحلة الشباب». وحملنى شبابى إلى منزل بيكاسو فى بلدة «موجين» بمقاطعة «كان» جنوب فرنسا، حيث عاش السنوات السبع الأخيرة من حياته، وتوفى عام 1973 عن 91 عاما. وآخر ما كنت أتوقعه ألا أعثر على المنزل، ولا على ذكره، حتى فى المتحف المحلى فى بلدة «موجين» التى لم أجد فيها سوى منحوتة رأس «بيكاسو»، وملصق يحمل صورته. وفهمت من موظفة السياحة فى البلدة أن المنزل شخصى لا يحمل أى رقعة، وغير مسموح بزيارته. ولم تساعدنى فى العثور عليه خريطةُ «جوجل» التى أضاعتنى فى «سباغيتى» شوارع ودروب ساحرة الجمال صاعدة نازلة.

وتفاقم اللغز عندما علمتُ أن بيكاسو دُفن سرا فى قلعة «شاتو فوفينارغيروز»، فى إقليم «أكسين بروفينس» جنوب فرنسا على سهول تلال «مونت سانتا فكتوريا». صور هذه التلال فى أكثر من ثلاثين لوحة الفنان «سيزان» الذى يُعتبرُ أب الفن الحديث. وقال بيكاسو لوكيل العقارات الذى باعه القلعة عام 1958: «اشتريتُ للتو جبال سيزان»! ولم يُعلن عن مدفنه فى المكان إلا بعد مرور 36 عاما على وفاته، وفُتح المكان للجمهور جزئيا ولبضعة شهور من السنة، حسب أوامر مالكة القلعة، ابنة زوجته الأخيرة «جاكلين» من رجل آخر، قبل أن تتزوج «بيكاسو»، وتنتحر حزنا لوفاته بطلقة بندقية.

وعندما نقرأ قول بيكاسو إن «الرسم طريقة أخرى فحسب لتسجيل اليوميات»، نرى فى أعماله القرنَ العشرين، الذى عاشه وعشناه ولم يغادرنا، بعد مرور 18 عاما على انتهائه، سواء فى السياسة، أو الاقتصاد، أو الفلسفة، أو الفنون. القرن الذى تحققت وتحطمت فيه أحلام البشرية. و«محمد أنظر إلى العالم بالأفق الأوسع لبيكاسو»، كلمة إهداء كتاب بيكاسو، الذى ضم سيرة حياته وأعماله، كتبها الفنان العراقى مظفر العابد، شريكى فى الغرفة بالقسم الداخلى للجامعة، حيث كنا ندرس فى بولندا. كانت تلك أول وأتعس سنوات الغربة، وكنتُ أعانى صدمة الحنين الجارف للوطن، ومنذ نحو نصف قرن أحمل الكتاب معى فى غربتى شرقا وغربا، وأصابنى بعدوى شعور بيكاسو باستفزاز جمال النساء، «الجمال الملغز والمروِع فى آن، حيث تجرى معركة بين الخير والشر، وميدان المعركة قلب الإنسان». قال ذلك الأديب الروسى دستوييفسكى، وهذا حال قلبى الذى يحرجنى أينما ذهبت حول العالم.

الاتحاد ــ الإمارات
محمد عارف

التعليقات