الأربعاء 21 نوفمبر 2018 4:53 ص القاهرة القاهرة 19.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

إشارة رضوى

نشر فى : الإثنين 8 ديسمبر 2014 - 8:35 ص | آخر تحديث : الإثنين 8 ديسمبر 2014 - 8:35 ص

الوضع يختلف، يختلف تماما، يختلف كل الاختلاف.

كان كل شىء أمامها مختلفا عما شاركت فيه على مدى عقود من إبداء اعتراض أو التزام ضمير.

لم تعد الاحتجاجات بالمئات فوق سلم نقابة أو فى باحة جامعة أو على جانب رصيف.

بعين الروائية تابعت حركة الحشود بعشرات ومئات الألوف فى الميادين والشوارع والأجيال الجديدة تعلن عن نفسها.

بقدر ما تبقى من طاقة احتمال شاركت فى تظاهرات ثورة لم تشهد بداياتها.

غالبت آلامها المبرحة بعد أن عادت للتو من العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث أجرت على التوالى فى أحد مستشفياتها ثلاث عمليات مزعجة فى الرأس بحثا عن أمل مراوغ فى حياة توشك أن تسدل ستائرها.. وذهبت إلى ميدان التحرير.

من هى؟

إنها «رضوى عاشور» التى لا تملك غير أن تكون فى المكان الذى يتسق مع اختياراتها وما تعتقد فيه، تجهر بما تهمس به وتتحمل بلا تردد التبعات والنتائج.

لم يكن بوسع أحد أن يمنعها و«هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا» على ما كتبت جملتها الأخيرة التى لم تكتب بعدها جملة أخرى.

بقدر صدقها فى رواية عذابات المرض العضال ونوبات البكاء فى لحظات الوجع فإنها حاولت بقدر ما تستطيع أن تحتفظ بشموخها حتى النهاية.

فى سيرتها الذاتية «أثقل من رضوى» أودعت شهادتها الأخيرة عن تجربتها فى أن تكون للحياة معنى ورهانها الأخير على أجيال الشباب، فهناك جيل ينسحب بحقائق الحياة وجيل جديد يبحث عن الحق فيها.

فكرتها عن الانحياز إلى المستقبل جوهرية فيما يشبه العقيدة الشخصية.

قبل رحلة المرض المضنية استشعرت شيئا من الاكتئاب عند مشاركتها فى احتجاجات عند رصيف الجامعة العربية غرب الميدان أو عند الساحة المعبدة لمدخل مجمع التحرير تهتف وتطالب.

لم تكن هناك وجوه شابة فى الاحتجاجات بقدر ما غلبت عليها شخصيات تنتمى إلى عصور سابقة.

«لو كنت اقرأ الغيب لعرفت أنه لا داعى للاكتئاب».

«أراجع الكلام: لم يكن هناك داع لقراءة الغيب بل مجرد القراءة».

هكذا كتبت وراجعت نفسها فى جملتين متتاليتين.

«كانت الحسبة بسيطة».

نعم.. بسيطة إلى حد أن أحدا لم يلتفت إليها وسط زخم «يناير» وما بعدها من تحولات مزلزلة لكنها عميقة إلى حد اكتشاف مساحات مجهولة وحقيقية.

بإضافة عشر سنوات إلى أعمار تلاميذ المدارس الذين خرجوا إلى الشوارع دعما للانتفاضة الفلسطينية الثانية فى نهايات سبتمبر عام (٢٠٠٠) تجعلهم شبابا فى مطلع العشرينيات «يخططون لمظاهرات كبيرة يفتحون بها الباب لمشاركة جموع الشعب، فتكون ثورة».

كانت تظاهرات تلاميذ المدارس لافتة حقا قبل أن يخفت ذكرها فى الخطاب العام.

الأجساد الصغيرة تشى أن أصحابها فى المرحلة الابتدائية أو ربما فى الصف الأول من المرحلة الإعدادية على ما سجلت «رضوى».

لأول مرة تؤول بطولة الغضب الشعبى إلى الأجيال الأصغر سنا التى بالكاد تفتح وعيها على ما يجرى حولها.

