الأربعاء 14 نوفمبر 2018 10:42 م القاهرة القاهرة 18.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

المخاض الصعب للتعيين فى المناصب الحكومية

نشر فى : الثلاثاء 9 أغسطس 2011 - 9:03 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 9 أغسطس 2011 - 9:03 ص

 التعيين فى المناصب الحكومية الكبرى فى مصر كان دائما ــ وعبر كل العهود ــ من المعضلات الكبرى. فالاختيارات كانت عادة ما تعتمد على المعرفة والولاء وأحيانا الصدفة بأكثر مما تعتمد على الكفاءة أو الصلاحية للمنصب، والمعايير لم تكن فى أى وقت واضحة، لا فى التعيين ولا فى العزل من المنصب العام. هذا ليس بجديد فى الساحة المصرية. ولكن تجربة تعيين وزراء حكومة د. عصام شرف الثانية، ومن بعدها تغيير المحافظين للمرة الثانية أظهرت أن هذه المعضلة ــ بدلا من أن تكون فى سبيلها للتحسن فى ظل مناخ سياسى جديد ــ فإنها قد زادت تعقيدا إلى حد يجعل اختيار الوزراء والمحافظين عملية شبه مستحيلة، كما أن التغييرات الكثيرة والمتعاقبة فيها لا تسمح بتطبيق سياسات متسقة ومستمرة.

ما يقال عن صعوبة اختيار من يشغلون المناصب العامة لعدم وجود أسماء مناسبة كلام مؤسف وغير معقول فى بلد به ــ دون مبالغة ــ مئات ممن يصلحون لمناصب وزارية وآلاف ممن هم جديرون بشغل مختلف المواقع العامة. القضية الحقيقية هى غياب المعايير والضوابط التى يمكن الارتكان عليها فى اختيار شاغلى المناصب العامة الكبرى، ثم الأخطر من ذلك هو غياب معايير استبعادهم حينما تدور عليهم الدائرة، فيكون خروجهم من العمل العام لغزا أكبر من دخولهم. وفى تقديرى أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية جعلت الاختيارات الأخيرة تتعثر وتشبه عملية المخاض الصعبة.

السبب الأول هو رفض الحكومة إنشاء نظام قانونى محكم لمنع تعارض مصالح المسئولين. وهكذا انتقلنا من وضع قديم ومعيب اعتبر فيه رجل الأعمال أفضل من يتولى المنصب الوزارى إلى وضع لا يقل عيبا ينظر فيه إلى كل من لديه مصالح تجارية خاصة على أنه بالضرورة يسعى للمنصب العام لتحقيق مكاسب ومنافع شخصية غير مشروعة. الانتقال من نقيض إلى آخر بنفس الحماس وذات اليقين سببه غياب ضوابط وقوانين ونظم موجودة فى كل بلاد العالم تحدد ما يجوز للمسئول الحكومى وما يحظر عليه القيام به بشكل واضح وقاطع ولا يترك مساحة للتقدير والاجتهاد. من يقبل بالعمل الوزارى أو بغيره من المناصب العامة يكون عليه الالتزام بقواعد الفصل بين مصالحه الخاصة وبين مقتضيات عمله وفقا لضوابط واضحة، إن خالفها بعد ذلك كان مرتكبا لجرائم لا تدع مجالا للتأويل والنظر. ومع ذلك، فلم نسمع أن الحكومة قد اتخذت أى إجراء حتى الآن لوضع نظام قانونى يحقق ذلك برغم تكرار هذا المطلب من الأحزاب والقوى السياسية المختلفة ومن معلقين وكتاب لكى لا تتكرر مشكلة تعارض المصالح أو ما يسمى بتزاوج السلطة والمال. وحتى يتحقق ذلك، فإن كل تعيين فى المناصب العامة سوف يظل محفوفا بالغموض، مليئا بالمفاجآت، محققا فى النهاية لنتائج غير مرضية، لأن الضوابط غير واضحة.

