الأحد 18 نوفمبر 2018 11:04 ص القاهرة القاهرة 22.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

«خان المُعلّم».. ذكرى لا تموت

نشر فى : الخميس 8 نوفمبر 2018 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 8 نوفمبر 2018 - 9:35 م

يتأكدُ لى يومًا بعد يوم أن حياة محمد خان، المخرج الكبير، وتفصيلات حياته الصعبة والشاقة، يمكن أن تكون موضوعاتٍ لأفلامٍ، تسجيلية وروائية، لم يكن يروى الكثير عن كفاحه، ولا عن سنوات غربته فى لندن وبيروت، ولكن ما كتب ونشر عنه، يصنع شريطًا طويلا حافلا بلحظات الإحباط والانتصار، الشىء الوحيد الذى لم يتغير هو عشقه الذى لا حدود له للسينما، وإيمانه الذى لا يتزعزع بأنه سيصبح مخرجًا ذات يوم، وقد كان.
اختار المخرج أحمد رشوان، الذى كان مُساعدًا لخان، أن يركز فى فيلمه التسجيلى «خان المُعلّم» على زاوية واحدة، هى علاقته الطويلة مع خان، وهى فى حد ذاتها قصة حافلة بالمواقف الفنية والإنسانية، ومن خلال هذه العلاقة، يستعرض الفيلم مسيرة خان فى السينما، وطريقته فى البحث عن أفكار أفلامه، وإصراره على تنفيذها كما يريد.
وبين شريط الصوت الذى يحمل كلمات رشوان، والصورة المليئة بحيوية خان، ولحظاته المهمة، عبر سنوات طويلة، يسجل الشريط بلمساتٍ عاطفية حميمة، ذكرى لا تموت، يمتزج فيها الخاص بالعام، وتتجسد من خلالها معالم مشوار يستحق أن يُروى.
بداية العلاقة بين خان ورشوان لها دلالة هامة على شخصية المخرج الكبير، إنه لم ينس أبدًا أنه كان هاويًا وشغوفًا بمشاهدة الأفلام، ولذلك عندما أرسل إليه شابٌ إسكندرانى يصدر مجلة صغيرة عن السينما، اهتم خان كثيرًا، بل لقد تحمّس فكتب مقالًا خصيصًا لهذه المجلة، ثم شجّع هذا الشاب الذى سيصبح مساعده فيما بعد، أن يلتحق بمعهد السينما، وفى آخر ندوة لمحمد خان فى مركز «دال» فى جاردن سيتى، تذكّر لقاءَه الأول مع رشوان، ولذلك يبدأ الفيلم بهذه الكلمات، التى يبدو أنها كانت عبارات الوداع.
يستعين الفيلم بالصور الفوتوغرافية والفيديوهات النادرة ومشاهد من أفلام خان الشهيرة، ورغم كثرة تلك المواد، فقد صنعت مزيجًا متجانسًا، نسير زمنيًّا مع أبرز المحطات فى حياة خان، وتستكمل من خلال شهادات مهمة من رفاق خان كواليس المشوار الإنسانى والفنى، تتكلم ثمانى شخصيات على مدار الفيلم فى مقدمة هؤلاء: سعيد شيمى، أقرب أصدقاء خان، ومدير التصوير الذى قدم معه مجموعة من أبرز أفلامه؛ «ضربة شمس»، و«الحريف»، و«طائر على الطريق»، وبشير الديك، كاتب السيناريو الذى ارتبط بمخرجى الواقعية الجديدة مثل خان، وعاطف الطيب، ووسام سليمان زوجة خان، وكاتبة السيناريو لثلاثة من أفلامه الأخيرة المميزة هى «بنات وسط البلد»، و«فى شقة مصر الجديدة»، و«فتاة المصنع».
ويتحدث اثنان من أبرز مصورى أفلامه؛ هما محسن أحمد، وكمال عبدالعزيز، عن التفاصيل الفنية لتنفيذ لقطات أفلامه، وكثير منها تم فى الشوارع.
لعل أجمل ما فى هذا الفيلم الجيد أن التلميذ استوعب درس الأستاذ، حيث يحضر المكان فى الفيلم مثلما كان يفعل خان فى أفلامه، حب خان للمدينة تترجمه أشرطة له وهو يتجول فى وسط البلد، يشرب العصير، ويشاهد صور الأفلام أمام السينمات، ويتوقف الفيلم كثيرًا عند طريقة اختيار خان لأماكن التصوير.
وأهم من حضور المكان صورة الإنسان خان ببساطته، بلحظات مرحه، بعلاقاته مع أصدقائه، بسعادته الكبرى عندما حصل أخيرًا على وثيقة الجنسية المصرية، طفل كبير يعشق السينما، ويعّلمها من خلال أفلام يصنعها، غيرت مع جيله شكل الصناعة، وأضافت إليها أعمالًا ستعيش طويلًا.
مع نهاية الرحلة تظهر صور فوتوغرافية لجنازة خان، فتثير الحزن والأسى، من حيوية الصور المتحركة، أفلامًا وفيديوهات، إلى الصور الثابتة، يحقق الفيلم تأثيره العاطفى القوى، ولكن الصور فى الحالتين تحفظ السيرة والأفلام، لكل شىء نهاية نعم، ولكن السيرة والفن أطول من العمر، وها هو خان يعيش من جديد، سواء من خلال أفلامه الروائية، أو من خلال فيلم وثائقى مؤثر صنعه تلميذه.
أحسب أن فيلمًا واحدًا لا يكفى؛ لأن حياة خان كما ذكرت تحتمل زوايا كثيرة للرؤية، وتستحق أفلاما أخرى، تحكى عنه، وعن عالمه، وعن زمنه، وعن عشقه العارم للسينما وللأطياف المتحركة.

التعليقات