التظاهرات ملأت الشوارع الجانبية فى القاهرة بصورة غير مسبوقة منذ انتفاضة الخبز عام (١٩٧٧).

لم يكن بمقدور الأمن أن يواجه تظاهرات تخرج من كل حى وزقاق.

كان لافتا أن التلاميذ الغاضبين بحثوا عن كل ما يصلح أن يرسم عليه العلم الإسرائيلى ليحرقوه.

بأثر صورة الطفل الفلسطينى «محمد الدرة»، وهو يقتل عمدا على صدر أبيه برصاص إسرائيلى، بدت هناك حالة توحد، كأن الرصاص نفسه أطلق على كل طفل مصرى وانتزع حقه فى الحياة.

فى تلك اللحظة تجلت قوة الصور المنقولة عبر الفضائيات فى حشد المشاعر العامة على ذات القدر الذى تجلت فيه تاليا قوة شبكة التواصل الاجتماعى فى تداول الأفكار الجديدة التى تجسد روح الغضب.

الصور روت كل شىء بلا شرح وتلقين ونسفت فى لحظة ما حاولت أن تكرسه المناهج الدراسية فى الوعى العام للتلاميذ الصغار من أن «أكتوبر آخر الحروب» وأن لا شأن لنا بالقضية الفلسطينية..

فى تجربة التمرد الأولى تأكد أن شيئا جديدا يولد، يطل على العالم غاضبا.

روح عامة تنزع إلى الكرامة الإنسانية، إلى الحق فى الحياة كقيمة عليا.

ولم تكن مصادفة أن تتبدى هذه الروح فى أهداف «يناير».

بصورة ما فإن التداعى للتظاهر أخذ شكلا عفويا فى المرتين.

وكانت الأولى بروفة للثانية.

فى الركض بالشوارع فلا يلحق بهم جنود الأمن ولا عصيهم الغليظة استقرت خبرة ما فى الذاكرة.

وفى مواصلة الهتاف رغم الغاز المسيل للدموع تأكدت صلابة مبكرة وجدت تجليها الأكبر فى ميادين «يناير».

رأت «رضوى» ما لم يره غيرها رغم أنه واضح وحسبته بسيطة.

عين الروائى تؤرخ أحيانا لما قد يفوت السياسى وتذهب أبعد منه فى قراءة المستقبل.

هناك سياق للأحداث الكبرى يحكم حركتها ويفسرها.

وعندما تغيب حلقة ما من السياق قد تضطرب الرؤى بصورة فادحة.

«إشارة رضوى» إلى تظاهرات تلاميذ المدارس قبل عشر سنوات من «يناير» تقول إن هناك شيئا جديدا تحرك لكنه لم يولد من فراغ.

فالأجيال الجديدة لم تعلن عن نفسها فجأة، ولم تخرج من الهامش إلى المتن فى يوم وليلة، وتفاعلاتها الداخلية تراكمت على مدى عقد كامل دون عناية كبيرة من أحد.

وتقول إن خبرة التمرد تسبق تجربة التواصل الاجتماعى، ورغم أهمية الدور الذى لعبته الشبكة العنكبوتية فى الحشد والتعبئة إلا أن الفعل الثورى أكثر عمقا من أن ينسب إليها.

نحن أمام جيل اكتسب وعيه مطلع القرن الجديد، تأثر بحركة مجتمعه وغضب لمظالمه، تمرد مبكرا وأحبط كثيرا، اطلع على عالمه عبر وسائل الاتصالات الحديثة ورأى أن بلاده تستحق نظاما أفضل.

تأكدت فى يقينه قضية الحرية، وأيا كانت خشونة الإجراءات الأمنية فإنه يستحيل العودة للوراء.

هذا خيار انقضى أجله.. و«يناير» حقيقة كبرى لا يمكن تجاوزها لا الآن ولا فى المستقبل إلا أن يكون الثمن فادحا من اضطرابات سياسية.

الوضع يختلف، يختلف تماما، يختلف كل الاختلاف.. كما كتبت «إشارة رضوى».