الأربعاء 18 يناير 2017 5:59 ص القاهرة القاهرة 10°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في حالة استفتاء الشعب على ضم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بم ستصوت؟

فى المطبخ أعرف من أنا

نشر فى : الأربعاء 11 يناير 2017 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 يناير 2017 - 9:20 م
لو طلب منى أن أختزل بيتى كله فى لقطة واحدة لاختزلتها فى المطبخ فى يوم شتوى بارد قررت أن أطبخ فيه وكأننى أحضر فيه لوليمة من دون ضيوف. ها أنا أقف بين قدرات وضعتها على النار، يخرج منها البخار محملا بروائح بهارات بينما أخلط الزبدة مع الطحين لأخبز كعكة. أختار من على رف البهارات ما سوف يعطى لما فى القدرة أهميتها، ويرفعها درجة أو درجتين على سلم الطبخ. رشة قرنفل من هنا، عود قرفة من هناك، ثم حبتا هال، وها نحن فى مرتبة الشرف. على يمينى يقف ابنى الأكبر يكيل السكر فى كأس قبل أن يزيده على عجينة الكعكة. يحدثنى عن يومه فى المدرسة، وأحاول أن أسحب منه بعض المعلومات عن والدة أحد زملائه، فأنا أراها فى المدرسة، لكنها لا تظهر أى ميل للحديث ولا أى استعداد لعلاقة اجتماعية، ويجعل ذلك منها طبعا شخصية مثيرة لفضولى.

أرفع الغطاء من على قدرة على النار فأشم رائحة القرفة فى مرقة الدجاج. أشق طريقى بين مكونات الأطباق المختلفة وفق خطة عمل بإمكانها أن تنافس خطة إعمار وطنية كاملة: الوجبة مكونة من عدة أطباق تمت دراسة تسلسلها بعناية، فعلى سبيل المثال الشوربة التى أعدها الآن سأقدمها فى الأول وإلى جانبها قطعة كبة كما جرت العادة فى الشام، حتى لا أسمع ملاحظة جدتى «هيك الشوربة حاف؟ وين قرص الكبة؟».

***

يدخل ابنى الثانى متذمرا من انشغالى ويزيد من حنقه أن يرى أخاه مشغولا معى، ففى ذلك إشارة إلى أننا استبعدناه من مشروع يجمعنى بأخيه، وتأكيد لشعوره بأنه الثانى وسيبقى دائما كذلك. أتدارك الموضوع، فأطلب منه أن يبشر قليلا من الجزر قد أستخدمه أو قد لا أستخدمه لاحقا، لكننى بحاجة أن أخترع مادة أتفاوض معه على أساسها حتى أتقدم فى خطتى الوطنية دون عراقيل، وحتى يفهم أن فى قلبى كل الأماكن هى «أول».

***

فى المطبخ أجد أجوبة عن كثير من الأسئلة التى تحيرنى، فحين أقف بين الرفوف أتخلى عن كثير من المواقف المسبقة، وأترك لعقلى مساحة أوسع يتحرك فيها، بعيدا عن الأماكن الأكثر رسمية كمكان العمل أو غرفة الاستقبال. فى المطبخ أفهم شعور الكاتب حين يجلس أمام أوراقه وآلته الكاتبة (أو قلمه الرصاص)، وأفهم أيضا الفنان حين يقول إنه يعبر عما فى نفسه من خلال الفرشاة والألوان. الطبخ فن، وكما أى نوع آخر من الفن، قد يعجب فنى بعض الناس ولا يعجب آخرين، لكن ما يهم فعلا هو أثر العمل على فى المقام الأول.

ففى يوم غائم أشتاق فيه للطفلة التى كنتها يوما، أزيد من الفانيليا فى الكعكة، فهى تذكرنى برائحة أمى حين كنت أعود من المدرسة مع صديقة، فتستقبلنا بدفء قلبها وحرارة وجنتيها. وفى مساء ضاق فيه صدرى من أخبار التغريبة السورية وصور الموت أسلق البرغل، ففى القمح رمزية استمرار الحياة، وهو غذاء يعتبر رئيسيا عند أهل بلاد الشام، تماما كالرز فى بلاد أخرى.

تدخل طفلتى الصغيرة إلى المطبخ وتستخدم كلماتها التى بدأت بنطقها حديثا فى محاولة لأن تفهمنا أنها هى الأخرى هنا معنا، ثم تجلس على الأرض فى طرف الغرفة وتمسك بيديها ملاعق الطبخ الخشبية تدق بها على أبواب الخزانة التى أمامها وتصفق وهى تضحك.

***

فى المطبخ أسرار تبوح بها الحيطان، عن قصص سمعتها منى وممن سكن البيت من قبلى، أوليس للحيطان آذان كما يقال؟ فى المطبخ أحكى لصديقتى عن آخر تطورات العمل والعائلة، كما حكيت لصديقات من قبلها، فى مطابخ فى مدن أخرى، عن آخر تطورات الحب والغرام والصداقات. للمطبخ قدرة عجيبة على انتزاع اعترافات الواقفين فيه، وكأن أبريق الشاى والماء تغلى بداخله عند العصر هو الإشارة إلى أن الوقت قد حان للبوح بما فى قلوبنا. نطفئ النار تحت الإبريق، نلقمه الشاى ثم نضع فيه أوراق النعناع الأخضر فيعطر الشاى الأسود برائحته السكرية.

فى المطبخ، حيث الكلمات أسهل وأكثر انسيابية جلست مع أصدقاء وصديقات فرقت بيننا الأيام، جلست مع جدتى لأمى وجدتى لأبى قبل أن يفرق بيننا الموت. فى المطبخ تعود كلمات من رحلوا، إذ فى كل مرة أطبخ فيها ما يذكرنى بهم. أتخيل يوما ما أولادى يسترجعون صباحنا هذا، وهم فى مطبخ فى بيت لا أعرفه فى زمن قد لا أكون موجودة فيه، تكون الصغيرة واقفة أمام طبق تخلط فيه ملعقتين من دبس الرمان، وتذوق محتواه ثم تتذكر ما أقوله اليوم كما قالته لى والدتى من قبلى: «لازم تحطى معلقة سكر حتى يزبط الطعم. وبالشام دايما منحط حبات الرمان فوق الفتة، لازم يكون صحن الفتة متل العروس: حبات الرمان فوق اللبن مشان يزهى قبل ما تحطيه عالطاولة».

فى المطبخ تتطاير الأسرار فتلتصق بالحيطان، ثم تعود بأصواتنا فتوشوش فى آذان من سيأتون من بعدنا. فى مطبخى حياة بأكملها، ورائحة بيوت قد لا أعود إليها، إنما أحملها معى فى علب القرفة و«مرطبان» السبع بهارات. فى مطبخى كلمات أمى وجدتى ودفء سنوات من الحب آمل أن تذوب فى أولادى كما ذابت فى كيانى فى الماضى. وكما قال محمود درويش عن دمشق«فى الشام أعرف من أنا وسط الزحام»، فى مطبخى أعرف فعلا من أنا.

 

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات