سمعنا من يقول سبقكم التوانسة إلى الثورة وإلى تسليم مقاليد الحكم لفرق اليمين الدينى. وسمعنا من يقول إن اليمنيين سبقونا إلى حل مؤقت يجمد الثورة ويحفظ لجميع الاطراف مصالحها ويرضى دول الجوار ويسمح لأمريكا وغيرها بحرية الطيران والقصف الجوى. ونشاهد فى سوريا مأساة ثورة جارٍ قمعها بعنف وحشى وببطء مدروس وممنهج ونسمع عن خطط دولية جاهزة لمرحلة ما بعد الأسد. ونقرأ الآن وثائق تقول أإن الليبيين سبقونا فى الوصول إلى مراحل متقدمة فى «استعادة» الاستقرار واصلاح المؤسسات وإقامة الديمقراطية.
المشترك فى كل ما سمعنا وقرأنا حقيقتان: أولاهما أن الثورة كانت تعنى للبعض فى الداخل كما فى الخارج التخلص من رجل معين ومن يتصادف وجوده معه من أبنائه وأقربائه، لا أكثر. الحقيقة الثانية أن دورا أجنبيا كان موجودا أو حاول أن يكون موجودا فى عملية الانتقال فى معظم الحالات. لا أذهب إلى حد تأييد الآراء التى تعتقد أن هذا الدور الأجنبى بدأت ممارسته قبل نشوب هذه الثورة وتلك، ولكنى اقرأ فى وثائق وتصريحات عديدة ما يؤكد أن نية التدخل كانت قائمة وبعض الترتيبات للانتقال كانت جاهزة. وأستطيع أن أقول إن هذه النية وتلك الجهوزية هما من صميم حقوق الدول العظمى والتى دأبت على تقديم معونات اقتصادية أو عسكرية، واعتبرت دائما أن هذه المعونات فضلا عن أنها فى حد ذاتها نوع من التدخل المحبب والمرغوب فى شئون الدول المتلقية للمعونات إلا أنها أيضا حافز كافٍ للتدخل فى أى وقت ولو للمحافظة على عائد هذه المعونات ومراقبة إنفاقها.
استمعت بكل الاحترام لرأى يقول: لقد اختارت القيادة السياسية الليبية بعد الثورة أن يقوم «المجتمع الدولى» بدور فى حماية الثورة، وهو الاختيار الذى أعرف أنه لم يدر بخاطر الثوار المصريين. نعرف أن قادة الثورة الليبية طلبوا من حلف الاطلسى التدخل عسكريا، واستجابوا فورا عندما عرضت عليهم الأمم المتحدة اقتراحا بأن يقوم أحد أجهزتها «سيئة السمعة فى العالم النامى» بتولى مهمة بناء الدولة الجديدة فى ليبيا.
يقول الأصدقاء المصريون المتابعون للشأن الليبى إن هذه «القيادة السياسية الأممية» التى فرضتها الأمم المتحدة على الثورة الليبية حققت انجازات لم تتمكن القيادتان السياسيتان المصريتان اللتان تتقاسمان عمليات الكر والفر من تحقيق مثلها. ليبيا الآن، هى الثورة العربية الوحيدة التى لم تصل إلى السلطة فيها لتحتكرها أو تتقاسمها قوة إسلامية مع القوة العسكرية، وهى أيضا «الثورة» العربية الوحيدة التى تنعم بحد لا بأس به من الانضباط، رغم الفورات المتكررة فى بعض مناطق القبائل. هناك سلمت الثورة قيادتها إلى جهات دبلوماسية خارجية، وهنا فى مصر تولى أمرها ممثلون عن قوى الدين والعسكر.
سعيت للتعرف على «القيادة السياسية الحقيقية» فى ليبيا. وتعرفت. وتأكدت معلوماتى مرات كان آخرها حين نشرت الأمم المتحدة وثيقة بتاريخ 18 يوليو 2012 وعنوانها «إحاطة السيد إيان مارتين أمام مجلس الأمن». السيد إيان مارتين، شخصية معروفة فى دوائر الأمم المتحدة، لخبراته الطويلة فى عمليات «بناء الأمم» فى أعقاب الثورات والانقلابات والحروب الأهلية. شعبية السيد مارتين لدى الأمين العام وفى أوساط ما يطلق عليه البعض فى أمريكا اللاتينية وداخل أجهزة الأمم المتحدة ذاتها، «أخطبوط البيروقراطية السياسية والاستراتيجية الأممية» تستحق منا هذه الشعبية أن نترك تقريره يتولى شرح جهوده لبناء ليبيا وفقا لنسق معين وبأسلوب معين لم يتدخل فى صنعهما واختيارهما عقولا ليبية من أبناء ثورتها.
