الخميس 15 نوفمبر 2018 9:51 م القاهرة القاهرة 19.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

نظرة من بعيد على كاراكاس

نشر فى : الأربعاء 8 أغسطس 2018 - 9:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 8 أغسطس 2018 - 9:35 م

بدت محاولة اغتيال الرئيس الفنزويلى «نيكولاس مادورو» كأنها استدعاء للانقلابات العسكرية فى أمريكا اللاتينية واستدعاء آخر لحروب العصابات التى واجهت أثقالها الغليظة.
المحاولة بوقائعها وتفاصيلها تفوق الخيال العلمى فى شطحاته.
أثناء عرض عسكرى فى العاصمة كاراكاس استهدف «مادورو» بطائرتين مسيرتين محملتين بمتفجرات.
إحداهما ضلت طريقها بفعل أجهزة التشويش والأخرى ارتطمت بمبنى مجاور.
خلفت الانفجارات فزعا فى المكان وهروبا للجنود المشاركين فى العرض العسكرى وانقطاعا فى البث التليفزيونى وتساؤلات عن مغزى الحادث وما بعده وتأثيراته على مستقبل الديمقراطية فى القارة اللاتينية.
حتى الآن لم تستبن خلفيات حادث الاغتيال، ولا كيف خطط له، ولا من موله، لكن بمواريث التاريخ لا يمكن استبعاد تورط مباشر من الإدارة الأمريكية الحالية واليمين المتطرف فى فنزويلا ونظام الحكم فى كولومبيا، الذى توعد على فترات متقاربة إزاحة حكم «مادورو».
فى سنوات الحرب الباردة أديرت الصراعات المسلحة فى الشرق الأوسط تحت خطوط حمراء لا تسمح بإنجرار العالم إلى حرب نووية وكادت القوة الأمريكية أن تنفرد بتقرير مصائر القارة اللاتينية وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية دون أى اعتبار لشعوبها.
تقوضت الحقوق هنا وسحقت الإنسانية هناك.
كأى فعل فإن له رد فعل يساويه فى القوة ويضاده فى الاتجاه.
هكذا استدعت الأنظمة الفاشية حرب العصابات فى أحراش القارة.
كانت الثورة الكوبية نموذجا لقدرة حرب العصابات على إلحاق الهزيمة بنظم موغلة فى تبعيتها وفسادها.
قدمت للعالم ثلاث شخصيات كبيرة: قائدها «فيدل كاسترو» وأيقونتها «تشى جيفارا» ومسئولها العسكرى «راؤول كاسترو»، الذى استقال أخيرا من الرئاسة اختيارا ليفسح المجال أمام تجديد الدم فى بنية دولته المحاصرة.
الوسائل الديمقراطية تهيأت لها ظروف استجدت مكنت اليسار اللاتينى من الوصول إلى السلطة فى دول عديدة وإغلاق صفحة الاغتيالات السياسية والانقلابات العسكرية وحروب العصابات.
جرى تجاوز فعل السلاح إلى طلب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ووحدة القارة وتحررها من الهيمنة الأمريكية.
كانت تلك نقلة تاريخية أذنت بنهضة اقتصادية فى القارة والخروج من التبعية.
لم تكن مصادفة أن يعكس الأدب اللاتينى عمق المعاناة الإنسانية تحت وطأة التهميش والإقصاء والهيمنة.
ولا كانت مصادفة أن أغلب إسهامات «نظريات التبعية»، التى سادت الجامعات الغربية لسنوات طويلة تعود إلى اقتصاديين لاتينيين، كانوا كبلدانهم وأدبائهم مسكونين بوطأة الانقلابات العسكرية برعاية الاستخبارات الأمريكية وما ترتكبه من مجازر دموية، وأحمال النهب المنظم الذى ترتكبه الاحتكارات الدولية بالتعاون مع شبكة فساد داخلية تتحكم فى مقاليد السلطة.
أخطر رسائل محاولة الاغتيال الفاشلة فى كراكاس العودة إلى القواعد القديمة ــ اغتيالات سياسية تمهد لانقلابات عسكرية وحروب عصابات تنهض لمواجهتها، كأن القارة تستعيد ماضيها وتنفى مستقبلها.
باستثناء اغتيال الرئيس التشيلى «سلفادور الليندى» فى (١١) سبتمبر (١٩٧٣) لم تحدث أى استهدافات مماثلة من الجو حتى حادث كاراكاس.
فى ذلك اليوم البعيد، ووقائعه لا تغادر الذاكرة الإنسانية، قصف القصر الرئاسى فى العاصمة سانتياجو قبل اقتحامه، قتل «الليندى» الذى رفض أن يسلم نفسه، وهشم رأسه تقريبا.
