الإثنين 11 ديسمبر 2017 7:38 ص القاهرة القاهرة 16.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

ليلة فى مسرح العرائس

نشر فى : الخميس 9 نوفمبر 2017 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 9 نوفمبر 2017 - 9:20 م
لا بد أنه الحنين إلى الماضى الذى جعلنى أحجز تذكرة منذ أسابيع فى مسرح العرائس، لمشاهدة عرض «صحصح لما ينجح»، بعد أن حفظته فى طفولتى، من كثرة إعاداته التليفزيونية. كم أسعدتنى التجربة، كانت اكتشافا إضافيا للمسرحية العظيمة، التى كتبها الراحل صلاح جاهين، ولحنها الراحل محمد فوزى، وأخرجها الراحل صلاح السقا، ولعبت دور «صحصح»، صوتا، فى طفولتها، الفنانة صفاء أبو السعود.
سعادتى بإعادة اكتشاف هذا العرض المميز، لم يتفوق عليها سوى سعادتى بامتلاء المسرح تقريبا بالأطفال وأولياء الأمور. خطر لى منذ فترة تساؤل عن حاضر مسرح العرائس، وقد كان له ماضٍ عظيم وخطير، وعلى الرغم من عشقى المعلن لفن العرائس، فقد كنت متشككا فى أن يشاركنا أطفال الفيديو جيم، وأفلام التحريك ذات البعدين، أو ذات الأبعاد الثلاثة، نفس الحب والشغف، بينما فن العرائس ينتمى إلى عصور سالفة، قد يهتم طفل اليوم بعرض الليلة الكبيرة مثلا، إذا شاهده فى التليفزيون، أو إذا شاهده على شاشة الكمبيوتر، أما أن يهتم بالذهاب إلى مسرح العرائس، فهو أمر كنت أراه موضع شك.
ولكنى رأيت عجبا: أطفال سعداء بالحضور، وآباء وأمهات أكثر سعادة، لعل أولياء الأمور، مثلى، كانوا يشعرون بحنين إلى مسرحيات شاهدوها فى طفولتهم، ولكن عدد الحاضرين من الأطفال، وأصوات الضحكات والتصفيق فى أثناء العرض، كل ذلك أكد لى أن سحر مسرح العرائس لا ينتهى، وأن فضول الطفل بحثا عمن يحرك العروسة مستمر مع الجيل الجديد، وتكون المكافأة الكبيرة، عندما يظهر فى النهاية لاعبو العرائس وهم يحملونها، هنا تتعالى صرخات الأطفال، وكأنهم عرفوا أخيرا سر اللعبة، وسحرها الغامض، لقد عرفوا معنى المسرح، مثلما عرفوا سر العروسة.
وقد لفت نظرى، أن الأطفال انتهزوا فرصة استراحة قصيرة بين فصلى المسرحية، فقفزوا إلى خشبة المسرح، والتقط لهم الآباء والأمهات صورا تذكارية، وهى تجربة لن ينساها الطفل أبدا، سواء إذا اكتفى بحبه للمسرح وللعرائس، أو إذا أراد أن يكون فنانا أو مسرحيا، يصنع السحر، بدلا من أن يكتفى باستقباله.
أما «صحصح لما ينجح» فهى مسرحية عن قيمة الوقت، وأظن أنه يجب إهداؤها إلى آلاف المصريين الذين لا يحترمون وقتا ولا موعدا، لدرجة أننى أظن أن هناك ما يسمى بالتوقيت المصرى، وهو ساعة تأخير تقريبا بعد الموعد المحدد: يكون الموعد الرسمى فى السادسة مثلا، فيأتيك الصديق فى السابعة مبتسما. 
الطفل صحصح هو تقريبا جد هؤلاء، فقد كان يظن أن الساعة التى سيهديها له والده، بمناسبة النجاح، مجرد «عياقة»، أو مجرد زينة تعطى الشخص بعض القيمة عندما يسأله البعض: «الساعة كام يا صحصح؟». 
ولكن العبقرى صلاح جاهين يدخل بطله فيما يلامس حدود الحلم السيريالى، وهى فكرة مذهلة فى وقت العرض الأول فى الستينيات؛ لأنها ستخرج «صحصح» من حجرة نومه، ليكتشف معنى وأهمية الوقت والمواعيد، نراه فى المدرسة، وكل مدرس يكشف له عن قيمة الوقت فى مجال تخصصه. 
نشاهد الشمس وهى تخرج من الساعات، والساعات وهى تتكلم، وترقص وتغنى، وشوكة الطعام وهى تعود بصحصح إلى البيت وسط السيارات، ونشاهد الأسماك فى البحر، وعلامات الحساب وهى ترقص، لوحة سيريالية مدهشة، يختلط فيها الزمان والمكان، وتأخذ الأشياء هيئات البشر، وعندما تنتهى الرحلة، يتعلم «صحصح» معنى وأهمية الوقت، فيعود الزمن إلى اتساقه، نكتشف أننا عدنا من جديد إلى بيت صحصح، وأنه نجح فعلا، لقد قفز جاهين العبقرى فى الزمن قفزة كبيرة، هى زمن تعلم صحصح لقيمة الزمن.
المدهش هو تنفيذ العرائس لهذا الخيال الجامح بصورة متقنة ومبدعة، وإن كان «صحصح» القديم أكثر وسامة، والجميل هو ألحان محمد فوزى العظيمة التى كنت أرددها فى أثناء العرض من جديد، وخصوصا أغنيات «يا وعدى»، و«عمالة تدور»، و«احنا علامات الحساب»، ولكن الأجمل تلك السعادة الصافية، التى لمحتها على وجوه الأطفال وأولياء الأمور، بسبب العرائس، ومسرح العرائس.
عُدتُ سعيدا باكتشاف الطفل فى داخلى من جديد.
التعليقات