السبت 16 فبراير 2019 2:21 ص القاهرة القاهرة 12.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى بصمات لاسارتي بدأت تنعكس بالإيجاب على أداء النادي الأهلي؟

متى تبدأ حياتك؟

نشر فى : السبت 9 فبراير 2019 - 9:30 م | آخر تحديث : السبت 9 فبراير 2019 - 9:30 م

رفعت رأسي من الماء فرأيته على بعد خطوات. جسم كروي يعلوه رأس ناتئ. ابتسامة محببة تحيط بها لحية كثة. ينادونه بالشيخ سامر. رجل تجاوز الثلاثين يتدرب في نفس مجموعتي على السباحة. عدت للتدريب على ضربات الرجلين ثم توقفت لالتقاط أنفاسي. احتجب نور المصباح الليلي وغمرني ظل واسع. رفعت رأسي فوجدت الشيخ سامر طافيا بالقرب مني يتطلع باستغراب:

- حضرتك هنا ليه؟
- هيكون ليه؟ عاوز اتعلم سباحة.
- أول مرة؟
- لأ بس كنت غايب أسبوعين.
- معلش... لا تيأس...
- أنا شكلي يائس؟!

تجاهل ردي ورفع صوته مناديا المدرب: كابتن.. ممكن اتشقلب في الميه؟
- اتشقلب.

أحكمت وضع نظارة السباحة. تسلل ضوء الكشاف الليلي من بين ساقيه. ابتعدت فلحقني.
- حضرتك عندك كام سنة؟
- ستة وخمسين.
- علشان كده.. دي مشكلة السن.
- ....!!!
قالها وتشقلب. غمر الماء أذنيه فلم يسمع ردي... لحسن الحظ!

سألت نفسي: لماذا استغربني الرجل؟ نظرت حولي فعرفت الإجابة. لم يكن في التدريب سوى شابين أو ثلاثة لا يتجاوز عمرهم العشرين. جاءوا لتعلم السباحة بغرض اجتياز اختبارات الالتحاق بكليات الجيش والشرطة. أما الغالبية فكانوا أطفالا بين سني العاشرة والرابعة! الشيخ سامر هو الأكبر سنا، بعدي، ولكني عرفت أنه التحق بالتدريب ليتجنب ملل انتظار طفله الذي يتعلم في الوقت نفسه. كنت استثناء وحيدا لأنني ذهبت لسبب نادر. استثناء لأنني لا أنتوي الالتحاق بالشرطة ولأن سني يزيد على العاشرة!

تذكرت حوارا دار مع صديق منذ أيام. "انت لسه مش فاهم الدنيا هنا. الناس في مصر ما تعرفش الاستمتاع بالحياة. يعرفوا الوظيفة وبس ومحدش عاوز يسيب كرسيه. مفيش موظف عايز يطلع معاش. ولو طلع بيدور على طريقة للاستمرار بأي شكل. فيه مهنة أصحابها عندهم نفوذ مدوا سن التقاعد لاتنين وستين، وبعدين اربعة وستين، وبعدين سبعة وستين ودخلوا معركة مع الدولة علشان يعملوه سبعين سنة. الواحد منهم بيبقى بينام على روحه من التعب بحكم السن لكن برضه مش عاوز يسيب الكرسي. البديل الوحيد اللي يعرفوه بعد المعاش هو قعدة القهوة ودي حاجة مش عاوزينها. احنا مش بنفكر زي الخواجات اللي عاوزين يتقاعدوا بدري علشان يستمتعوا".

مرت بذهني تعليقات ساخرة قرأتها على مقطع فيديو لعجوز ارتدت ملابس "شبابية"، وتزينت ووضعت وردة في شعرها وانهمكت في الرقص. وصفوها بأنها شمطاء ومتصابية. واستنكر كثيرون ما تفعله لإن "لكل سن مقامه".

لماذا لا نترك للناس للناس خيار الاستمتاع بالحياة كيفما يرغبون؟ بل لماذا لا نشجعهم على ذلك؟

شخصيا لم أعرف أكثر معاني الحياة إلا بعد الخمسين. بعدها عدت للكتابة، وجلست مع من هم أصغر من نصف عمري لاستعادة مهارة الرسم. أخذت دروسا في الرقص واجتهدت في تعلم الموسيقى. عرفت من الحب وعن الحب ما لم يكن في خيالي قبلها بعقود. بدأت في تعلم الإسبانية وقطعت في الحديث بها شوطا لا بأس به ولا يزال أمامي كثير مما أرغب في تعلمه.

يحتفي كثيرون بعبارة تقول إن الحياة تبدأ بعد الخمسين أو الستين أو السبعين. أختلف معهم.
لا تبدأ الحياة في سن بعينها. هي تبدأ عندما تدرك حلاوتها وعندما تبدأ في استعادة شغفك الذي طمسته السنون وقلة اعتنائك بروحك.
الحياة تبدأ عندما تقرر أنت أن تستمتع بها.

رفعت رأسي لالتقط أنفاسي. أتاني صوت الشيخ سامر:
"ما تيأسش. أنا أعرف واحد عنده سبعين سنة لكن تشوفه تقول ده عنده تمانين! الدهن في العتاقي".

قالها ثم عاد للشقلبة!

التعليقات