بشهادة «جبرائيل جارسيا ماركيز»، أحد أبرز الروائيين فى التاريخ الإنسانى، فإن طيارين أمريكيين تولوا قصف القصر الرئاسى بدقة غير متوافرة للطيارين التشيليين، وأن جماعات من الشرطة السرية فى دول مجاورة أدخلوا عبر الحدود البوليفية لقتل اللاجئين السياسيين.
جرت حملات مداهمات واعتقالات وعمليات قتل جماعى فى استاد سانتياجو وألغيت الديمقراطية بدعم وتمويل شركات احتكارية أمريكية وتورط مباشر من إدارة الرئيس الأمريكى الأسبق «ريتشارد نيكسون» ومستشار الأمن القومى فى ذلك الوقت «هنرى كيسنجر» ــ كما هو ثابت ومنشور.
فى حادث كاراكاس نفى مستشار الأمن القومى الأمريكى الحالى «جون بولتون» أى صلة لبلاده به، كما فعل سلفه بأعقاب الانقلاب الدموى فى سانتياجو.
لمدة ثلاث سنوات جرى التخطيط والتحضير للانقلاب الذى قاده الجنرال «أوجستو بينوشيه»، جرت خلالها حملات تشهير إعلامية وشراء ولاءات وتحريض الطبقات الأكثر ثراء وإثارة اضطرابات تمهد لإطاحة الرئيس الاشتراكى «الليندى».
كانت أبرز الشركات الأمريكية التى مولته «أى تى تى» العاملة فى مجال الاتصالات و«كينو كوت» العاملة فى مجال النحاس الذى جرى تأميمه.
كانت آخر جملة كتبها شاعر تشيلى العظيم «بابلو نيرودا» قبل أن يتم التخلص منه فى ظروف غامضة: «لقد عادوا ليخونوا تشيلى من جديد».
لماذا كراكاس الآن؟
هناك أزمة سياسية متفاقمة وانقسام حاد فى فنزويلا بعضها بتمويل أمريكى صريح ومباشر وبعضها الآخر يعود إلى سوء الأداء السياسى وعدم القدرة على بناء توافقات وطنية أوسع.
وهناك أزمة اقتصادية مستعصية، نقص مزمن فى الأغذية والأدوية والسلع الرئيسية وتراجع فى الخدمات العامة كالرعاية الصحية والمياه والكهرباء وتدهور غير مسبوق فى نسب التضخم وإجمال الناتج المحلى ــ حسب التقارير الدولية والصحفية.
المثير فى الأزمة الاقتصادية أن فنزويلا لديها أكبر احتياط للنفط فى العالم مكنها قبل سنوات من تحسين جودة الحياة فيها ورفع مستويات معيشة مواطنيها.
من الأسباب الجوهرية التى تنسب إليها الأزمة الاقتصادية انخفاض أسعار النفط، الذى يعتمد الاقتصاد على عوائده بنسبة تتجاوز الـ(٩٠٪) فى تمويل حركة الأسواق واستيراد الأغذية والمواد الأساسية.
ومن الأسباب الجوهرية سوء الأداء الاقتصادى وعدم تنوع مصادر الدخل وتفشى الفساد.
بصورة أو أخرى فإن محاولة اغتيال الرئيس «مادورو» استثمار مزدوج فى الأزمتين السياسية والاقتصادية لدفع فنزويلا إلى فوضى واسعة تعود بعدها إلى المربع القديم.
رغم كل الأخطاء التى تنسب إلى تجربته فى الحكم فإن الذين خططوا لاغتياله لا تعنيهم الديمقراطية ولا سلامة العملية السياسية بقدر ما تشغلهم عودة كراكاس إلى التبعية واستحلاب مخزونها النفطى.
هذه هى الحقيقة بلا رتوش.
كيف نجح إذن «مادورو» فى الإبقاء على نظامه الذى ورثه عن راعيه الرئيس الراحل «هوجو شافيز»؟
بشهادة منظمة الأغذية والزراعة الدولية «الفاو» فإن أفضل تجربة فى العالم لتوزيع الغذاء على الأكثر فقرا وتضررا هى التجربة الفنزولية.
انخفض عدد الذين يعانون من نقص حاد فى التغذية إلى أكثر من النصف خلال عقود قليلة.
وفرت تجربة توزيع الغذاء المدعم لنحو (٦٠٪) من السكان القوة الضاربة لنظام الحكم الذى أسسه «هوجو شافيز».
كما وفرت سياساته المناهضة للتبعية الأمريكية قاعدة دعم أخرى لدى قطاعات شعبية واسعة وداخل الجيش الفنزويلى نفسه، الذى أعلن دعمه المفتوح لـ«مادورو» بعد فشل محاولة الاغتيال.
كان ذلك عكس ما جرى فى تشيلى.
بأى نظرة من بعيد على كراكاس فإن ما يجرى فيها من تفاعلات يدخل فى مستقبل القارة ويكشف مدى التفلت الأمريكى فى إدارة السياسة الدولية، السلام بالقوة فى الإقليم، وخسارة للحلفاء فى أوروبا واستدعاء للفوضى فى أمريكا اللاتينية.