الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 11:18 م القاهرة القاهرة 18.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

هل نحتاج فعلًا لتعديل وزارى؟

نشر فى : الإثنين 9 يناير 2017 - 10:15 م | آخر تحديث : الإثنين 9 يناير 2017 - 10:18 م
مع قدوم عام جديد، وتصاعد الشكوى من زيادة الأسعار، وارتفاع وتيرة النقد الإعلامى والبرلمانى لأداء الحكومة، فإن الأجواء تبدو مهيأة لتعديل وزارى جديد. قطار الشائعات انطلق بالفعل: التغيير محدود وسوف يقتصر على بضعة وزراء فقط ممن كان أداؤهم ضعيفا، بل إنه تغيير واسع وقد يطال رئيس الحكومة نفسه، بل لا تغيير أصلا وغاية الأمر تذكير الوزراء بأنهم محل متابعة مستمرة كى لا يركنوا إلى ثبات أوضاعهم واستقرار مراكزهم.

والموضوع فى كل الأحوال ليس بهذه البساطة لأنه وفقا للدستور (المادتان ١٤٧ و١٤٨) فإن قرار رئيس الجمهورية بإعفاء الحكومة يحتاج إلى موافقة أغلبية مجلس النواب، كما أن تشكيل حكومة جديدة يقتضى عرض برنامجها مرة أخرى على المجلس والحصول على ذات الأغلبية، أما إجراء تعديل وزارى محدود فيحتاج لموافقة ثلث الأعضاء على الأقل. ومع أن موافقة المجلس ليست فى حد ذاتها عقبة تذكر، إلا أن الأمر يحتاج إلى وقت وجهد يحتمان التفكير بجدية قبل إجراء أى تغيير.

ومع ذلك فإن الشائعات والتوقعات التى تملأ البلد حول التعديل المرتقب تبعدنا، فى تقديرى الخاص، عن مناقشة الموضوع الأكثر أهمية، وهو ما اذا كانت الحكومة ــ أية حكومة ــ تتمتع فى ظل الأوضاع الراهنة بالسلطات والصلاحيات الكافية التى تمكنها من القيام بعملها بكفاءة، وتجعلها فى الوقت نفسه مسئولة أمام الرأى العام.

وفقا للدستور فإن رئيس الدولة هو رئيس السلطة التنفيذية (مادة ١٣٩)، ولكن يشترك معه مجلس الوزراء فى وضع السياسة العامة للدولة ويشرفان معا على تنفيذها (مادة ١٥٠). والحكومة هى الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة (مادة ١٦٣)، وهى المختصة بالمحافظة على أمن الوطن وحماية حقوق المواطنين ومصالح الدولة (مادة ١٦٧). والدستور بذلك يقيم توازنا جيدا بين الرئاسة والحكومة، كما يجعل البرلمان رقيبا على السلطة التنفيذية. ولعلنا نتذكر أن أحد أوجه النقد التى وجهت للدستور الجديد أنه منح الحكومة سلطات واستقلالا لم يكن متوافرا فى دستور ١٩٧١.

ولكن هل هذا ما يجرى فى الواقع؟ لا أظن، بل الواضح أن السلطة التنفيذية واقعة فعليا فى يد رئاسة الجمهورية، وأن الحكومة ليست شريكا فاعلا فى وضع سياسة الدولة، بل يقتصر دورها على التنفيذ العملى. أما عن الرقابة على أداء الحكومة، فلا يمارسها البرلمان حقيقة، بل تقوم بها الأجهزة الأمنية والرقابية التى تخاطب بدورها رئاسة الجمهورية مباشرة.

ولكن ماذا فى ذلك؟ وما ضرر أن تكون سلطات الوزارة محدودة ودورها مجرد تنفيذ السياسة التى تضعها الرئاسة؟ أليس رئيس الجمهورية هو المنتخب من الشعب وهو رأس السلطة التنفيذية؟ الإجابة فى ظنى أن لهذا الوضع عواقب عملية سلبية تتجاوز الجدل الدستورى. فعلى الرغم من أن رئيس الجمهورية يقف بالفعل على قمة السلطة التنفيذية ويختار حكومته لكى تطبق سياساته، إلا أن تراجع دور الحكومة وتقلص صلاحياتها يفقدها القدرة على التفكير للمدى الطويل وعلى تحقيق التنسيق والتكامل بين وزارات الدولة وأجهزتها وهيئاتها العامة، وعلى الاستجابة السريعة للأحداث والأزمات الجارية.
وفى تقديرى أن هذا هو مصدر ما يلمسه الناس من ضعف الأداء الحكومى. والمتابع لأزمات اللبن المجفف، والقمح المستورد، والأسمدة، والسكر، والأدوية، وغيرها سوف يلاحظ أن وراءها جميعا قاسم واحد مشترك، وهو التأخر فى التعامل مع مشكلة متوقعة ومعروفة الآثار، والتردد فى اتخاذ القرار الحاسم بشأنها، ثم انفراجها فقط حينما تأتى التعليمات العليا من الرئاسة أو تتدخل القوات المسلحة لتوفير ما نقص وبناء ما انهدم. وبينما تنطلق الآلة الإعلامية الجبارة فى انتقاد الحكومة المدنية ورئيسها وزرائها وسياساتهم، واتهامهم بالفشل والتقاعس عن تحمل المسئولية، ثم المطالبة بتغييرهم، فإن الواقع الذى يتجاهله الإعلام أنهم لا يملكون سوى التحرك فى مساحات ضيقة مما جرى الموافقة عليه أو استحسانه، مع تحملهم وحدهم لكامل المسئولية عن أى خطأ أو قصور ولو كان تنفيذا لتعليمات عليا.

ما سبق ليس انتقادا لشخص رئيس الوزراء الحالى، ولا أظن أن بإمكان المهندس/ شريف اسماعيل بذل المزيد من الجهد والتضحية والاخلاص فى العمل بأكثر مما قدمه ويقدمه بالفعل. ولكن القضية هى ضرورة أن يكون التغيير فى السياسات وفى أسلوب إدارة البلد وليس فى الأشخاص. وهذا أمر لا يتعلق بالوزراء فقط وإنما أيضا ــ وربما بدرجة أكبر ــ بالمحافظين، ورؤساء الهيئات العامة، ومديرى الإدارات بالمحافظات، وبكل من بيده سلطة على الورق دون أدوات أو موارد أو صلاحيات كافية لممارستها.

ما يحتاجه البلد ــ قبل التفكير فى تغيير وزارى جديد ــ هو تغيير جذرى فى علاقة الحكومة بالرئاسة، ومشاركة الوزراء فى وضع السياسات والبرامج وتحديد أولويات الانفاق العام، وتمكينهم من السلطات والصلاحيات التى نص عليها الدستور، ومنحهم مساحة تقديرية يتحركون فيها بحرية واستقلال كى يمكن محاسبتهم بعد ذلك حسابا عادلا.

أما فى ظل الوضع الراهن فلا أظن أن تغيير الحكومة يكون نافعا فى حد ذاته ولا ضارا، بل مجرد استهلاك لمزيد من الوجوه ومحاولة لارضاء الرأى العام، الذى قد يقبل مرة أو مرتين إلقاء اللوم على الحكومة، ولكن أن عاجلا أم عاجلا سوف يدرك أن المشكلة أكبر من ذلك وأن التغيير المطلوب هو فى أسلوب إدارة البلد وليس فيمن يمارسون هذه الإدارة.

 

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.