الجمعة 21 سبتمبر 2018 10:57 ص القاهرة القاهرة 27.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

عندما يجب أن ينصت الكبار

نشر فى : الأربعاء 7 ديسمبر 2011 - 9:15 ص | آخر تحديث : الأربعاء 7 ديسمبر 2011 - 9:15 ص

دافيد بروكس، أحد أشهر المعلقين الصحفيين فى نيويورك تايمز، طلب ممن تجاوز من قرائه السبعين من عمره، أن يكتب مقالا عن حياته يعدد فيه نقاط نجاحه ونقاط فشله، متى وأين وكيف نجح، ومتى وأين وكيف فشل. يقول بروكس إنه فوجئ بردود الفعل وبالصراحة التى تحدث بها القراء عن تجارب نجاحهم وفشلهم وتفسيرهم لها.

 

كتبت فى مناسبات سابقة عن سعادتى بقراءة مقال تمنيت فور الانتهاء منه أن أكون أنا كاتبة. قد تكون فكرة المقال ألحت من قبل ولم أنفذها لسبب أو آخر، وقد يكون وراء إهتمامى بالمقال شعور بالأسف لأن فكرته راحت لكاتب آخر ولم تأت ناحيتى. ولا شك أن مقال بروكس من هذا النوع. وكعادتى فى الحالات المماثلة رحت أحقق فى الخلاصات والاستنتاجات التى توصل لها الكاتب فى مقاله. اتصلت بأصدقاء أكثرهم تجاوز الستين وطلبت منهم الإجابة شفاهة على أسئلة استعرتها من مضمون المقال وأخرى ابتكرتها خصيصا للاستزادة والتحقق، مراعيا اختلاف ظروف الحياة فى أمريكا عن ظروفها فى بلادنا العزيزة. وفى النهاية خلصت بعدد من الدروس تصورت أنها قد تلقى اهتمام بعض الشباب من الذين لم يبلغوا بعد الستين أو السبعين من عمرهم.

 

●●●

 

الدرس الأول: لا تستسلم للتشاؤم ، ضع لحياتك هدفا أو أكثر وكلما حققت هدفا انتقل فورا إلى غيره. تجنب المساحات البيضاء فى مسيرة الحياة. ما أتعس يوم ينقضى قبل أن يخلف أثرا فى مسيرة العمر. لا تستظل من الواقع بالأحلام. اسع قدر الإمكان للاستقرار وقلل من التنقل المستمر والحركة المفرطة. العب دورا ولا تقف متفرجا، ولا تقلل من شأن قرارات مهمة اتخذتها. لم يحقق شيئا معتبرا فى حياته من لم يأخذ بهذا الدرس بينما حقق نجاحا بعد نجاح هؤلاء القراء الذين قالوا إنهم اتخذوا قرارات مهمة فى حياتهم، وقسموا مسيرتهم فصولا، وتدخلوا فى رسم وتحديد خطواتهم فلم يتركوها للصدف أو الحظ أو الزمن.

 

الدرس الثانى: لا تقضى يومك تحاسب نفسك على ما فعلت أو ما لم تفعله بالأمس وتحث ضميرك على تأنيبك. تجنب ممارسة هواية الاستمتاع بتحليل شخصيتك وما تريد من الناس وما يريد الناس منك، والرهان اليومى على إن كانوا يحبونك أو يكرهونك. إن فعلت هذا فأنت لن تنعم بحياة سعيدة. يعيش سعيدا من تعمد أن ينسى كل حادث غير سعيد فى حياته وكل شخص تسبب فيه. ويعيش سعيدا من يعترف بجميل من أحسن إليه ويكرر هذا الاعتراف أمامه وأمام غيره.

 

المثير أيضا فى مقال الكاتب الأمريكى نصيحته إلى الشباب إعتمادا على شهادات قرائه المسنين بأن يغير كل منهم روايته عن نفسه التى يرويها للآخرين. يقول للشاب «لا تروى قصتك للناس كما حدثت تماما، لا مانع إطلاقا من أن تضيف شيئا لم يحدث، شىء يحسن صورتك ويرضى غرورك». ينجح دائما من لا يتواضع كثيرا ومن يقدم نفسه فى صورة أبهى.

 

الدرس الثالث: جرب أن تدخل مغامرة أو أكثر، قد تفشل فى واحدة منها ولكن فرصك فى النجاح تزداد كلما زاد عدد المغامرات. تأكد أنك عندما تصل إلى الستين أو السبعين ستشعر بالندم على كل مغامرة لم تقدم عليها ولن تشعر بالندم على مغامرة قمت بها، حتى وإن فشلت فيها. استشرت صديقا فى السبعين فى جدوى هذا الدرس استنادا إلى تجربة حياته الدسمة، هز رأسه موافقا وأردف قائلا إنه دائما يعتقد أن المغامرات كمعدن الصقل بدونه لن يتألق الألماس، ولن يشعر أحد بقيمته.

 

الدرس الرابع: لا تحكم على الناس بما يبدو عليهم فى الظاهر من ذكاء أو مهارة أو طموحات أو أناقة أو خفة ظل أو جمال أو بكل ما يتفاخرون، إنما أحكم عليهم بما حققوه فعلا وبقدر سعادتهم وسعادة من حولهم بما تحقق.

 

الدرس الخامس: لا تلم نفسك على قرار اتخذته وأنت فى العشرين من عمرك، أو تحتج به على نكسة ألمت بك لأنك كنت غير ناضج وغير مؤهل وصغيرا لا تفهم. كثيرون يعيشون بقية العمر تعساء ويفقدون فرصا كثيرة لا لشىء إلا لأنهم غاضبون باستمرار بسبب قرار اتخذوه وهم فى سن العشرين. يكفى أنه أسعدك وأنت فى العشرين. أو يكفى أنه كان أحد عوامل نضجك وأن آثاره باقية. يقول صديق من الأطباء أن البكاء على قرار اتخذناه فى العشرين هو أحد أسباب ظاهرة اليأس الذكورى التى تصيب معظم الرجال فى مرحلة متوسطة أو متقدمة من حياتهم، وهى المرحلة التى يشعر عندها الرجل أن الباقى من عمره لا يكفى ليحقق فيه ما فات عليه تحقيقه وهو فى سن العشرين.

 

●●●

 

كنت حاضرا قبل شهرين فى اجتماع ضم رجالا ونساء من أعمار مختلفة وكانت الثورة موضوع الاجتماع. رأيت على وجوه بعض كبار السن من الجنسين ما يشبه الإعجاب المقترن بالحسد كلما تحدث شاب من الشبان عن تجارب مارسوها وقرارات اتخذوها فى ميادين الثورة وشوارعها. دعونا نعترف بأن أغلب كبار مصر لم تتح لهم خلال مسيرة حياتهم فرصة ليثوروا ويتخذوا قرارات ثورية ويمارسون تجربة ثورة حقيقية.

 

مفيد فى بعض الأحيان أن ينصت الكبار عندما يتكلم الصغار.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.