الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 8:35 ص القاهرة القاهرة 16.9°

شارك برأيك

هل تؤيد إيقاف «شيرين» عن الغناء بعد واقعة «النيل»؟

«شمس» مصرية.. غابت

نشر فى : الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 9:20 م | آخر تحديث : الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 9:20 م
أعترف، بأن اعترافى بحقيقة الموت تأخر، بل تأخر جدا، إذ بقيت سنوات أو بالأحرى عقودا طويلة من عمرى كلما داهمتنى هذه الحقيقة الأزلية والأبدية أهرب إلى عقلية الطفولة التى غادرتها من زمن سحيق.

و.. رويدا رويدا، ومع تراكم حوادث فَقد الأحباب والأصدقاء والزملاء، وكذلك هؤلاء الذين ليسوا كذلك، بدأت بصعوبة بالغة أروض نفسى على نوع من القبول «المهزوز» بأن الموت قدر لا فكاك منه ولا مهرب، وأنه مٌلاحق البشر جميعا وكل الكائنات الحية حتى يصطاد كل واحد منهم فى وقته ودوره.

لست أعرف، أو لست متأكدا بالضبط متى أرغمت على قبول حقيقة الموت هذا القبول المهزوز، هل مع موت أبى، أو مع موت أمى من بعده؟ لا أدرى.. كل الذى أثق فيه هو اهتزاز قبولى بحضوره الثقيل فى حيواتنا.

ربما تسأل عزيزى القارئ، كيف يكون هذا الاهتزاز؟ فى الواقع لست أملك إجابة ولا أستطيع شرح الحالة، وإنما بمقدورى الآن وصفها.. لماذا «الآن»؟ لأننى ـ للأسف ـ أكابدها حاليا بعدما زلزلنى بعنف وقسوة قبل أيام قليلة، نبأ رحيل «شمس» من شموس هذا الوطن.. السيدة شمس الإتربى.

تقول العرب إن بعض الناس لهم من أساميهم نصيب، والحقيقة التى عايشتها سنينا طوال وأُشهد الله عليها، أن هذه السيدة أخذت من اسمها، تقريبا (ومن دون أية مبالغة) كل الأنصبة، وأبدأ بما يخصنى فقد كنت محظوظا بأننى واحد ممن غمرهم دفئها الطاغى الحنون، وقد تمتعت ثلثى عمرى بصدق وعمق إخلاصها وأخوتها، وصلابتها فى الشهامة (إلى درجة العناد) وكرمها الزائد والفائض عن الحد، فضلا عما حباها به المولى تعالى من قدرة معجزة على حب البشر، من دون تمييز.

بدأت بما خص العبدلله من شمائل شمس الإتربى، أما ما يخص الوطن الذى أنجبها، فلا تكفى أضعاف مساحة هذه الزاوية لذكر بعض من آيات وأدلة (كلها حسية ومادية) تشى بوطنيتها الرائقة الصافية وعشقها لأهل هذا البلد، خصوصا ملح الأرض الأرض منهم، الفقراء والبسطاء.

كانت، وهى سليلة عائلة من كبار أثرياء الريف، تمقت وتكره جدا التعالى على خلق الله الضعفاء البائسين، ولم تكن تقنع بمجرد التعاطف الإنسانى معهم وإنما تشفع ذلك بالأفعال والأعمال، ابتداء من سلوك، تكاد تظلمه إذا أكتفيت بوصفه بـ«الراقى» وهى تتعامل مع من أسعدهم الحظ بالعمل معها (لم تكن تستعمل أبدا تعبير «يعمل عندى»)، وانتهاء بانحيازها العقائدى التام لفقراء الوطن وانتمائها الأصيل والمعلن لمشروع وأفكار أبو الفقراء الزعيم العظيم جمال عبدالناصر.
كانت «شمس» تتمتع بوعى فطرى مرهف وعميق يقودها دائما إلى دعم وتأييد كل المكافحين من أجل رفع رايات العدالة والحرية على أرض مصر فوق أنقاض الاستغلال والقهر، كما ظلت طول الوقت تقف بحماس فى صفوف المنتصرين للتقدم وإشاعة نور العلم والثقافة والإبداع، وتعادى بشجاعة كل حراس ظلام العقول والتخلف والرجعية والجهل.

لقد جاهدت نفسى لئلا أتمادى فى ذكر آيات من أفضال شمس الإتربى وحضورها الساطع الأنيق فى حيوات من عرفوها، وأعود إلى وصف قبولى «المهزوز» بحقيقة الموت الذى حرمنى (وغيرى) والوطن منها، فسلوكى تجاه نبأ رحيل «شمس» ربما هو نموذج لكيف يتجلى هذا الاهتزاز، ففى مساء يوم حزين الأسبوع الماضى ومضت شاشة هاتفى المحمول برسالة من إحدى بناتها (صديقات العمر) حملت النبأ المشئوم، انفجر شلال الدمع من عيناى ولم أقو على إيقاظ زوجتى لكى أبلغها بالخبر، غير أننى لم أكن متأكدا إن كان ذلك إشفاقا عليها أم هروبا من اعتراف منطوق بالحقيقة المرة.. ثم مرت ساعات الليل ثقيلة لزجة (اللزوجة نفسها التى عرفت طعمها عندما رحل أبى وأمى فى المساء أيضا) وفى ظهيرة اليوم التالى اكتشفت أننى لم أهاتف زوجتى فى عملها فى الصباح كما تعودنا.. عندئذ تأكدت أننى أهرب.

لكن الخبر الحزين شاع، ولم يعد عندى أية وسيلة للهروب من أن أنطق (مرغما) الحقيقة بلسانى: لقد غافلنا الموت وضرب ضربته و«غابت شمس».

يبقى أن محاولاتى اليائسة لمراوغة الواقع بكل أوجاعه لم تنته إلى أن داهمتنى لحظة الحقيقة بينما أنا محشور بين مواكب أحباب وأصدقاء شمس الأتربى، وهم يزفون جثمانها إلى حيث الراحة الأبدية من وساخات الكذب والزيف والظلم والقبح والنفاق. 

شمس.. لا يليق بمثلك أن أقول وداعا، فإلى اللقاء.

 

التعليقات