قدم السيد مارتين لتقريره بكلمات عذبة تؤكد أصالته الدبلوماسية. جاء فى السطور الأولى ما نصه «عندما قدمت للمجلس (مجلس الأمن) إحاطة اعلامية للمرة الأولى بعد إعلان تحرير ليبيا فى تشرين الأول / أكتوبر الماضى، قلت إن شعبها قد يسعى لتلقى الدروس منا عن تفاصيل الديمقراطية، إنما بإمكانه أن يقدم دروسا تتعلق بروحها».
وفى فقرة تالية كتب «مارتين» عن صراعات عنيفة شابت الانتخابات وعن جهود لتخريب التحضيرات الانتخابية، ولكن وقفت اللجنة الانتخابية بالمرصاد «فبطاقات الاقتراع التى احرقت تم طبعها من جديد ونقلت جوا من ( إمارة ) دبى». كتب أيضا عن حملة تعبئة للنساء كمرشحات ومناصرات.. وعن أنشطة لتنمية المهارات وتبادل الخبرات، «وغالبا بدعم برنامج الأمم المتحدة الانمائى» UNDP، ويقدم فوز 33 امرأة فى المؤتمر الوطنى من بين 200 عضو دليلا.
يشيد التقرير بالعلاقة المثالية بين المفوضية العليا للانتخابات وفريق الدعم الانتخابى لمتكامل التابع للأمم المتحدة (الذى يرأسه السيد مارتين)، الذى وصل إلى ذروته بوجود قرابة 55 من الموظفين الانتخابيين الدوليبن...» ونحن (الآن) نناقش كيف يمكن دفع تلك القدرات إلى الأمام وتطويرها فى الفترة المقبلة، ويضيف «ما فتئت بعثة الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة يقدمان الدعم للأعمال التحضيرية للمجلس الوطنى الانتقالى بغية تسيير العملية الانتقالية».
وفى معرض كلامه عن تحديات الأمن، يقول التقرير» يتطلب التصدى لهذه التحديات نظرة اكثر منهجية وشمولا على مجمل هيكل الأمن والدفاع الوطنيين. يجب أن يشمل ذلك وضع استراتيجية للأمن القومى وتحسين التنسيق فيما بين الوكالات فى القطاع الأمنى». ويضيف أنه على مدى الأشهر الأخيرة، عملت البعثة مع السلطات الليبية والشركاء الدوليين من أجل «وضع ورقة بيضاء للدفاع ستستخدم فى تحديد المخاطر والتهديدات الرئيسية التى تواجه ليبيا وتعريف المهام الرئيسة والعقيدة والرؤية فى المجال العسكرى والرقابة المدنية للديمقراطية والمسائل العامة المتعلقة بالقيادة والتحكم والهيكل الرئاسى للقوات المسلحة بما فى ذلك علاقتها مع وزارة الدفاع والبرلمان القادم».
لا تعليق عندى على ما جاء فى التقرير الرسمى الذى رفعه رئيس بعثة الأمم المتحدة لإعادة بناء ليبيا سوى تذكير الرأى العام المصرى والمسئولين المصريين، إخوان مسلمين وعسكريين، بأن الأمم المتحدة قدمت فى أوائل أيام الثورة المصرية عرضا لحكومة السيد شرف للمساعدة فى تحقيق الانتقال على الأسس نفسها التى وردت فى تقرير السيد مارتين، وأن الأمين العام للأمم المتحدة حضر بنفسه لتهدئة الانتقادات الموجهة لهذا العرض وقابل وقتها الدكتور نبيل العربى وكان وزيرا للخارجية. وأعتقد أنه لدى الكثير من المسئولين ما يجب أن يكشف النقاب عنه وبخاصة ما يتعلق بالضغوط والمناورات التى بذلت لتقبل مصر بدور للإدارة السياسية فى الأمم المتحدة لتسيير الثورة ثم الدولة المصرية.
أما ونحن نرى مصر تسقط أمامنا فكرة بعد فكرة وبنيانا بعد بنيان وأملا بعد أمل، ونراها تئن تحت مصارعات بين من قرروا اقتسام الحكم فيها ولم يفلحوا إلا فى اقتسام مسئولية الفوضى، لا يبقى لنا إلا أن نسأل: هل يوجد بين الذين رفضوا العرض الأممى ووقفوا ضده وأنا منهم، من يشعر بالندم ويتمنى لو أن المسئولين سلموا مصر للسيد بان كى مون ومستشاريه فى الأمم المتحدة، لإدارتها كإقليم تحت الوصاية الدولية.؟
أعرف أن الضغوط على مصر استؤنفت وأسمع أن تجديدات أدخلت على أجهزة الوصاية الدولية وفروعها تعكس أمل المسئولين فى واشنطن ونيويورك فى أن تعيد مصر التفكير وتطلب المساعدة، أو قل، الإشراف الدولى.