الأحد 23 سبتمبر 2018 11:29 ص القاهرة القاهرة 29.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

رئيس الصين يعدل الدستور

نشر فى : الخميس 8 مارس 2018 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 8 مارس 2018 - 9:30 م

منذ وفاة الزعيم الصينى الأهم خلال النصف الثانى من القرن العشرين «ماو تسى تونج» عام 1976، تحاول القيادات الصينية منع ظهور ماو جديد، أى منع ظهور شخصية محورية تنفرد بالحكم على غرار ما قام به الزعيم ماو الذى حكم حتى مماته، وامتدت سنوات حكمه لتتخطى الثلاثين عاما. سيطر الزعيم ماو بصورة فعلية على مؤسسات الحكم الصينية الثلاثية، سواء الحزب الشيوعى ولجنته المركزية، أو مؤسسة الرئاسة، أو قيادة الجيش الأحمر، وذلك بصور مباشرة أو غير مباشرة حتى مماته. وعلى الرغم من التقدير الكبير الذى يحظى به إرث الزعيم ماو، فإن الصين كدولة ومجتمع ونخبة توافقت على أن الزمن يتغير، وأنه لا سبيل للتقدم إلا بمنع خلق ماو جديد أولا. وعليه تبنت معادلة حكم توازن بين طبيعة وتوازنات الصين الداخلية الأيديولوجية والثقافية، وبين الطبيعة البشرية التى يفسدها دوام السلطة، ويفسد دوائرها القرب الشديد من الحاكم. وعليه صممت الصين الجديدة على خلق مؤسسات سياسية لا تشخص الحكم، ولا تعتمد على زعيم أوحد مدى الحياة، بل اختارت أن يكون هناك ديكتاتور، لكنه ديكتاتور يحكم لفترة محددة معلومة مقدما. لم تتبنَ الصين انفتاحا ديمقراطيا على النمط الغربى، لكنها تواصلت لمعادلة متوازنة بالمعايير الصينية تسمح بوجود ديكتاتورية سياسية لفترة محددة من الزمن.

وبالفعل عرفت الصين تداول السلطة بصورة جيدة، وإن كانت لا تماثل الطريقة الغربية فى اختيار الشعب المباشر للرئيس من خلال صناديق الاقتراع. ولم تعرف الصين أخيرا الانتقام أو إعدام أو اعتقال الرؤساء السابقين ممن هم على قيد الحياة. وحكم بعض الزعماء لخمس سنوات وحكم البعض لعشر سنوات كحد أقصى، والتزم الجميع بمواد الدستور الجديد الذى أُقر عام 1982.

***

أدرك الزعيم دينج شياو بينج ــ وهو الذى خلف الزعيم ماو ــ أن العالم يتغير بسرعة فائقة، وإذا أرادت الصين اللحاق بركب التقدم الاقتصادى فعليها اتباع آليات الاقتصاد الرأسمالى، وتبنى اقتصاديات السوق المنفتحة، إلا أنه صمم على أن يكون ذلك بنكهة صينية تقل فيها سلطة الدول كمخطط للاقتصاد، مقابل الدفع بنظام مختلط لا يترك لقوى السوق حرية كاملة للحركة. ويحسب لبينج أنه خلق وصان حركة إصلاح وانفتاح كبيرة وضعت للصين أسس التقدم الاجتماعى والاقتصادى، ويحسب لبينج كذلك حفاظه على الخصوصية الصينية وعرفت الصين حينذاك «اشتراكية صينية» تختلف عما تصفه الأدبيات الغربية عن النظم الاشتراكية. أدرك بينج كذلك أن من الجرم إبقاء حاكم فى منصبه مدى الحياة. واستفاد من تجربة سلفه الزعيم ماو ومن أخطائها التاريخية والتى كان منها مقتل ما يزيد على 30 مليون شخص خلال الثورة الثقافية فى ستينيات القرن الماضى. وصمم بينج على عدم السماح بوجود ديكتاتورية مطلقة حيث رآها مفسدة مطلقة. وصمم بينج على عدم السماح بوجود سلطة لشخص مدى الحياة، وتمت صياغة ذلك فى الدستور الصينى وذلك ليتجنب زعماء الصين الجدد الفساد المرتبط بالقرب من دائرة الحكم لفترة طويلة، وعدم استيعاب دائرة الحكم المطلق لضرورات وفوائد وحتمية التغيير.

