الخميس 15 نوفمبر 2018 7:55 م القاهرة القاهرة 20.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

بوابات الجحيم: ما قد يحدث

نشر فى : الأحد 10 ديسمبر 2017 - 10:05 م | آخر تحديث : الأحد 10 ديسمبر 2017 - 10:05 م
لم تكن تلك المرة الأولى، التى تستخدم فيها عبارة «بوابات الجحيم»، على نطاق واسع، تحذيرًا من عواقب لا سبيل إلى تجنب أهوال نيرانها.

قبل الاحتلال الأمريكى للعراق عام (2003) استخدمت العبارة نفسها دون أن يكون فى طاقة أحد توقع المدى الذى يمكن أن تذهب إليه التداعيات تخريبًا وقتلًا وتشريدًا لعشرات الملايين فى دول عربية عديدة. 

كما لم يكن أحد فى مراكز صناعة قرار الحرب مستعدًا أن ينصت لأى تحذير، فقد اتخذ وانتهى الأمر.

كان استهداف العراق ــ بذاته ــ مقصودا لإضعاف العالم العربى بإخراج ثانى قوة فيه ــ بعد مصرــ من أى معادلات وحسابات لصالح الدور الإسرائيلى وتمدده.

هذا ما جرى بالفعل، غير أن توحش ظاهرة الإرهاب إلى حدود غير متخيلة دفع بكتل النار إلى قلب العواصم الأوروبية، كما أفضت ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط، هروبًا من الموت إلى أزمات مستحكمة فى ذات العواصم.

بعد نحو خمسة عشر عامًا أقدم الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» على خطوة مماثلة تنذر ببوابات جحيم جديدة فى إقليم منهك وممزق، لكنه يجد نفسه أمام تحدٍ ينال من عقائده وحقوقه وكرامته على نحو مفرط فى إهانته.

القضية ليست أن تفتح أو لا تفتح بوابات الجحيم على خلفية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها.

لقد فتحت والتداعيات سوف تمتد لعشرات السنين، كما حدث بالضبط فى أعقاب نكبة (1948)، حيث نال التغيير أفكارًا ونظمًا فى العالم العربى ولم يبق شىء على حاله.

السؤال الأكثر جوهرية: بأى اتجاه تفتح بوابات الجحيم هذه المرة؟ أو من يدفع الثمن باهظًا: العرب كالعادة بأوضاعهم الهشة أم الولايات المتحدة وإسرائيل بحماقات القوة؟

الإجابة مفتوحة على سيناريوهات متناقضة.

فى المشهد الدولى إدانات متواترة للخطوة الأمريكية حتى بدت فى عزلة دبلوماسية كاملة، لا دولة واحدة مستعدة أن تتفهمها، أو تسايرها، فالعواقب ــ وفق بيان للاتحاد الأوروبى ــ تنذر بـ«عودة المنطقة إلى أوقات مظلمة».

التعبير الأوروبى يستلهم التحذير الشائع عن بوابات الجحيم.

إذا تقاعس العرب عن الوفاء بواجب الغضب فإن موجة الاستهجان الدولى قد تنكسر سريعًا، فلا أحد يحارب معارك الآخرين بالنيابة.

وإذا لم تكن هناك إجراءات فلسطينية وعربية وإسلامية لها قوة النفاذ فإن عبارات الإدانة والشجب سوف يتبخر أثرها، كأنها دخان بلا نار.

لماذا الاعتراف الأمريكى الآن بالقدس عاصمة لإسرائيل بعد أكثر من ربع قرن على القرار الذى اتخذه الكونجرس بنقل السفارة الأمريكية إليها؟

هناك سببان رئيسيان لجرأة الاستهانة.

الأول ــ هشاشة الوضع العام بالعالم العربى، كأنه ضرب على الحديد وهو ساخن، دون توقع ردات فعل سلبية على المصالح الأمريكية، التى اتخذ «ترامب» باسمها قراره.

والثانى ــ أزمة الرئيس الأمريكى الداخلية تحت وطأة التحقيقات، التى تحاصر كبار معاونيه فى التدخل الروسى بالانتخابات الأمريكية، مخاطبًا جمهوره اليمينى المؤيد لإسرائيل بأنه قوى بما يكفى لاتخاذ هذه الخطوة بغض النظر عن ردات الفعل العربية والإسلامية والدولية على عكس الرؤساء السابقين.

الكلام كثير فى العالم العربى عن الأثر السلبى لقرار «ترامب» على فرص التسوية السياسية، وأنه أنهى عمليا أى دور للراعى الأمريكى.

الفرضية صحيحة بإطارها العام، لكنها تحتاج إلى ما يؤكدها فى السياسات والتصرفات والتساؤلات الحرجة تداهم السياسات الخاملة.

إلى أى حد يمكن الرهان على قلب المائدة بإلغاء معاهدة «أوسلو» وحل السلطة الفلسطينية حتى يمكن عرض القضية أمام العالم على وجه صحيح: دولة احتلال وشعب يقاوم دون أى غلالات تتحدث عن عملية سلام أجهضت تماما بإعلان الإدارة الأمريكية القدس عاصمة لإسرائيل؟

وإلى أى حد يمكن للمصالحة الفلسطينية بين حركتى فتح وحماس أن تمضى للأمام دون أوهام التعلق بتسوية وفق حل الدولتين؟

وضع القدس من ضمن قضايا الحل النهائى، وهى عقدته الكبرى.

إذا كان الراعى الأمريكى قد حسم موقفه باستهتار بالغ بأى مواثيق وقرارات دولية، فما موضوع التفاوض؟

ما طبيعة أى مقايضة مفترضة، فلا أرض مقابل سلام، ولا عودة للاجئين، ولا تفكيك للمستوطنات، ولا دولة تتصل أراضيها، ولا سيادة محتملة؟

لا شىء يحصده الفلسطينيون مقابل كل شىء للإسرائيليين.

ذلك صلب ما يطلق عليها «صفقة القرن».

هناك من يراهن ــ أولاــ على خطوات أخرى فى «صفقة القرن» تتلو التحديد الأمريكى المسبق لوضع القدس، حتى يكون كل ما هو مطروح تحت عنوان «الدولة الفلسطينية» بقايا الضفة الغربية، بعد ضم المستوطنات، وغزة التى لا تقع تحت سيطرة قوات الاحتلال، والسعى لضم أجزاء من شمال سيناء إلى تلك الدولة على حساب مصر وأمنها القومى مقابل تبادل أراض، وهذه مسألة مستحيلة دونها زلازل وبراكين وحروب.

أرجو الالتفات ــ بكل جدية ــ إلى تصريح الرئيس التركى «رجب طيب أردوغان» من أن «دواعش الرقة» أرسلوا إلى سيناء دون أن يوضح من أرسلهم، ولماذا سيناء بالذات؟

هل ذلك الإرسال ــ على الأغلب من الولايات المتحدة ــ نوع من التمهيد لانتزاع شمال سيناء من الجسد المصرى وفق صفقة القرن؟

الخطر حقيقى لا افتراضى والتنبه لا بد أن يكون حازمًا.

وهناك من يراهن ــ ثانيا ــ على أن فورة الغضب العربية سوف تخفت بالوقت، وأن دولا أخرى بالعالم مرشحة لاتخاذ الخطوة نفسها تحت سطوة الأمر الواقع على ما قال رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتانياهو» تسليما بحقائق القوة المفرطة لا اعتبارات القانون الدولى.

الرهانات كلها على المحك.

لا الإدانات الدولية تكفى لإثبات مدى الضرر الذى قد يلحق بالإدارة الأمريكية المتهورة، ولا البيانات الإنشائية دون إجراءات ترقى لمستوى خطورة الموقف تصلح لتأسيس موقف يلهم الرأى العربى العام تماسكًا حقيقيًا، أو إقناعًا بجدية.

الأفكار المتداولة فى الكلام العام تقترح تجميد العلاقات مع الولايات المتحدة على جميع المستويات، غير أنها فوق طاقة النظام العربى الحالى المتدهور بقسوة.

هناك ما يمكن فعله غير بيانات الشجب والإدانة، مثل عدم استقبال نائب الرئيس الأمريكى مبعوثا من «ترامب» إلى دول الشرق الأوسط الرئيسية، أو استدعاء السفراء الأمريكيين لإبداء الاحتجاج.

الممكن رسميًا محدود والتوجه المحتمل ــ فى ظل الأوضاع الحالية ــ توقى غضب الرأى العام ببيانات إبراء الذمة.
والممكن شعبيا مفتوح نسبيا مثل تفعيل نداءات مقاطعة المنتجات الأمريكية، وقد شهدت مصر تجربة ناجحة إبان انتفاضة «محمد الدرة».

غير أن مستوى التفاعلات ــ بالعالمين العربى والإسلامى ــ يكاد يرتهن لما يجرى داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة، فهنا مفتاح الموقف كله.

إذا ما أخذت الانتفاضة الثالثة مداها فإن كل شىء سوف يأخذ مسارا مختلفا، أكثر حسمًا وجدية وردعًا للإدارة الأمريكية.
الأهم أن بوابات الجحيم لن تفتح ــ فى هذه الحالة ــ باتجاه العالم العربى، بل على الجانب الآخر الذى استهتر بفحش بأى حق قانونى وسياسى وتاريخى وإنسانى له فى القدس.