الإثنين 18 يونيو 2018 10:51 م القاهرة القاهرة 28°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الإعلان عن أسعار الكهرباء الجديدة.. كيف تراها؟

حتى يغيروا ما بأنفسهم.. 6ــ ((وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ))

نشر فى : الخميس 8 فبراير 2018 - 10:00 م | آخر تحديث : الخميس 8 فبراير 2018 - 10:00 م

ما معنى قوله تعالى: ((وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا )).. حتى نتبين معنى الآية لابد أن نقرأها من أولها، والآية تقول: ((أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ))
هكذا يتضح من الآية مبادئ أساسية هى:

1ــ ضرورة البعد عن تقليد الآخرين والسعى لما فى أيديهم: فإن ما فى يد الناس هو عطاء إلهى خاص يريد به تعظيمهم أو إهانتهم فلا تأخذك ظواهر الأمور

2ــ أن الأرزاق والمنح والعطايا ليست عشوائية، بل هى قسمة مقسومة بإرادة إلهية وعلم إلهى ((نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) بوضوح تام ما تراه عندك وعند غيرك قسمة مقسومة بحساب دقيق فلا تسأل ولا تحسد فلن تأخذ أكثر مما قسم لك

3ــ أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية صنعة إلهية طبقا لإرادته سبحانه

4ــ والعلة الأساس فى هذا التغاير والتفاوت هى ((ليَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا)) أى ليسخر بعضهم بعضا، والتسخير هو «الإكراه الذاتى» على إنجاز وإتمام شىء محدد.

ــ1ــ
«رفع الدرجات» فى هذه الآية رفع مادى مثلما تضع «الترس فى الدوران» ترى هذا التسخير الذى تكلمت عنه الآية، فكل سنة من أسنان الترس تدور مع غيرها دورة كاملة فتأتى مرة فى الأعلى ومرات فى الوسط ومرة فى الأسفل، ولولا أن كل سنة من الأسنان تدور فى هذه الدورة ما تمت الحركة ولا حدث المقصود وهكذا يتفاوت مكان الأشخاص فى المجتمع لكن كل واحد منهم يقوم بوظيفة هو مسخر فيها لخدمة غيره فترى الحارس مسخرا مستيقظا لحراسة هؤلاء الذين يذهبون للحقول لزرع الطعام، والذين يذهبون إلى المصانع لإنتاج متطلبات المجتمع، كما ترى الطبيب والممرض كليهما مسخر لجميع الناس ساعة المرض والتعب، وترى عمال النظافة
~يتابعون المرافق لخدمة هؤلاء الذين يخدمون المجتمع فى سائر المهن والحرف.

ــ2ــ
وإذا كان المريض لا يرى الطبيب إلا فى لحظات المرض لمدة دقائق، فلا يحسبن أنه لم يأخذ من الطبيب إلا هذه الدقائق، فإن الطبيب قد بقى مسخرا أعواما طويلة يدرس ويستذكر ويتعرض للفشل والنجاح حتى يقطع دراسات تمهيدية (حضانة – ابتدائى – اعدادى – ثانوى) ثم دراسات وعلوم طبية نظرية وعملية ثم تدريبات متواصلة بين حالات الطوارئ وحالات المرض، فها هو يقضى قرابة ربع قرن من عمره مسخرا تسخيرا تاما ليستطيع إسعافك وإخراج المرض منك.. فانظر كيف حبب الله إليه دراسة الطب ليتأهل لخدمتك...هذا هو التسخير الذى بينته الآية حين قال: ((لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا))

ــ3ــ
وإذا كان التلميذ أو طالب العلم لا ينال من وقت الأستاذ سوى ساعات الدرس وربما كان الأستاذ كثير الأمر والنهى، فتلك كلها مظاهر خارجية قد سبقها تسخير ذلك الأستاذ تسخيرا تاما منذ كان طفلا وشابا إلى أن بلغ رشده وتخرج فى تخصصه الذى يعلمك فيه، فإن كنت لا تنال من وقته غير ساعة الدرس فاعلم أن هذا الإنسان قطع سنوات من عمره مسخرا للاستعداد لخدمتك، وعليك أن تحصل العلم لكى تصبح مسخرا أنت الآخر مثل أساتذتك من قبل، ومثل تلاميك من بعدك.

ــ4ــ
ولا تنظر إلى الفوارق بينك وبين غيرك فهذا الوزير مسخر لخدمتك وهذا الضابط مسخر لخدمتك، وهذا عامل النظافة مسخر لخدمتك، وهذا الميكانيكى مسخر لصيانة السيارات التى تقضى بها مصالحك، وهذا «عامل البناء» يكابد العمل فى الحر والبرد ليصنع لك سكنا، وهذا الفلاح جعل الله هوايته وحرفته أن يتفرغ ليزرع لك طعامك.

ــ5ــ
لهذا وجب على كل منا أن يحترم تخصصه، وأن يزداد فيه تعلما وإتقانا واخلاصا، ويقول كل منا لنفسه: «يا نفس إذا أهملت فى عملك أو تكاسلت فربما يتكاسل الطبيب عن الاستعداد لخدمتك وقد يضيق الفلاح بمشقة زراعة الأرض أو قلة عائدها» فماذا أنت فاعل؟

يتبع

جمال قطب   رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف
التعليقات