أما السبب الثانى فهو استمرار الحديث عن تطهير أجهزة الدولة من فلول النظام دون تحديد المقصود بذلك على أى نحو من الدقة، الأمر الذى يهدد باستمرار حالة القلق فى الدوائر الحكومية وباستمرار الشلل الإدارى وكذلك استمرار سيل البلاغات ــ الحقيقى منها والكيدى ــ والتى تهدف أحيانا لتصفية الحسابات أكثر مما تحقق الصالح العام. وهكذا أعلنت الحكومة عن تطهير شامل فى أجهزة الدولة، ثم تراجعت عنه لغياب معايير متفق عليها. ثم طرحت حلا يتمثل فى إعادة تفعيل قانون الغدر الذى اعترض عليه المجتمع القانونى والمدنى باعتباره يمثل رجوعا عن مكاسب المجتمع فى العدالة والحقوق الشخصية وردة لعالم القوانين الاستثنائية التى تعتمد على جرائم غير محددة وعقوبات غير متناسبة. والنتيجة أن اعتبار كل مرشح لمنصب حكومى من الفلول إلى أن تثبت براءته سوف يظل سيفا معلقا على رقاب كثير ممن لديهم القدرة والكفاءة لتولى مناصب عامة، وأن الاختيارات سوف تظل تتعثر حتى يتضح بجلاء المقصود بتطهير الجهاز الإدارى للدولة وتكون هناك معايير يقبلها المجتمع لمن يجوز لهم تولى المناصب العامة.

وأخيرا فإن السبب الثالث هو غياب المعايير والشفافية فيما يتعلق بعزل شاغلى المناصب العامة. الحركة الثانية/الثالثة للمحافظين التى حدثت فى الأسبوع الماضى تؤكد ذلك. فأسباب استبعاد بعض المحافظين السابقين لم تكن واضحة، ومعايير تعيين محافظين جدد أقل وضوحا. إذا كان المعيار هو الكفاءة، فكيف يستبعد محافظون لم يمض على شغلهم لموقعهم سوى أسابيع قليلة ولم يختبروا؟ وإن كان رضاء الجماهير هو الأساس، فبعض من استبعدوا كانوا مقبولين فى مواقعهم من الناس. وإن كان الخلو من شبهة التعامل مع النظام السابق (الفلول)، فالمجتمع بحاجة لمعرفة المعايير التى يعتبر المستبعدون من المناصب العامة ممن ينطبق عليهم هذا الوصف. إذا كان من حق المجتمع أن يعلم معايير تعيين المسئولين الحكوميين فى مناصبهم، فمن حقه من باب أولى وبقدر أكبر أن يفهم أسباب عزلهم من مناصبهم لأن فى ذلك احتراما للرأى العام، وتوضيح لآليات اتخاذ القرار فى المجتمع.

القضية أخطر من أن تترك على هذا النحو. كل حكومة ــ ولو كانت انتقالية ــ يجب أن يكون لديها معايير وضوابط وقوانين حاكمة للاختيار، ومحددة لتعارض المصالح، ومستندة إلى معايير موضوعية فى التقييم، يعرفها الناس ويمارس بها الإعلام رقابته الشعبية. نحن بحاجة لقانون يمنع تعارض مصالح المسئولين الحكوميين، وبحاجة للاتفاق على معايير تطهير جهاز الدولة، وبحاجة لتقييم أداء الوزراء والمحافظين قبل عزلهم واستبعادهم، وبحاجة لشفافية أكبر فى معرفة كيف يتم الاختيار لشغل المناصب العامة وعلى أى أساس يتم الاستبعاد منها.

بغير ذلك فسوف يصبح شغل المنصب العام مغامرة غير محسوبة العواقب، يعزف عنها الكثير من القادرين والراغبين فى المساهمة فى بناء البلد فى هذه المرحلة الفارقة، كما يصبح تغيير الوزراء والمحافظين وشاغلى المراكز العامة بالدولة هو الوسيلة السهلة لامتصاص غضب الجماهير دون أن نعرف لم ترك هؤلاء عملهم، ولم حل أولئك محلهم. المناصب العامة لا يجب أن تتحول إلى مطحنة ومقصلة لمن يقبلون بها، يدخلونها كالفاتحين الغزاة، ويتركونها متهمين وملاحقين بعد فترات قد تطول وقد تقصر حسبما يشاء حظهم لأن استقرار المنصب العام من أسباب نجاح من يشغله.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.