الأحد 19 نوفمبر 2017 8:04 م القاهرة القاهرة 21.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إيقاف «شيرين» عن الغناء بعد واقعة «النيل»؟

غياب الشفافية في السعودية يفرض إيقاعه على الجميع

نشر فى : الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : السبت 11 نوفمبر 2017 - 11:08 ص
حين يلف الغموض قضايا الحكم ويستهين الحكام بقاعدة الشفافية وتغيب عن الرأى العام المعلومات والحقائق، فإن التناول الإعلامى لأحداث مفاجئة كاعتقالات الأمراء والوزراء ورجال الأعمال الأخيرة فى السعودية يسقط إما فى خانات الدعاية لمواقف الحكومات وإما فى متاهات الترويج لغير المكتمل من المعلومات ولأنصاف الحقائق أو فى غياهب الصور النمطية ذات الطبيعة العمومية والسطحية.

أوقفت السلطات السعودية مساء السبت الماضى (٤ نوفمبر ٢٠١٧) ١١ أميرا و٤ وزراء (كانوا فى مناصبهم الرسمية حين أوقفوا)، كما أن عشرات الوزراء السابقين وعدد من رجال الأعمال، أوقفوا وسط اتهامات بالفساد دفعتها باتجاههم لجنة لمكافحة الفساد أعلن الملك سلمان بن عبدالعزيز عن تشكيلها فى نفس اليوم وأسند رئاستها إلى ولى العهد محمد بن سلمان. على الفور، تبنت الصحف والقنوات التليفزيونية سواء التى تسيطر عليها المؤسسة الملكية بصورة مباشرة أو تخضع لنفوذها السياسى توصيف الاعتقالات «كحملة غير مسبوقة» لضرب الفساد واقتلاع جذوره و«كمرحلة جديدة» من مراحل الإصلاح الإدارى والاقتصادى والمالى فى السعودية التى يقودها الملك وولى العهد. لم تبحث تلك الصحف والقنوات عن معلومات بشأن توقيت الاعتقالات وأسبابها فيما وراء واجهة مكافحة الفساد، ولم يرهق محرروها أنفسهم بالتنقيب عن حقائق حول شبهات الفساد المحيطة بالأمراء والوزراء ورجال الأعمال الموقوفين.

بالقطع، تجاهل المتماهون مع موقف المؤسسة الملكية البحث فى مدى الانضباط القانونى للإجراءات المتخذة ضد الموقوفين وحدود صون أو انتهاك حرياتهم وحقوقهم، ومن بين الأخيرة حق الموقوفين فى عدم تعرض سمعتهم الشخصية للتشويه من جراء نشر أسمائهم باعتبارهم متورطين فى الفساد قبل أن تتضح أدلة الإثبات التى تقف عليها السلطات السعودية وقبل أن تضمن عمليات تقاضٍ نزيهة، فإما البراءة وإما الإدانة. لقد اكتفوا بنشر البيانات الحكومية المتعلقة بالأمر، وأتبعوها بمقولات ضرب الفساد، وأزاحوا بعيدا كل الخلفيات السياسية ومنها أن حملة الاعتقالات فى أرض الحرمين الشريفين كانت قد امتدت خلال الشهور الماضية لتشمل كتابا وباحثين وصحفيين وعلماء دين وقضاة وها هى تصل الآن إلى أمراء ووزراء ورجال أعمال فى مشهد يحضر فيه بوضوح توظيف المؤسسة الملكية لأدوات القمع الرسمية التى بحوزتها.

ومن الخلفيات السياسية أيضا الصعود السريع لولى العهد محمد بن سلمان الذى أزاح فى صيف ٢٠١٧ محمد بن نايف من ولاية العهد ومن وزارة الداخلية، وأحكم بذلك قبضته على الأجهزة الأمنية بعد أن كان قد سيطر على الجيش، وها هو فى ليلة الاعتقالات يزيح وزير الحرس الوطنى متعب بن عبدالله (ابن الملك السابق عبدالله بن عبدالعزيز) ويعين مكانه أحد خلصائه لتدين له جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية بالولاء. ومن الخلفيات السياسية استخدام ولى العهد لمقولات كضرب الفساد وحتمية الإصلاح ومواجهة التطرف الدينى وإقرار حقوق النساء وضرورة الانفتاح على العصر؛ لإضفاء شىء من الشرعية (فى الداخل والخارج) على استئثاره بالسلطة وتهميشه لأمراء آل سعود الذين قد يهددون وصوله إلى سدة الحكم وتقليمه لأظافر المؤسسة الدينية الوهابية التى تعارض الكثير من سياساته.

***

أما معارضو حكم الملك سلمان وولى عهده، ومن بقى منهم بعيدا عن أماكن الاحتجاز ومتحررا من قيد الإقامة الجبرية وقيد الصمت المفروض تحت وطأة القمع غادر السعودية إلى المنافى، فلم يجدوا إزاء غياب المعلومات والحقائق المتعلقة باعتقالات الأمراء والوزراء غير الخلفيات السياسية ليعتمدوا عليها فى تناول الحدث وليعمدوا دون معرفة إلى الترويج للتهافت التام للمقولات الحكومية عن ضرب الفساد. هنا أيضا ضاعت الشفافية، وحضرت المبالغات الخطابية والمعارك الكلامية. ليلة السكاكين الطويلة، لعبة العروش، مذبحة الأمراء، معركة الديكتاتور الصغير محمد بن سلمان؛ كانت تلك بعض المفردات والعبارات التى وظفها بكثافة معارضو حكم الملك وولى عهده فى كتاباتهم الصحفية ومداخلاتهم التليفزيونية للتدليل على أن الاعتقالات ليست سوى ترجمة للصراع على السلطة بين أمراء آل سعود وحلفائهم، وأن هدف الملك وولى العهد هو الإطاحة بمراكز القوة والثروة غير الخاضعة لسلطانهم. فى سياقات تناول المعارضين للاعتقالات تنفى شبهات الفساد واستغلال النفوذ وإساءة استخدام المناصب العامة عن الأمراء والوزراء ورجال الأعمال الموقوفين، وتتساوى السعودية التى تشغل موقعا وسيطا (٦٢ فى ٢٠١٦) فى مؤشر «مدركات الفساد» لمنظمة الشفافية الدولية، وهو ما يعنى توطن الفساد الفردى والمؤسسى مع دولتى الدانمارك ونيوزيلندا (صاحبتى المركز الأول والأول مكرر فى ٢٠١٦).

بل إن بعض المعارضين لم تكفه أحاديث الصراع على السلطة كخلفية سياسية للاعتقالات، وابتدع عالما من السياسة البديلة بالربط بين «تصفية» مراكز القوة والثروة المناوئة وبين تراجع التأييد الشعبى للملك وولى العهد بسبب الحرب السعودية ــ الإماراتية على اليمن والمواجهة مع إيران وحصار قطر والتقارب مع إسرائيل والتحالف مع إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية التى لم تثبت علاقتها بالتقلبات الداخلية فى السعودية وباستدعاء مسألة التأييد الشعبى للحكم التى لا يملك المعارضون دليلا لا على تراجعه ولا تصاعده ولا بقائه على حاله. الاعتماد الأحادى فى تناول الاعتقالات على الخلفيات السياسية، فعلية أو متوهمة، وَرَّطَ المعارضين فى الترويج لغير المكتمل من المعلومات ولأنصاف الحقائق ودفعهم إلى استبعاد واقع الفساد الفردى والمؤسسى الذى يدركه المواطنون السعوديون جيدا (فى مسوح حديثة للرأى العام أجراها فى السعودية مركز «الباروميتر العربى» جاءت مكافحة الفساد مع توفير الأمن باعتبارهما الأولويتين الأهم للسعوديين). ولم يبتعد عن فخ الترويج لأنصاف المعلومات والحقائق وعن مصيدة نفى الفساد عن السعودية سوى نفر قليل من معارضى الملك وولى عهده الذين أقروا من جهة أولى بإحاطة شبهات فساد واستغلال نفوذ وإساءة استخدام المناصب العامة لأمراء ووزراء ورجال أعمال، وشددوا من جهة ثانية على أن عدالة «لجنة مكافحة الفساد» تبدو انتقائية ومسيسة لغياب الشفافية عن إجراءاتها، وأشاروا من جهة ثالثة إلى استحالة المكافحة الناجعة للفساد إذا كانت شبهات الفساد تحيط أيضا ببعض القائمين عليها.

***

أما التعويل فى التناول الإعلامى لاعتقالات السبت الماضى على الصور النمطية بشأن السعودية، فكان من نصيب عديد الصحف والقنوات التليفزيونية الغربية التى انتشرت بها تعابير من شاكلة «مملكة الصمت» و«مملكة الصحراء» وعبارات مثل «أمراء النفط يتصارعون» و«مؤامرات القصور فى مملكة النفط» و«سيف ولى العهد يذبح منافسيه على السلطة» وغيرها.

وليس بانتشار تلك التعابير والعبارات، وهى إما تعيد إحياء الصور النمطية لممالك القرون الوسطى وصراعات أمرائها المتحاربين وتفرضها على الواقع السعودى المعاصر وإما تعود إلى مضامين القراءة الغربية (الاستشراقية) للمملكة العربية السعودية كدولة ظلامية يتحالف بها السيف والنفط والتفسيرات المتطرفة للدين لإخضاع المجتمع وقمع المواطن وقهر النساء وتعيد من خلالها الترويج للصور النمطية عن «مملكة الصحراء» فى الإعلام الأمريكى والأوروبى ــ ليس بانتشارها غير دليل بين على عدم امتلاك الكتاب والصحفيين الغربيين لمعلومات وحقائق بشأن التحولات الداخلية فى السعودية وعجزهم عن الخروج بتفسيرات موضوعية لاعتقالات السبت الماضى تتجاوز الإشارات العمومية والسطحية. حين تغيب الشفافية وتختفى المعلومات والحقائق، دوما ما تتصدر الصور النمطية تناول الإعلام الغربى لما يجرى جغرافيا وثقافيا بعيدا عنه.

 

عمرو حمزاوي أستاذ مساعد العلوم السياسة بجامعة القاهرة وعضو سابق في مجلس الشعب درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات