الخميس 14 ديسمبر 2017 11:56 ص القاهرة القاهرة 18.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

إعلان الأحكام العرفية وإجراءات عاجلة للحفاظ على الثورة وقبلها على الوطن

نشر فى : الإثنين 9 مايو 2011 - 8:47 ص | آخر تحديث : الإثنين 9 مايو 2011 - 8:47 ص
دخلت الأوضاع السياسية والأمنية والطائفية فى مصر إلى منحنى خطير للغاية بأحداث الصدام الطائفى التى وقعت فى إمبابة أمس الأول وأوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى من المسيحيين والمسلمين وإحراق كنيستين وتدمير العديد من الممتلكات العامة والخاصة.

والخطورة تنبع من أكثر من زاوية، الأولى هى دخول قضية التحول الدينى لبعض المسيحيين والمسيحيات إلى منبع متجدد شبه يومى للإشاعات والصدامات بين طوائف مختلفة من المسلمين والمسيحيين، بغض النظر عن حقيقة كل واقعة منها وظروفها الخاصة. والزاوية الثانية هى استمرار اتخاذ الكنيسة بصورة رسمية أو شبه رسمية موقف الطرف المؤسسى والمباشر فى تناول قضايا التحول الدينى، بينما ظهر على الجانب الآخر المسلم طرف جديد يتخذ مواقف جماعية ويقيم هياكل تنظيمية وقانونية له لينصب نفسه مدافعا عمن يعتقد أنهم أجبروا على البقاء أو العودة للمسيحية بعد إسلامهم وهو عدد كبير من المنتمين للحركة السلفية الجديدة وبخاصة الشباب منهم.

أما الزاوية الثالثة فهى ذلك العنف المادى الآخذ فى التزايد من جانب الطرفين وبخاصة من الشباب السلفى، فضلا عن صور أخرى من العنف اللفظى والتصرفات والتصريحات المستفزة التى تصدر بصور متتالية فى معظم أجهزة الإعلام، ذلك غير ما يجرى فى الأماكن الدينية المغلقة. ورابعة هذه الزوايا هى ما أوردته بعض الأنباء بعد أحداث إمبابة من أن مجموعة قليلة من الشباب المسيحى قد تظاهر أمام السفارة الأمريكية، طالبا الحماية الدولية للمسيحيين فى مصر من الاعتداءات التى تقع عليهم. أما الزاوية الخامسة فهى وكما تؤكد مؤشرات كثيرة دخول أطراف مجهولة وإجرامية على ملف الصدامات الطائفية وقيامها، كما تشير أحداث إمبابة حتى الآن، باستخدام العنف والأسلحة النارية والبيضاء من أجل دفع الطرفين المسيحى والمسلم للصدام الواسع الدموى.

إن مجمل هذه الزوايا تأتى خطورته الشديدة ليس فقط من حساسية الأوضاع الطائفية بين المسلمين والمسيحيين وتأثيراتها الأكثر خطورة على وحدة المجتمع المصرى، ولكنها تزداد نظرا للأوضاع الشديدة الحرج التى تمر بها البلاد فى المرحلة الحالية من ثورتها العظيمة.

فالأحداث الطائفية العنيفة تضيف اختلالا جديدا وأكثر خطورة للأوضاع الأمنية المهتزة والخطرة والتى باتت اليوم هى الهاجس الأول لعموم المصريين فى مختلف أنحاء البلاد، بما يضع الكثيرين منهم أمام شكوك حقيقية تتزايد بدورها فى جدوى الثورة بالنسبة لهم ومدى قدرتها على استكمال مراحلها الرئيسية. وتأتى هذه الأحداث الطائفية سواء بحكم طبيعتها الخطرة على النسيج الوطنى واستقراره أو بحكم تأثيراتها الشديدة السلبية على الوضع الأمنى لتدفع الأوضاع الاقتصادية فى البلاد إلى مزيد من التدهور أكثر مما هى عليه، الأمر الذى سيؤدى فى حالة استمراره إلى تدهور جديد أخطر فى الأوضاع الأمنية تحت وطأة الحاجة والفقر المتوقع اتساعهما، ليشملا الفئات الاجتماعية الأفقر والأكثر هامشية بما قد يدفع ببعض من أبنائها إلى ساحة العنف والجريمة. والحصيلة التى تبدو منطقية وطبيعية فى ظل سير الأوضاع الطائفية والأمنية والاقتصادية فى هذا المسار المتزايد الخطورة، هى أن تفشل الثورة المصرية العظيمة فى استكمال مراحلها وأن تنقض عليها قوى الثورة المضادة وإحباطات عموم المصريين، مفسحة الطريق أمام النظام السابق وبقاياه للعودة لحكم البلاد، مستغلين حاجة المصريين الماسة للأمن والاستقرار وكسب قوت يومهم.

إن هذه الزوايا جميعا تفرض اليوم مسئوليات عديدة على كل فئات المصريين من نخب وجماهير وحكومة وإدارة عسكرية، لابد من الشروع فورا فى القيام بها بدون إبطاء، لأن الأوضاع آخذة فى التدهور السريع الذى لا تحمد عقباه. ولعله ليس هناك من مطلب من النخب والجماهير المصرية إلا أن تكون على قدر المسئولية والحب لوطنها الذى أسهمت جميعا فى تحريره للمرة الأولى فى تاريخه الحديث بهذه الثورة غير المسبوقة والتى إذا تم الحفاظ عليها وإنجاحها فسوف يؤرخ لها باعتبارها أهم ثورات العالم فى تاريخه الحديث كله. وبالتأكيد يعلم ويشعر كل المصريين من نخب وجماهير أن مستقبلهم القريب ومستقبل أولادهم وأسرهم البعيد يستحق منهم اليوم وعيا أكثر وحرصا أكبر على تفويت الفرص على كل القوى المضادة والقصيرة النظر التى تريد أن تضيع الوطن الحبيب والثورة العظيمة مقابل أن تسترد مواطنة أو مواطنا غير دينه، وهى لن تضيف أو يضيف إلى الدين الجديد شيئا ولن تنقص أو ينقص من الدين الجديد شيئا.

إن المصريين جميعا من مسلمين ومسيحيين بحاجة اليوم لإعادة تذكر ما يعيشونه جميعا يوميا من معاناة وأحوال متردية من جراء حكم النظام السابق، فهم معا مرضى بالكبد والكلى والسرطانات وهم جميعا يلهثون وراء الحد الأدنى للمعيشة بعد أن اجتاح الفقر 40% منهم غير مفرق بين مسلم ومسيحى وهم جميعا يعانون سوء التعليم والخدمات الأولية والمستقبل المظلم أمام أولادهم سواء فى العمل أو الزواج.

أما الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة فعليهما مسئوليات أكبر وأكثر سرعة فى الاتخاذ، و يجب ألا أن تتأخر أكثر مما تأخرت حتى لا ينفلت الوضع أكثر مما هو منفلت اليوم. وأول هذه الإجراءات وأهمها هو إعلان الأحكام العرفية، أى تطبيق قانون الأحكام العسكرية، على كل الجرائم والمخالفات التى تتعلق بالقانون والحق العام دون أن تنسحب على الحقوق والممارسات ذات الطابع السياسى سواء الفردية أو الجماعية، مع إلغاء تطبيق قانون الطوارئ فى نفس الوقت. ولعل أى تحجج برفض إعلان هذه الأحكام بحقوق الإنسان يجد الرد البسيط عليه فى أن الحق الأول للإنسان وهو حق الحياة هو الذى بات مهددا اليوم سواء بفعل جرائم البلطجة أو جرائم الصدام الطائفى، فضلا عن أن الحقوق الأخرى للمصريين سواء السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية التى ينتظرونها من ثورتهم العظيمة تبدو مهددة بالضياع الكامل إذا لم تتم المحافظة على هذه الثورة وحمايتها. ولعل انتخابات البرلمان والرئاسة المقبلة والمقررة خلال شهور قليلة وكذلك الاستفتاء حول دستور البلاد الجديد ستكون فى ظل استمرار هذه الأوضاع الأمنية والاقتصادية والطائفية المتردية إما غير ممكنة الإجراء أو أن تتم فى ظل سيطرة العصابات والمجموعات الإجرامية التى ستطيح بأى إرادة حرة للناخبين المصريين ومعها كل حقوقهم الأساسية التى تاقوا طويلا إليها.

كذلك فإن إعادة نشر مزيد من القوات المسلحة فى المناطق الأمنية الحساسة تبدو اليوم ضرورة لا مهرب منها، وهى على الرغم مما تضيفه من أعباء على القوات المسلحة فهى تبدو الحل الوحيد لمواجهة التدهور الأمنى. وفى هذا السياق يقترح أن تقام نقاط ثابتة وحولها دوريات متحركة من رجال القوات المسلحة بداخل وجانب كل أقسام ومراكز الشرطة للتعاون معها فى إقرار الأمن ومواجهة التجاوزات والجرائم. ويقترح هنا الاستعانة أيضا بتشكيلات العمليات الخاصة التابعة لقوات الأمن المركزى وقوات الأمن فى حفظ الأمن بالمناطق والأماكن الحساسة، على أن يعود هؤلاء إلى زيهم العسكرى التابع للقوات المسلحة الذين هم جزء منها وأن يشترك فى توجيههم وقيادتهم ضباط منها. كذلك فمن الضرورى أن تقوم القوات المسلحة بتوزيع تسجيلات مصورة للمحاكمات العسكرية التى تتم للعناصر الإجرامية على مختلف محطات التليفزيون العامة والخاصة لإذاعتها يوميا وتعريف المواطنين بمصير الخروج على القانون.

ولاشك أن هناك عشرات الإجراءات والسياسات الأخرى على الصعيد الأمنى أو الدينى التى يمكن اقتراحها والأخذ بها فورا قبل تدهور الأوضاع أكثر ما هى عليه اليوم، إلا أن العنوان العريض لها يجب أن يكون هو الحزم الكافى والإرادة المعلنة من جانب المجلس العسكرى والحكومة من أجل الحفاظ ليس فقط على ثورتنا العظيمة بل وأيضا بلادنا الأعظم والأحب والتى تتهددها مخاطر هائلة يستحق مواجهتها الضرب بقوة على كل الأيدى التى تسعى لذلك بعمد وتخطيط أو بحسن نية أيا كان شكلها.

 

ضياء رشوان  كاتب مصري وباحث في شئون الجماعات الإسلامية
التعليقات