الجمعة 17 أغسطس 2018 7:26 ص القاهرة القاهرة 26.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى تجربة نادي «بيراميدز» ستصب في مصلحة الكرة المصرية؟

هل من حاجة لإعادة اكتشاف الخرافة؟

نشر فى : الجمعة 10 أغسطس 2018 - 9:00 م | آخر تحديث : الجمعة 10 أغسطس 2018 - 9:00 م

من الأسئلة التى تدور فى أذهان العلماء الجادين فى جميع المجالات هى: تُرى كم شخص اليوم يتحمل محاضرة علمية تُلقى فى مجمع علمى؟ أو كم عدد الذين يتابعونها لو بُثت فى التلفزيون أو أُذيعت فى الراديو؟ أو على وسائل التواصل الاجتماعى؟ أو كم شخص اليوم يتحمل عظة فى المسجد أو فى الكنيسة تتعمق فى الفكر الدينى ولا توصم بالجسدانية والعقلانية وهما صفتان عند من يطلقونهما توحى بمعنى عدم الروحانية؟ من هنا تجد – عزيزى القارئ – الزحام على أشده على أولئك الذين يتحدثون عن معجزات الأولياء والقديسين وأصحاب الخطوة والحظوة الإلهية ومن يتحدث عن الجان ويخرجه من الأجساد ومن يقوم بصنع المعجزات ويتحدث بلغات غير مفهومة بينما تجد من يتحلق حول العلم والعلماء أعداد قليلة.
***
ويقسم المؤرخون تاريخ العالم إلى ثلاث حقب: العصور القديمة أو العالم القديم الذى لم يستطيعوا أن يحددوا بدايته والذى كان يعتمد على الأسطورة من خلال الخرافة وتصور وجود علاقة بين السحر والعالم والإنسان كجزء من المخلوقات والمخلوقات كجزء من الطبيعة ثم جاءت مرحلة الأديان واكتشاف قوة خلف خلق الكون هو الله وأن الله بعيد متسام وقد أنهى المؤرخون هذه الحقبة
(العصور القديمة) بالقرن الخامس الميلادى فقد كانت هذه القرون الخمسة هى قمة التفكير العلمى والفلسفى واللاهوتى فى مصر وأوروبا حيث اعتبرت الإسكندرية عاصمة العالم الفكرى من خلال مكتبتها العظيمة وسلة الخبز للإمبراطورية الرومانية، وكان بطاركة الكنيسة المصرية يُختارون من فلاسفة مدرسة الإسكندرية وكل ذلك انتهى بأمرين فى منتهى السوء الأول انقسام الكنيسة عام 451 م فى مجمع خلقدونية والآخر حريق الإسكندرية مما أدى إلى تدنٍ شديد فى الفكر العلمى واللاهوتى، إلا أن ظهور الإسلام فى القرن السابع والنهضة العلمية التى جاءت مع الخلافة العباسية فى القرن التاسع وترجمة كتب اليونان الفلسفية والعلمية نقل مركز الثقل إلى بغداد والأندلس. لذلك تختلف العصور الوسطى فى أوروبا عنها فى العالم الإسلامى، فهى وإن كانت فترة زمنية واحدة إلا أنه كان هناك تفاوت عظيم فى التفكير العلمى بين هاتين المنطقتين من العالم فقد وصل العالم الإسلامى إلى قمته فى القرون الوسطى بينما وصلت أوروبا إلى الحضيض من رجعية وركود فكرى واعتبار العلم نوعا من السحر وضد الدين والكتاب المقدس وتمتد هذه القرون الوسطى – على الأرجح – من القرن الخامس إلى القرن الرابع عشر وطوال هذه العشرة قرون كانت الكنيسة مسيطرة على كل الأنشطة الإنسانية والخضوع لها خضوع لله وإذا بدا على أحد أى ملامح للنقد أو الفكر النقدى لسياسة الكنيسة أو قادتها أو كهنتها كان يتعرض للموت حرقا لقد كانت أوروبا تسير ووجهها للخلف كما هو الحال الآن فى العالم الإسلامى لقد كانت عظمة علومهم تتجلى من خلال عبارات تتسم بالبلاغة العظيمة لكن لم يكن لديهم أى منهج للبحث العلمى وقد غرقوا فى الجدل اللفظى، وهو دليل تدهور الحضارات ونموذجنا المعاصر لذلك هو الوطن العربى الإسلامى. ثم تأتى مرحلة العصر الحديث من القرن الخامس عشر حتى القرن الحادى والعشرين وفيها استقل العلم عن الفلسفة وتم التأكيد على التخصص ولقد شجع الفلاسفة هذا الاتجاه بقولهم «نحن نقوم بالتنظير (يضعون النظريات) بينما العلماء هم الذين يجربون ويطبقون على أرض الواقع» وهكذا انطلق العلماء مع التكنولوجيا فى تبادل المعلومات وقد حدث ما يسمى بالإفراط والإسراف فى الفيض المعلوماتى وهكذا انقسم العالم إلى قسمين أغنياء المعلومات الذين يعانون من كثرتها وفقراء المعلومات الذين يعانون من ندرتها لذلك ففقر المعلومات يسبب نتائج تنذر بكوارث من أهمها ضعف قوة مساومة الدولة فقيرة المعلومات فى المفاوضات الثنائية أوالمتعددة الأطراف أما الدول الغنية فتعرف من أسرار الدول الفقيرة ومصادرها أكثر كثيرا منها وهذه هى الكارثة الحقيقية ومن الواضح أن تدفق المعلومات والاعتماد على التكنولوجيا فى كل مناحى الحياة أدى إلى إهمال الجانب الروحى للإنسان مما جعل البعض ينادى بإعادة اكتشاف الخرافة وبالطبع هذه الدعوة فى الغرب وذلك لأن الخرافة لم تبرح مكانها من عندنا بعد. ومن أدبيات هذه الدعوة القول «إن جذور المعنى والعقل تكمن فى الأحاسيس من الدرجة الأولى ولذلك لا تُعتبر الأحاسيس مضادة للعقل بل هى تشكل أساسا له بل إن العواطف الإنسانية هى وسائل اجتماعية فطرية للتعبير، وهى فى الأساس بيولوجية كرعاية الأم لوليدها بل ونجدها فى اللعب والأحلام، وهذه القدرات البيولوجية عند الإنسان تحيل الشعور إلى نمط أو نموذج مثل نمط الخرافات وتعتبر هذه الخرافات هى الرد على غطرسة الحداثة لأن الحداثة بتفكيرها العلمى تتحول إلى قيود تكبح السلوك الإنسانى بينما الخرافة تقدم أساسا مجموعة المشاعر الوجدانية اللازمة للعلاقة العاطفية بالعالم الخارجى. «وفى تعريف آخر» الخرافة هى أساس صدقنا غير العقلانى وهى مزيج مهجن من إدراك الإنسان من مصادر تنتمى إلى ما قبل التاريخ وما قبل الحضارة وما بعدها».
ومن أدبياتهم أيضا أن الخرافة أضفت نوعا من النظام على النقاط المعتمة من عقلنا وبدفن الخرافة بالتفكير العلمى فُتحت الحظيرة التى كانت تأوى الحيوانات الغامضة التى تسكن اللاوعى الإنسانى فانطلقت خارجا بافتراض مأساوى خطأ بأنها أشباح.
***
إذن هل استرجاع الخرافة هو الحل لأنها هى التى تُغذى الخيال الشعرى للحياة اليومية فى مواجهة التقنيات الحديثة والتدفق العلمى للمعلومات والاتصالات؟ هل الخرافة هى التى ستساعد على إيجاد الأنماط المحلية الجديدة ذات البعد المكانى وإعادة صياغة الهوية الجماعية المحلية التى تتحدى هيمنة التقدم الذى يقضى على روحانياتنا وعواطفنا وخيالنا؟ (راجع فلسفة الجماعات الإرهابية فى تأكيدها للهوية وتحديها للعالم ككل) وراجع أيضا فلسفة الحركة الكارزماتية المسيحية من تركيز على المواهب الروحية وإخراج الشياطين وتأكيدها للهوية وتحديها لكل العلوم والتفكير العلمى) إن المتغيرات العالمية من تدفق المعلومات وسطوة الميديا ووسائل التواصل الاجتماعى تقوم بتشويه العلاقة العاطفية بالوجود لصالح المعرفة، وقد دعاه البعض «التنوير غير المحتمل للوجود» فالتنوير أو التحديث يرتبط عامة برؤية ترى أن التفكير العلمى والعلم والتكنولوجيا والقيم العقلية تدفع بالتقدم قدما ولقد كان الحُلم هو عالم عقلانى تسوده الحرية والمساواة والتقدم اللامحدود، عالم تقوم فيه الاختراعات الناجمة عن العلم والتكنولوجيا بتأمين استقلالية البشر، وبتحقق هذا الحلم انطلقت طاقات هائلة وأفكار عظيمة لكنه حين بلغ ذروته فى عصرنا أدرك رؤيته الشيطانية التى كانت قائمة منذ البداية والتى تمثلت فى اغتراب روح الإنسان وجسده وعقله عن الشروط العضوية للوجود ولذلك أنتج أصوليات عنيفة وأخرى غير عنيفة نراها منتشرة وبقوة بين معظم أتباع الأديان.
يقول أحد منظرى هذه الدعوة «إن الشبح هو القوة العاقلة فى الإنسان، وحين تُفصل هذه القوة عن الخيال ويغلق عليها بمصاريع حديد فإنه يدمر الخيال الذى هو بمثابة التجسد الإلهى والذى هو بالطبيعة أعمق من الفكر العقلانى بل إن الفكر العقلانى يعتمد فى استمراريته على الخيال الحى أو على حياة الخيال وليس موته».
ويحق لنا أن نرثى لحال الإنسان الحديث الذى ينظر إلى الكون كآلة ويعتبر عقله ترسا فيها، وأن نشفق على الإنسان الذى يعتبر نفسه آلة معطلة، إن هذه الأنماط تنتمى إلى عالم تجرد من إنسانيته وتوارت فيه كل السمات الإنسانية خاصة الدفء العاطفى والروح السمحة.
هل آن الأوان لإيجاد منهج جديد لتجديد العقل؟ لا شك أن هذا مشروع يتطلب تحولا فى القيم والرؤى، فتجديد العقل يشمل فتح الأبواب لتراث البشرية التاريخى بل وقبل التاريخى بأسرة، وذلك لتجديد قيم الأسرة والبيت والجيرة والتدين المعتدل دون تعصب أو عنف والعلاقات الودية التى ندعو إليها للتواصل للهو والأحلام وحنو الأم على وليدها وغيرها من مواريث أصلنا الثديى البشرى واللازمة لتطور الذات العفوية وإقامة ثقافة عالمية تدعم الحياة بقيم النقد الذاتى القادرة على دعم حيوية الخصائص المحلية وحمايتها يبدو لى أن الإنسان له ما نسميه قلبا إنسانيا ولكن يبدو أن فيه أيضا شيئا من القرد داخله، والعصر الحديث يتعامل مع القلب كمضخة وينكر وجود القرد فينا، لذا فإن هذا القرد الذى ليس له وجود رسمى ينطلق هائجا دون أن يراه أحد».
عزيزى القارئ أليس هذا ما يفعله كل واحد منا عندما يجلس بمفرده بعد يوم طويل من العمل والرسميات والتعامل مع الآلة فإذ به يصرخ ويضرب بقدميه ويديه، ويصفق ويضحك ويقفز أمام المرآة؟ أو عندما يقابل (أبناء مهنته) فى خلوة بعيدا عن الجمهور وتراهم يتقافزون كالقرود مع بعضهم البعض ويلقون نكاتا لاذعة فى تهريج طفولى لا ينقطع ولا تتعجب حتى رجال السياسة والدين الموقرون الأسوياء منهم يفعلون.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات