الأحد 19 نوفمبر 2017 9:58 م القاهرة القاهرة 20.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إيقاف «شيرين» عن الغناء بعد واقعة «النيل»؟

محمود فهمى حجازى.. تحية إلى عالم كبير

نشر فى : الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 9:25 م
على صفحته الشخصية على «فيسبوك»، نوه الكاتب والصحفى القدير الأستاذ أنور الهوارى، بالعالم الجليل وأستاذ اللغويات القدير؛ الدكتور محمود فهمى حجازى، أستاذ اللغة العربية وعلم اللغة الحديث بكلية الآداب جامعة القاهرة، ووجدتُها فرصة طيبة لتوجيه التحية والتقدير لواحد من مثقفى مصر الكبار وأساتذتها الأجلاء ممن عملوا طوال حياتهم فى إخلاص ودأب وتبتل وبعد عن الأضواء.

تَشرفتُ بالتلمذة على يد أستاذنا الجليل، وهو أحد أساطين اللغة العربية وعلم اللغة الحديث فى الجامعات العربية والعالمية، كان يُدرس لنا (مدخل إلى علم اللغة)، وأتذكر أننى كنتُ مبهورا وأنا أستمع إلى محاضراته العميقة البسيطة فى آن، كأن ذهنى يتلقى موجات نورانية كاشفة تزيح بهدوء رواسب «العك»، و«اللا معرفة»، و«التجزىء»، والتشتيت» التى تجرعناها فى المدارس عن اللغة وقواعدها.

كانت المرة الأولى التى أدرس فيها أفكارا منظمة وواضحة عن اللغة؛ وأدرك معنى وقيمة المنهج العلمى والرؤية الكلية وضرورة فهم الظواهر أو أى موضوع يخضع للدرس وفق طريقة مخصوصة فى البحث، وسياق منظم للدراسة، وترتيب واضح فى تناول المسائل أو الموضوعات المدروسة.. إلخ.

كان هذا وغيره أثرا ونتيجة الاستماع لمحاضرات الدكتور حجازى، ثم قراءة كتبه التأسيسية المرجعية التى لم يُسبق إليها فى التأليف المعاصر: «مدخل إلى علم اللغة»، «البحث اللغوى»، «علم اللغة بين التراث والمناهج والحديثة»، «علم اللغة العربية»، «الأسس اللغوية لعلم المصطلح».. وغيرها مما لا غنى عنه، ولا أتصور أن مثقفا جادا يلزم نفسه بمعرفة عميقة وحقيقية بالأدب العربى واللغة العربية، قديما وحديثا، ويكاد لا يعرف شيئا من كتب الدكتور حجازى، أو اطلع على بعضها على الأقل.

الدكتور حجازى نموذج فذ وعبقرى لمن استوعب الدرس اللغوى المعاصر فى أعمق وأحدث اتجاهاته وأسسه ونظرياته، فى الوقت الذى كان مُستوعبا بعمق أبهى وأزهى ما فى تراثنا العربى، الفكرى واللغوى، من نظرات وآراء وبحوث حول اللغة ودرسها، وأظن أنه كان واحدا ممن أعادوا الاعتبار لكتيبة اللغويين وفقهاء اللغة والنحويين فى التراث العربى؛ منذ سيبويه مرورا بأبى على الفارسى وابن جنى والسيرافى، وصولا إلى اللغويين المتأخرين فى القرن الثامن، وما بعده.

ويظهر فى أعمال الدكتور حجازى مع نخبة أخرى من الأساتذة الأجلاء (تمام حسان، عبدالرحمن أيوب، عبدالحكيم راضى، عبده الراجحى، نصر أبو زيد، جابر عصفور.. وآخرين) الإعجابُ الشديد بالجهد الهائل والتفكير الفذ الذى تجلى فى كتابات اللغويين العرب، بلاغيين وغير بلاغيين.

ونوه بصفة خاصة بالمادة وافرة الثراء والغنى والفرادة التى تُقدمها الدراسات اللغوية التى دارت حول النص القرآنى الكريم، وكذلك ما قدمه لغويون أفذاذ أمثال «ابن جنى» من نظرات رائدة بالغة القيمة لموضوع البحث فى لغة الأدب، (كان هذا الموضوع محل اهتمام الدكتور عبدالحكيم راضى، بارك الله فى عمره وصحته، سلط عليه الأضواء من جديد مع النهضة الحديثة فى علم اللغة والتى واكبها تعاظم الإحساس بأهمية المدخل اللغوى إلى النص الأدبى فى كتابه الرائد «نظرية اللغة فى النقد العربى»).

واستطاع أستاذنا حجازى بفضل موهبته ودأبه وإجادته الممتازة للعديد من اللغات الأجنبية والشرقية (على رأسها الألمانية التى أعد بها رسالته للدكتوراه حول «منهج السيرافى فى التحليل اللغوى») أن يقدم ما قدمه من إنتاج علمى وافر وزاخر ومتميز وفريد؛ إنتاج يجمع بين سَعة المعرفة وعمق الاطلاع، وتوظيف رائع لأحدث النظريات والمنهجيات الحديثة فى الدرس اللغوى المعاصر.

كل ذلك فضلا على جهوده الواسعة وأعماله الأخرى فى تأسيس الجامعات الكبرى خارج مصر وعضويته فى المجامع العلمية، واشتراكه فى العديد من المشروعات العلمية الضخمة، ومنها إشرافه على ترجمة الموسوعتين العظميين؛ «تاريخ الأدب العربى» لكارل بروكلمان (صدرت فى أحد عشر مجلدا)، و«موسوعة التراث العربى» لفؤاد سزكين (فى عشرة مجلدات)، وهذان المشروعان، وحدهما، كفيلان بوضعه فى الصدارة بين أهم علمائنا ومثقفينا من أصحاب الإنجازات العظيمة.

أسعد الله أستاذى الجليل بكل خير ومتعه بالصحة والعافية، وأفاد أبناء وطنه وأبناء العربية والإنسانية كلها بوافر علمه وفضله.

 

التعليقات