الخميس 15 نوفمبر 2018 5:56 م القاهرة القاهرة 21.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

مقايضة على المستقبل

نشر فى : الإثنين 10 ديسمبر 2012 - 9:25 ص | آخر تحديث : الإثنين 10 ديسمبر 2012 - 9:25 ص

المشهد السياسى المأزوم تخيم عليه «مفاجآت اللحظة الآنية» على ما يقول تعبير روسى شهير.. ومصر الآن عند منحدر يأخذ منها سلامتها ومستقبلها.

 

مقايضة إلغاء الإعلان الدستورى بالذهاب إلى الاستفتاء على مسودة دستور مشوه تعمق الأزمة ولا تحلها، تدفع إلى صدامات أخطر ولا تمنعها، لا تؤسس لشرعية ولا توفر استقرارا.

 

الاستفتاء بلا توافق على مسودة دستوره مشروع حرب أهلية.

 

لم يكن من حق الدكتور «محمد مرسى» أن يصدر إعلانات دستورية، فهو رئيس منتخب تحددت صلاحياته فى إعلان دستورى صدر فى مارس (٢٠١١) أقسم اليمين على احترامه.

 

ارتفاع منسوب الغضب بصورة تقارب أجواء يناير بحسب وصف الصحافة الغربية أدى إلى التعطيل العملى لما انطوى عليه الإعلان «غير الدستورى» من انتهاكات فاضحة نالت من القضاء والعدالة وحصنت قراراته من الطعن عليها وفتحت المجال أمام العصف بمعارضيه كأنه «فرعون جديد». لا جديد إذن غير المراوغة فى غير محلها والتلاعب فى غير مواقيته، كأنه لهو بأعواد ثقاب فوق براميل بارود. الذين صمموا اللعبة الجديدة تصوروا أنها «نصف حل» يخاتل ويخدع، كأن هناك شيئا جديدا، أو تنازلا جرى يخفض حدة الاحتقان عند القوى الوطنية والثورية، واللعبة تقضى بإلغاء الاعلان الدستورى مقابل تمرير الدستور، شطب ما هو بطبعه موقوت لصالح ما هو بدوره دائم. المقايضة هنا على المستقبل، والدساتير لا تصنع بالغلبة ولى الذراع ورفع السيوف فوق الرقاب وخلط الأوراق بين الشرعية والشريعة، فالأولى، قضية نظام حكم وقبول سياسى عام.. والثانية، قضية قداسة دين لا يجوز بأية حال اقحامها فى صراعات السياسة بإضفاء صفات القداسة على ما هو متغير.

 

المقايضة على المستقبل تستدعى بدورها ضغوطا جديدة على الهيئات القضائية للإشراف على الاستفتاء وهو شرط لازم لشرعيته، بإدعاء أن الرئاسة استجابت لاعتراضاتهم على الاعلان الدستورى، وألغته بالكامل، وأن الدور جاء عليهم ليتولوا الإشراف على الاستفتاء بغض النظر عن المنع الجبرى للمحكمة الدستورية فى نظر الطعون بحق «التأسيسية».

 

فى المشهد الآن طرفان أحدهما يتصور أن فرصته حانت للتمكن من مفاصل الدولة، وأن هذه معركته الأخيرة.. والآخر يعتقد أن مواقفه تصنع مصائره، وأن هذه فرصته الأخيرة.

 

فى مثل تلك المواجهات تغيب القواعد وتذهب الحوادث المتدافعة إلى «مفاجآت اللحظة الآنية» كأن يبرز متغيرا جديدا يقلب المعادلات كلها.

 

الشرعية ومشروع الدستور عنوانان للأزمة المستحكمة، غير أن جوهرها الصراع على صورة المستقبل: أن تكون مصر منفتحة على عصرها وعالمها أم منغلقة على مواريث الاستبداد فيها؟

 

سؤال الأزمة هو سؤال المستقبل.. والقضية تتجاوز نصوص مشروع الدستور إلى فلسفة الدستور نفسه.

 

الشرعية مسألة قبول عام، والدكتور «محمد مرسى» يتصرف كرجل للجماعة فى القصر الرئاسى لا رئيسا منتخبا مؤتمن على الدولة وسلامة مواطنيها.. والدستور مسألة توافق وطنى، و«مرسى» يفتقد مقومات الدور الذى كان يتوجب عليه القيام به، فلا هو رئيس لكل المصريين، ولا هو قادر على رؤية العواقب فى مسألة مصير.

 

لم يكن أحد يتوقع أن تمضى موجات الغضب ضد الإعلان الدستورى إلى المدى الذى وصلت إليه ونالت بفداحة من شرعية الحكم منذرة بنهايات مبكرة، ولم يكن أحد يتوقع أن قوى اجتماعية بأكملها سوف تدخل ميدان المواجهات وتوفر ظهيرا صلبا لموجات الغضب، ولم يكن أحد يتوقع أن تجد الجماعة الأكثر تنظيما نفسها فى حالة حصار اجتماعى يفوق طاقتها على الاحتمال.

 

الأزمة تضغط على أعصابها لكنها تنكر حقائقها كأنها لا تعترف بأن هناك أخطارا تتبدى فى الأزمة مع القضاة والصدامات فى الشوارع.

 

إعلان «جمهورية المحلة» إشارة خطر لاحتمالات تحلل الدولة تحت رئاسة «مرسى» التى افتقدت الأهلية للحكم الرشيد، وذهبت للتصعيد فى مجتمع تغيرت حقائقه، ولم يعد قابلا للخنوع مرة أخرى، ووفرت الأسباب والذرائع لـ«مفاجآت اللحظة الآنية».

 

رجل الجماعة القوى «خيرت الشاطر» يقول فى الصباح إن الاستفتاء فى موعده، والرئاسة تكرر ما قاله فى المساء باسم حوار غابت عنه قوى المعارضة الرئيسية، وبدت مشاهد الحوار الرئاسى للخروج من الأزمة عبثية كأن الجماعة تحاور نفسها!

 

أزمة الجماعة تلاحقها أزمة شرعية تواجه رئيس ينتمى إليها، وقضية الشرعية تتجاوز القوة وفرض الإرادات على المجتمع، وعندما تذهب القوى فيه إلى حرب أهلية تسقط فى الوقت نفسه اية شرعية مدعاة وأى دستور يجرى الاستفتاء عليه بالقهر والتزوير معا.

 

المعنى هنا أن الفشل فى إدارة الدولة كان ذريعا، وأن سياسة الإقصاء والتهميش والاستعلاء أدت إلى إضعاف شوكتها فى مجتمعها والنيل من هيبة الرئاسة كما لم يحدث من قبل.

 

كان ذلك سوء تقدير فادح للأزمة وحقائقها الظاهرة والكامنة معا فى مجتمع رافض لإعادة إنتاج الاستبداد، هذه المرة باسم الدين.

 

عند مواجهة الحقائق فى لحظة فرض الإرادات والاستقواء على المجتمع فإن هناك حقيقتين برزتا بصورة جلية فى الحشود الاستثنائية حول قصر «الاتحادية» يومى الثلاثاء والجمعة الماضيين، أولاهما، أن الجماعات والتيارات الشبابية واليسارية والليبرالية توحدت بصورة غير مسبوقة تحت خشية الانقضاض النهائى على الديمقراطية.. وثانيتهما، أن شرائح مختلفة من الطبقة المدينية الوسطى التى تقطن منطقة «مصر الجديدة» و«مدينة نصر» هى صاحبة النصيب الأكبر فى الحشود.. والطبقة الوسطى بالتوصيف الاجتماعى «العمود الفقرى» فى أى مجتمع والقوة الحيوية فيه، فهى تضم المهنيين من قضاة وأطباء وصحفيين ومحامين ومهندسين وأساتذة جامعات وتجار ورجال أعمال وضباط جيش وشرطة، فضلا عن أنها تحتوى القوة الناعمة فى مجتمعها التى تنتج الثقافة والفكر والفن.

 

لم يحدث فى تاريخ مصر الحديث كله أن استتبت سلطة على مقاعدها دون أن يتوافر لها سند دعم من الطبقة الوسطى ركيزة المجتمع المدنى السياسى.

 

لا أحد بوسعه أن يصادر المستقبل لصالح جماعات مغلقة على نفسها منعزلة عن العالم، أو أن يقايض الأجيال الجديدة على مستقبلها، فقد خاضت تجربة ثورة يناير ودفعت فواتير الدم فيها باعتقاد أن مصر تستحق نظاما افضل.

 

مأزق الجماعة بات مستحكما، الاجيال الجديدة ترفضها والقوى الوطنية تعارضها والطبقة الوسطى المدينية تناصبها العداء. الغضب امتد إلى الأقاليم والفئات الأكثر فقرا بدأت تعرب عن ندم الرهان عليها.

 

لا يمكن لجماعة أن تكسب صراعا مفتوحا مع مجتمع تزعجه فى حاضره وتخيفه على مستقبله.. أضاعت فرصة الحوار فى توقيت ملغم باحتمالاته المفزعة ولم تعد تملك مع انصارها من الوسائل السياسية غير التهديد والوعيد للقضاة والاعلاميين بحصارين للمحكمة الدستورية ومدينة الانتاج الاعلامى كأننا أمام مشهد افتتاحى لمشروع دولة فاشية.