***

من هنا جاءت مفاجأة اعتماد المؤتمر التاسع عشر للجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى منذ أيام والتى شهدت اقتراحا حول تعديل بعض أجزاء من الدستور بمثابة نذير خطر كبير، إذ تضمن الاقتراح تعديل المادة 79 من الدستور لحذف عبارة «بقاء رئيس جمهورية الصين الشعبية ونائبه لمدة لا تزيد على فترتين متتاليتين».

وتهدف هذه الخطوة إلى تمهيد الطريق للرئيس الصينى «شى جين بينج» للاستمرار فى الحكم بعد انتهاء فترة حكمه الثانية عام 2023. صمدت الصين أمام عواصف الانفتاح والإصلاح لأكثر من أربعين عاما منذ تبنيها سياسات الإصلاح والانفتاح الاقتصادى عام 1978، وصمدت كذلك بدستور 1982 الذى منع ظهور زعيم واحد ملهم يبقى فى الحكم حتى مماته طبقا لتصور الأب الروحى للإصلاح والتقدم فى الصين الزعيم دنج شياو بينج. من هنا يمكن تفهم ما قام به الرئيس الصينى الحالى من خلال خطوات متنوعة لتعزيز وضعه خلال فترة حكمه الأولى بمحوه قدرا كبيرا من إرث دينج شياو بينج، إضافة لإزاحته لكل خصومه المحتملين، معتمدا فى المقام الأول على حملته الواسعة النطاق لمكافحة الفساد، والتى امتدت لتطهير الحزب الشيوعى الصينى من كل خصومه ومنافسيه السياسيين المحتملين.

وبالطبع انبرت أبواق النظام الصينى الإعلامية للتغنى بفكرة تعديل الدستور، وذكرت أنها جاءت فى وقتها وذلك كون هذا التعديل يعد «خطوة حيوية من الخبرة الطويلة للحزب، وتحسين مؤسسات وآليات ممارسة الحزب وقيادة الدولة، وذلك وفقا لاستراتيجية التمسك وتطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية فى العصر الجديد». كما أشارت صحيفة الشعب الرسمية.

***

لم تتوقف التعليقات والتحليلات الأمريكية منذ خروج أنباء التعديلات الدستورية فى الصين عن طرح تساؤل مفاده: «كيف أخطأ الغرب فى فهم الصين»؟. وخرجت التحليلات من زاوية أن الغرب الذى سمح وشجع اندماج الصين فى الاقتصاد العالمى وسمح لها بالانضمام لمنظمة التجارة العالمية، توقع أن يكون مردود ذلك إيجابيا على الانفتاح السياسى للصين. إلا أن خطوة الرئيس شى الأخيرة بتمديد فترات الحكم شكلت صدمة لواشنطن التى تعتقد أن رهانها على مستقبل الصين ينهار على وقع التعديلات الدستورية الأخيرة. وخرجت دعوات تدعو لضرورة كبح جماح القائد الصينى الذى لا تعرف طموحاته حدودا، ونادى آخرون بالتشدد مع الاستثمارات الصينية الحكومية وشبه الحكومية فى الغرب، وعدم السماح للصين بالاستفادة من حركة التجارة الدولية بالصورة التى تضر بأمريكا وحلفائها، بل نادى البعض أيضا بضرورة إظهار واشنطن لقوتها العسكرية لردع أى تفكير صينى فى توسع مستقبلى. وكتب آخرون يحذرون من أن خطوات الرئيس شى ستؤدى لوجود فوضى ولغياب الاستقرار الذى تنعم به الصين حاليا. إلا أن مشكلة أمريكا والغرب فى التعامل مع دولة مثل الصين تتجاهل أو تقلل فى أفضل الأحيان من الخلفية التاريخية الشديدة السوء لعلاقات الغرب بالصين وكيف تعامل معها وسيطر عليها واستغلها وذلها لسنوات طويلة من القرنين الماضيين. يتعاملون مع الصين وينسون أنها بالأساس سوق كبير لمنتجاتهم وتجارتهم، ويأملون منها أن تسلك مسارا يتوقعونه لها، مسارا غربيا بالأساس. العديد والعديد من الدول تتبنى مسارات مختلفة، والصين نموذجا هنا، قد تكون خياراتها صائبة أو خاطئة، لكن فليحكم الصينيون على تجربتهم، وليترك الغرب الصينيين يحددون اتجاه مسيرتهم. النموذج الغربى فقد جاذبيته الأخلاقية على إثر صعود التيارات اليمينية فى الغرب ووصول ترامب للحكم.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات