الجمعة 21 سبتمبر 2018 5:10 ص القاهرة القاهرة 24.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

نهاية «جريجور سامسا»

نشر فى : الإثنين 9 يوليو 2018 - 10:45 م | آخر تحديث : الإثنين 9 يوليو 2018 - 10:45 م

لم تكن رواية «المسخ» رائعة الروائى الألمانى «فرانز كافكا» التى أحدثت انقلابا فى عالم الرواية القصيرة بداية القرن العشرين محض خيال بغرض الإمتاع، بل إن صدمة القارئ بتحول بطل الرواية التاجر «جريجور سامسا» إلى مسخ دميم سرعان ما تزول لتنشأ مشاعر مختلطة من القلق والخوف أن تستيقظ يوما فتجد نفسك قد تحولت إلى شىء آخر، ليس بالضرورة إلى تلك الحشرة البشعة التى تمضى بك صفحات من الرواية فى محاولة يائسة لتنقلب على الفراش أو تتحرك فى الغرفة أو تحاول عبثا أن تكشف لأهلها عن هويتها الحقيقية... لكن حسبك أن ترقب نهارا لا تقوى فيه على قول الحق، أو فعل الخير، أو معاشرة الناس... حسبك أن يملكك المنصب أو تخدعك الدنيا أو يغلبك الوهن والاكتئاب وقهر الرجال. الخوف من التحول إلى ما تكره عادة ما يهاجمك فى مرحلة عمرية معينة وهى منتصف العمر، لكن العجيب أنه يداهمك بعد أن تنتظم حياتك فى رتابة مملة لا متعة فيها، فتحملك الفطرة على توقى التغيير البغيض بعد الانتظام فى دائرة العبث والإملال.
بعيدا عن محاضرات التنمية البشرية، ونداءات المنطق البسيط والساذج أحيانا بكونك «لست شجرة» ومن ثم عليك أن تسافر وتغير من واقعك! فإنك لست معصوما من نهاية «سامسا». قد تغدو ذات صباح غير راضٍ عن حياتك، وعما أحرزت فى دراستك وعملك وبيتك الذى بنيت، تكتشف أنك بعد سنوات من الجد والاجتهاد لم تضع لنفسك سوى أهداف تافهة أو منتحلة. لكن الأخطر من ذاك المصير، هو ألا تدرك أبدا أنك صرت مسخا ينفر منه الناس، أنك تحولت بالكامل إلى نموذج بشع تعافه النفس السليمة، ولما تستيقظ من نومك أبدا على ذلك الواقع المرير. إذا كان «جريجور سامسا» قد وضع بنفسه نهاية لحياته بعد أن شعر أنه صار عبئا على غيره، وأنه لن يعود إلى سابق عهده بشرا سويا، فلا أراك الله مسخا يقتات على كراهية الناس ونفورهم، ولا يجد حرجا من صورته القبيحة ورائحته التى تزكم الأنوف.
***
كثرت المسوخ فى شوارعنا ودواويننا، وصارت حوادث ضبط الفساد خبرا يوميا عاديا فى صحفنا، أبطاله يملكون المنصب والمال، ولا يجدون فى أنفسهم حرجا مما اكتسبوا. الفساد يلتبس ويقنن أحيانا، لكنه أبدا لا يجتذب إلا ضعاف النفوس، الذين لم يشبعوا فى بيوت آبائهم ولم يعرفوا الحلال والحرام صغارا.
الفساد يهدر مليارات الجنيهات على الدولة، الرشاوى والإتاوات التى يحصل عليها الموظف العام هى ببساطة نسبة صغيرة من رسوم ومستحقات كان ينبغى عليه أن يجمعها لخزينة الدولة. كذلك فإن الأثر غير المباشر للفساد المالى والإدارى يعظم إلى درجة يصعب معها التقدير. هب أن موظفا أو قل مسخا قد حصل على رشوة حتى يغض الطرف عن مخالفة بناء تزهق معها أرواح السكان، أو تجرف بها الأرض الزراعية، أو يُتعدى بها على مياه النيل.. التداعيات السلبية لهذا السلوك البغيض تستعصى على التقدير.
لكن تعايش المسوخ سويا فيما يحسبونه سلاما ودعة، وتعارفهم على الرشى والفساد بمختلف صوره تحت مسميات وأغطية يخدرون بها ضمائرهم أو ما بقى منها، قد أنشأ واقعا شائها موازيا لم يرصده «كافكا» فى روايته. ذلك التعايش الشاذ من شأنه أن يجعل من يقظة «جريجور سامسا» وانتباهه إلى سوءاته أمرا مستحيلا، إذ كيف ينتبه المرء إلى صورته السيئة ورائحته الكريهة إن كان مجتمعه المحيط يستحسن تلك الصورة وهذه الرائحة؟! إن هذا لهو الخطر الداهم على أمن الوطن وسلامته، ولا أمل تكرار الإشادة بجهود هيئة الرقابة الإدارية فى مكافحة الفساد وضربه حيثما وجد وأينما استشرى وانتشر.
***
لكن هذا المقال يمضى بك أيها القارئ الكريم إلى ما بعد الملاحظة والإشادة، ويقرع بابا سبق أن طرقناه برقة فى مقال سابق العام الماضى، تناولت خلاله جهود هيئة الرقابة الإدارية، وأهمية الرقابة الوقائية وما تشتمل عليه فى لغة إدارة المخاطر من تدابير مانعة preventive controls. فى المقال السابق أكدت أنه وبخلاف ما يظنه الكثيرون فإن الرقابة الإدارية تعير اهتماما كبيرا بالرقابة الوقائية، وتخصص لها إدارة مستقلة ونشيطة يعمل بها رجال أكفاء. واليوم أريد أن أؤكد على أن التدابير المانعة للفساد يجب أن تذهب إلى أبعد من وضع المعايير الشفافة لاختيار القيادات، ومحاولة رصد أداء الموظف العام عبر وسائل متطورة وديناميكية.. فالشاهد أن تعدد حوادث ضبط الفساد التى تعكس نسبة بسيطة فقط من الفساد المستشرى، ترسل بالعديد من الرسائل المقلقة إلى جانب رسائل الردع الإيجابية. فدولاب العمل فى كثير من الهيئات يوفر بيئة خصبة لنمو الفساد، ولإفساد العناصر الجديدة بصورة روتينية! غياب آلية لإدارة المخاطر فى الجهاز الإدارى للدولة يمنح سلطات استثنائية للفرد مقابل المؤسسة، وتلك السلطات المطلقة مفسدة مطلقة، تمنح ضعاف النفوس الحق فى وضع تسعيرة لخدماتهم التى يحتالون بها على أنظمة العمل، واللوائح المنظمة تسمح بهذا. من الرسائل المقلقة لتعدد عمليات كشف الفساد ما يبرر انتشار سياسة الأيادى المرتعشة، والعزوف عن تولى المنصب العام، وللأسف فلا ترتعش إلا أيادى من لم يتحولوا إلى مسوخ بشكل كامل، ولا يعزف عن تولى المنصب العام فى غالب الأحوال إلا صاحب مهارة وكفاءة يؤثر السلامة ويتقى الشبهات، ولا يجد نفسه كفؤا لتحدى منظومة فاسدة، إدراكا منه لكون تلك المنظومة تنتصر على الفرد المكافح لها فى كل مرة.
لا يعنى ذلك بالقطع أن نتوقف عن ضبط الفساد حرصا على الصورة التى نرسمها للمجتمع! ولكن سرعة مراجعة الإطار التشريعى والتنظيمى الحاكم لعمل المؤسسات الحكومية بات أمرا لازما، بل وضرورة الوقف الفورى لعمليات التعديل «الجزئى» للتشريعات المنظمة لتلك المؤسسات، وتنظيمها بحيث لا تحمل فى طياتها شبهة تقنين الفساد وتفصيل الامتيازات، وتشريع أدوات الانتقام وتصفية الحسابات، التى احترفها بعض المسئولين حالما يعتلون منصبا يمكنهم من اقتراح التعديلات التشريعية وإصدار اللوائح.
المجتمع الموازى الذى نشأ عن تراكم الفساد فى عدد من المؤسسات والهيئات، يستلزم وقفة صارمة تفوق فى شمولها أعمال الضبط والإيقاف المحمودة لمسوخ الفساد التى تتصدر أنباؤها منافذنا الإعلامية. الإصلاح الإدارى الذى تضطلع به وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى، يجب أن يقوم على الفور بتعميم منظومة شاملة لإدارة المخاطر المؤسسية، تعتبر فى ذاتها مشروعا قوميا لا غنى عنه لإتمام عمليات الإصلاح.
إذا كان «جريجور سامسا» ضحية حدث ميتافيزيقى لا يعرف كيف بدأ وما سببه وكيف ينتهى، فإن الضحية الحقيقية لمسوخ الفساد فى مصر هو شعب مصر الذى يخشى أن تنتشر العدوى فتصبح طاعونا لا قاهر له.
رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية

الاقتباس
كثرت المسوخ فى شوارعنا ودواويننا، وصارت حوادث ضبط الفساد خبرا يوميا عاديا فى صحفنا، أبطاله يملكون المنصب والمال، ولا يجدون فى أنفسهم حرجا مما اكتسبوا. الفساد يلتبس ويقنن أحيانا، لكنه أبدا لا يجتذب إلا ضعاف النفوس، الذين لم يشبعوا فى بيوت آبائهم ولم يعرفوا الحلال والحرام صغارا.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات