الأربعاء 14 نوفمبر 2018 5:50 ص القاهرة القاهرة 16.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

مجلس الشعب.. إلى أين؟

نشر فى : الثلاثاء 10 يوليه 2012 - 9:05 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 10 يوليه 2012 - 9:05 ص

يبدو أن هذا البلد لن يهدأ قريبا على حال. فما كادت الأمور تستقر قليلا بالرئيس الجديد، والناس ترحب بمبادراته لضم الصفوف وتجاوز خلافات العام الماضى حتى أصدر قراره أمس الأول (الأحد) بعودة مجلس الشعب للانعقاد بعدما صدر حكم المحكمة الدستورية بحله. وما هى إلا ساعات حتى اشتعل الموقف مرة أخرى، وامتلأ ميدان التحرير، وانعقد المجلس العسكرى، وصدرت الدعوة لانعقاد الجمعية العامة للمحكمة الدستورية، والأحزاب كلها تعد بيانات بمواقفها، وعدنا مرة ثانية للأجواء التى سادت فى الأيام الأخيرة لانتخابات الرئاسة، ولا أعلم ماذا يكون عليه الحال وقت نشر هذا المقال.

 

ولنحاول أولا فهم معنى القرار الجمهورى الذى أشعل الشارع السياسى، خاصة أنه ليس قرارا قائما بذاته، بل يأتى فى نهاية سلسلة من الأخطاء القانونية التى نعيش معها منذ أكثر من عام. مجلس الشعب تم انتخابه بناء على قانون للانتخابات قام المجلس العسكرى بتعديله عدة مرات حتى خرج بنظام مختلط للقائمة والفردى، وكثير منا احتجوا عليه وقت صدوره باعتباره مليئا بالعيوب وقد يكون مخالفا للدستور، ولكن تم تجاهل كل هذه الاعتراضات. بناء عليه جرت الانتخابات وفاز التيار الاسلامى بشقيه الإخوانى والسلفى بأغلبية ساحقة لمقاعد المجلسين. ثم تم رفع دعوى امام المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية هذا القانون لأنه لا يمنح المرشحين المستقلين فرصة متكافئة، فأصدرت المحكمة حكمها بأن القانون فعلا مخالف للدستور فيما يتعلق بانتخاب الثلث الفردى، ولكن تضمنت أسباب الحكم ما يفيد بطلان انتخاب المجلس بأكمله. وبناء عليه أصدر المجلس العسكرى قرارا بحل مجلس الشعب، وهو قرار قضائى واجب النفاذ وله حجيته الكاملة، وإن كان خلافيا لأنه لم يكتف بحل ثلث المجلس بل انتهى إلى حل المجلس بأكمله، كما أنه صدر قبل انتخابات الرئاسة بيومين وفى ظروف أقل ما يقال عنها إنها غير موفقة وفى توقيت يوحى بالارتباط بين الحكم وبين الانتخابات الرئاسية. ثم استغل المجلس العسكرى الفراغ الدستورى الذى نشأ عن حل المجلس وبدلا من أن يتدخل بالقدر الضرورى وبالحد الأدنى الذى يحقق استقرارا مؤقتا لحين انتخاب برلمان جديد، اذا به يُصدر إعلانا دستوريا مكملا يعيد توزيع السلطات بالكامل، ويعطيه سلطة التشريع دون أى قيد، وسلطة اعادة تشكيل الجمعية التأسيسية (وبالتالى ضمنيا سلطة تحديد متى تنتهى الرئاسة ومتى يعاد انتخاب برلمان جديد)، ويشكل مجلسا للأمن القومى، ويمنح الضبطية القضائية لضباطه. وأخيرا يصدر قرار رئيس الجمهورية الأخير متضمنا فى الواقع أربعة عناصر رئيسية: (1) الغاء قرار المجلس العسكرى بحل البرلمان، (2) عودة البرلمان للانعقاد، (3) اجراء انتخابات برلمانية جديدة خلال شهرين من الاستفتاء على الدستور الجديد، (4) وتجاهل تام للإعلان الدستورى المكمل.

 

نحن إذن امام سلسلة متراكمة من الخطوات والقرارات والقوانين التى بدأت خاطئة واستمرت على هذا النحو: قانون انتخابات معيب، ثم حكم بحل المجلس صادر فى توقيت مريب، ثم اعلان دستورى مكمل تجاوز المطلوب، ثم قرار من رئيس الجمهورية يضرب بحكم المحكمة الدستورية العليا عرض الحائط. فما العمل؟

 

دعونا نتفق أولا على أن تصحيح الخطأ لا يكون بخطأ أكبر منه. صحيح أن قانون الانتخابات صدر معيبا، وأن حكم المحكمة الدستورية صدر فى توقيت سيئ، وأن الإعلان الدستورى المكمل كان ردة فى المسار الديمقراطى، ولكن كل هذا لا يعنى أن يصدر قرار من رئيس الجمهورية بتجاهل حكم المحكمة الدستورية على هذا النحو لأننا هنا لا نتحدث عن قرار أو حكم أو حتى قانون معيب، بل عن استعدادنا كمجتمع وقوى سياسية أن نتجاهل ما لا يعجبنا من الأحكام النهائية لمجرد أنها لا تحقق الغرض السياسى المطلوب. والقول بأن الحالة الثورية تبيح تجاهل القضاء، وأنه لولا الخروج على القانون لظل النظام القديم قائما، قول صحيح لو كان متسقا مع نفسه، أى لو كانت هناك عدالة ثورية قد تم تأسيسها منذ البداية. ولكن هذه الانتقائية فى التعامل مع القانون ومع القضاء غير مقبولة، والقوى السياسية كلها تحتفل وترحب بما يعجبها من الأحكام والقوانين، وتقيم الدنيا ضد ما لا يعجبها، متجاهلة تماما أن هناك قيمة مجردة فى حد ذاتها، هى فكرة القانون والعدالة وتنفيذ أحكام القضاء، وإهدار هذه القيمة قد يحقق مكاسب وقتية وجماهيرية، ولكنه بالتأكيد يؤسس لاستبداد جديد.

 

كذلك فإن القول بأن قرار رئيس الجمهورية لا يتعرض لحكم المحكمة، بل يلغى فقط القرار التنفيذى الصادر من المجلس العسكرى لكى يطبق الحكم تطبيقا سليما، قول سليم فى أصله ولكن يتجاوز ذلك فى حقيقته. الرئيس من حقه إلغاء قرار سابق عليه ومساو له فى المرتبة التشريعية (وهو قرار المجلس العسكرى بحل مجلس الشعب)، ولكن الواقع أنه تجاوز ذلك وتعامل مع حكم المحكمة الدستورية باستهانة شديدة، عن طريق تقرير استمرار عمل مجلس الشعب لعدة أشهر (قد تصل بنا لنهاية العام على الأقل) إلى حين الانتهاء من الدستور ومن قانون جديد للانتخابات (بالإضافة إلى أنه غير واضح من يصدر قانون الانتخابات الجديد، هل يكون مجلس الشعب المحكوم ببطلانه أم جهة أخرى)، وخلال هذه المدة فإن مجلس الشعب المحكوم ببطلانه سوف يستمر فى تشريع القوانين، بل وقد يصدر قانون الانتخابات القادمة. والقول بأن هذا وضع أفضل من انتقال السلطة التشريعية لمجلس عسكرى غير منتخب له وجاهته، ولكن بين النقيضين توجد بدائل كثيرة، كلها كان يمكن أن تكون موضع نقاش واتفاق دون أن يطاح بحكم المحكمة الدستورية على هذا النحو.

 

ومع ذلك فإن أسوأ ما يواجهنا فى الأيام القادمة ليس الخلاف القانونى على تفسير نصوص أو على حكم محكمة، بل يواجهنا خطر انقسام جديد فى المجتمع، سوف يتحول سريعا إلى معركة جديدة بين الدينى والمدنى، وبين الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية، تضيع معه فكرة العدالة والقانون، وتضيع بسببه هيبة القضاء واحترام أحكامه. لذلك فإننى شخصيا، ومع تقديرى لكل الاعتبارات المتصارعة فى هذا الموضوع، أعترض على عودة مجلس الشعب للانعقاد طالما كان هناك شك وخلاف حول مشروعيته، لا انحيازا ضد موقف الاخوان المسلمين، ولا مساندة لجانب المجلس العسكرى، وإنما انحياز فقط إلى ما تبقى فى هذا البلد من قانون وقضاء ومن احترام لأحكامه، واعتراضا على تنفيذ الأحكام بشكل انتقائى.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.