السبت 18 أغسطس 2018 12:44 ص القاهرة القاهرة 27.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى تجربة نادي «بيراميدز» ستصب في مصلحة الكرة المصرية؟

المواطنة والطائفية

نشر فى : الإثنين 8 يناير 2018 - 10:15 م | آخر تحديث : الإثنين 8 يناير 2018 - 10:15 م
الاحتفال بمولد السيد المسيح جاء هذا العام محملا بخليط من البهجة المعتادة والحزن على ضحايا الإرهاب من كل فئات وطوائف الشعب المصرى والقلق من المستقبل، كما صاحبته رسائل متناقضة حول وضع الأقباط والمسيحيين عموما فى مصر.
على الجانب الرسمى، فإن رئيس الجمهورية لم يتأخر عن المشاركة فى الاحتفال الذى يسبق قداس عيد الميلاد على نحو ما فعل فى السنوات الثلاث الماضية، وصاحبه كالمعتاد حشد من المسئولين والبرلمانيين والسياسيين، كما حرصت وسائل الإعلام على نقل المناسبة والتأكيد على رسالة الوحدة والتضامن. وهذه كلها تقاليد محمودة لأنها تعبر رمزيا عن اهتمام الدولة بوضع المسيحيين فى مصر وحرصها على التأكيد على تمسكها بالوحدة الوطنية.

ولكن من جهة أخرى فإن العام المنصرم تخللته أوضاع وأحداث على أرض الواقع كشفت عن استمرار الاحتقان الطائفى فى المجتمع، بما فى ذلك استمرار الصراع على إقامة الكنائس والترخيص لها، وتعطيل الشباب المتعصب لحق المسيحيين فى حرية العقيدة والعبادة، وتردد أجهزة الدولة حيال المحرضين والمنفذين لهذه الجرائم، بل ومباركتها لاتفاقات الصلح العرفية التى تكرس التمييز وتقنن التعنت والتعصب الدينى. والأهم مما سبق هو استمرار السلوك الطائفى بين الناس، وسكوت المجتمع على تصرفات يومية تبدو عادية بينما هى فى الواقع تعبر عن فجوة لا تزال تفصل بين عنصرى الأمة ويغذيها تعليم متدنى وتوعية غائبة وقوانين لا يجرى تطبيقها بالجدية الكافية.

هذا التناقض بين الخطاب السائد للدولة وبين الواقع الذى يعيشه المجتمع يرجع فى تقديرى إلى حقيقة أن المفهوم السائد رسميا وحتى شعبيا عن المساواة والمواطنة مفهوم يعتمد فى أساسه على اعتبار المسيحيين فى مصر أقلية عددية ومجموعة مختلفة ثقافيا وليس فقط دينيا، واحترام المواطنة يعنى بالأساس حماية هذه الأقلية ومنحها قدرا معقولا من الحقوق الدستورية (مثل التمثيل البرلمانى والمشاركة المحدودة فى الحكومة) ولكن من منظور التمييز والتفرقة وعلى أرضية هى فى الأساس طائفية. ولكن هذا المفهوم الذى ربما كان مناسبا منذ مائة عام وصالحا لكى يمثل برنامجا للإصلاح وتحقيق الوحدة الوطنية لم يعد مناسبا لظروف العصر بل ينبغى أن يحل محله مفهوم معاصر للمواطنة يناهض ويقاوم الطائفية بدلا من أن يسعى لتحجيمها وتنظيمها وضبط قواعد التعامل معها على نحو ما لا يزال يجرى الآن.

المواطنة التى يجب أن نسعى لتحقيقها ــ والتى نص عليها الدستور من بين ما جاء به من قيم إيجابية يجرى تجاهلها ــ ليست تنظيم التفرقة بين المسلمين والمسيحيين بل إلغاؤها. وهذا يعنى إصدار قانون جدى لمنع التمييز بين المواطنين بكل أشكاله، وإنشاء مفوضية مكافحة التمييز لمراقبة تطبيق القانون بشكل محايد ومستقل، وتدريب المحاكم وأجهزة الدولة على تنفيذ أحكام القانون من أجل منع التمييز فى العمل والعبادة والرأى وفى تقلد المناصب العامة والحصول على الخدمات العامة ومعاقبة كل من يعطل تطبيق أحكامه، كما يعنى أيضا تشجيع ومساندة الجهود الأهلية والمحلية لرصد وتجنب تصاعد التوتر والاحتقان الطائفى بدلا من الاعتماد فقط على التدخل الأمنى بعد أن يكون هذا الاحتقان قد تحول إلى صدام وعنف. وما سبق كله ليس جديدا ولكن يعطله استمرار الاعتقاد بان المواطنة هى مجرد تخصيص مقاعد وأماكن وأوضاع معينة للمسيحيين فى المجتمع، وتوجيه التهنئة لهم فى الأعياد، ولكن دون التصدى لجوهر الطائفية وهو القبول بالتفرقة والتمييز.

أدرك تماما أن هناك من يفضلون الحديث عن الوضع الطائفى فى مصر من منطلق أنه يفتح باب التدخل الأجنبى فى الشئون الداخلية ويمنح المتآمرين على مصر السلاح الذى يوجهونه إلينا. اعلم هذا ولكن لا اتفق مع مبدأ السكوت عن الأوضاع المختلة لمجرد أن هناك فى الخارج من يمكن ان يستغلها لأن هذا المنطق استخدم من قبل لوأد الحوار الداخلى ومنع التعرض للقضايا الشائكة. محاربة الطائفية والتمييز واجب علينا نحن المصريون دون الالتفات إلى الدول الأخرى والوقت قد حان لتأسيس جديد لحركة وطنية تعمل على ترسيخ المواطنة الكاملة.

وكل عام وأنتم بخير

 

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.