الأربعاء 14 نوفمبر 2018 1:30 ص القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

صراعات مراكز القوى: تجربة مبارك

نشر فى : الأحد 11 فبراير 2018 - 10:10 م | آخر تحديث : الأحد 11 فبراير 2018 - 10:10 م

قبل سبع سنوات ـ بالضبط ـ تخلى الرئيس «حسنى مبارك» مضطرا عن سلطة أمسك بمقاديرها لثلاثين سنة متصلة.

كان ذلك حدثا استثنائيا فى التاريخ المصرى الحديث، فهو أول رئيس يخرج من السلطة بقوة الثورة على نظامه منذ إعلان النظام الجمهورى.

وكان أول رئيس يحال إلى المحاكمات بتهمة قتل المتظاهرين فى احتجاجات «يناير» وتهم أخرى واحدة فيها تمس شرفه فى التصرف بالأموال العامة.

المحاكمات برأته من الأولى وأدانته فى الثانية.
بعد نحو عامين ونصف العام تعرض سلفه «محمد مرسى»، المنتمى إلى جماعة «الإخوان المسلمين»، فى ظروف مختلفة لمحاكمات أدين فيها.
وقد شهدت مصر تحت حكم أسرة «محمد على» ثلاث حالات عزل.
الأولى ـ بنفى الخديو «إسماعيل» خارج البلاد على خلفية الديون التى تراكمت وتحكم الدول الأجنبية فى الموازنة العامة.
كان ذلك تمهيدا لصعود نجله الخديو «توفيق» إلى سدة الحكم وإجهاض مشروعه العمرانى واستدعاء الاحتلال البريطانى المباشر لإجهاض الثورة العرابية.
والثانية ـ عزل حفيده «عباس حلمى الثانى» من نجله «توفيق» ونفيه بدوره إلى خارج البلاد فى ظروف الحرب العالمية الأولى على خلفية عدم ثقة سلطات الاحتلال فى ولائه لها، فقد كان صديقا للزعيم الوطنى الشاب «مصطفى كامل»، الذى رحل قبل عزله بأعوام.
والثالثة ـ عزل حفيد آخر هو الملك «فاروق» من نجله الملك «فؤاد» بقوة تدخل الجيش فى ثورة (23) يوليو.
هكذا انتقل عزل الولاة والحكام من إدارات الاحتلال إلى إرادات الشعب.
نفى الإرادة الشعبية فى عزل «مبارك» و«مرسى» على التوالى يسحب من المجتمع المصرى شرف تضحياته وآماله ـ حتى لو بدا أنها قد ذهبت سدى.
لماذا.. وكيف سقط نظام «مبارك»؟
كان السقوط محتما بأثر الجمود الطويل فى السياسات والوجوه.
الجمود الطويل، كما العصبية الزائدة، لا يؤسسان لاستقرار دولة تثق فى نفسها ويثق فيها شعبها.
كما أن ثورة المعلومات والاتصالات جعلت من المستحيل أن يستقر حكم فرد على رضا عام.
وكان السقوط محتما بغلبة التفكير الأمنى على أى تفكير آخر.
الاعتبارات الأمنية لها أهميتها، لكنها لا تصلح أساسا للحكم وإدارة مقاليد الدولة.
لم تكن لدى «مبارك» أى خبرة سياسية يعتد بها تمكنه من إدارة الدولة، وتكفل مستشاره السياسى الدكتور «أسامة الباز» بسد الفراغ قبل أن يستبعد من أى مهمة فى سنوات النظام الأخيرة.
فى بداية حكمه برزت بجواره شخصيات محنكة مثل رئيس الحكومة الدكتور «فؤاد محيى الدين»، ورئيس مجلس الشعب الدكتور «رفعت المحجوب»، اللذين يمتلكان دراية واسعة بجهاز الدولة وبأساسيات العمل السياسى، التى لا تصح بدونها إدارة دولة.
كانت البدايات واعدة، فقد أفرج عن نحو ألف معتقل من أبرز الشخصيات العامة والسياسية والدينية، كأن البلد وضع كمّادة ثلج فوق رأسه الملتهب.
كان توتير المجال العام باعتقالات سبتمبر داعيا إلى انهيار هيبة الرئاسة واغتياله بعد شهر واحد فى حادث المنصة الدموى.
هذا ما أدركه «مبارك» فأفسح مساحة ملموسة من حريات التعبير، على ما تبدى فى صحافة المعارضة بالثمانينيات.
فى سنواته العشر الأولى كان وزير الدفاع المشير «محمد عبدالحليم أبو غزالة» شريكا حقيقيا بالحكم.
عند اغتيال «السادات» سأله «فؤاد محيى الدين»: «ماذا نفعل يا فندم.. ليس أمامنا غيرك أنت أو النائب؟».. أجابه: «الأخ مبارك طبعا».
فى عام (1986) اضطر «مبارك» لإنزال الجيش لوأد تمرد الأمن المركزى، وقد أعاد «أبو غزالة» السلطة لـ«مبارك» بعد إتمام المهمة، على النحو الذى فعله المشير «محمد عبدالغنى الجمسى» بأعقاب انتفاضة الخبز يومى (18) و(19) «يناير» (1977).
الجيش المصرى ليس انقلابيا.
هذه حقيقة لا شك فيها.
وقد كان تدخله فى «يناير» و«يونيو» محكوما بإرادة شعبية، بغض النظر عما حدث بعد ذلك.
كما كان تدخله فى ثورتى «عرابى» و«يوليو» لأسباب وطنية محضة.
الأولى ـ رفضا للتمييز ضد المصريين.. والثانية ـ طلبا للتحرر الوطنى من الاحتلال البريطانى.
بتعبير الأستاذ «محمد حسنين هيكل»، وهو يتابع حركة الأحداث فى الأيام الأولى من ثورة «يناير»: «الجيش يعطى ولاءه كاملا للرئاسات شرط أن تلتزم الشرعية وسلامة البلاد».
وقد سجل تلك الرؤية فى مقال نشرته صحيفتا «الشروق» و«المصرى اليوم» بالتزامن قبل إطاحة «مبارك».
عندما انتقلت الشرعية من «القصر الرئاسى» إلى الشوارع والميادين وقف الجيش بقيادة المشير «محمد حسين طنطاوى» حيث موقعها الجديد.
بأى حساب تاريخى منصف ذلك يحسب له والكلام عن أن «مبارك» تخلى عن السلطة اختيارا لا يستند إلى أى دليل مقنع.
لم تكن أمامه أى خيارات غير التخلى عن السلطة.
كانت النهايات محتمة والحوادث تمضى إليها قبل سنوات طويلة.
كاد أن ينعزل عن العالم فى شرم الشيخ، لا يستمع إلى نداءات التغيير قائلا: «خليهم يتسلوا»، ولا يلتفت إلى مدى الغضب العام من مشروع «التوريث» الذى امتد إلى داخل المؤسسة العسكرية والمخابرات العامة، بما أفضى إلى مصالحة بعد فتور بين رجليها المتنافسين المشير «طنطاوى» واللواء «عمر سليمان».
لم يكن «مبارك» نفسه مقتنعا ـ بحكم معرفته بالطريقة التى صعد بها للسلطة ـ أن مشروع «التوريث» ممكن، لكنه تركه تحت ضغط أسرته يتمدد فى بنية الإدارة العليا وخياراتها الاقتصادية فى زواج معلن بين السلطة والثروة.
كان تفشى الفساد المقنن والمنهجى فى إدارة الأموال العامة داعيا إلى سقوط النظام فى عيون مواطنيه الذين يعانون من وطأة الحاجة.
فى تلك البيئة المحبطة خرجت إلى العلن صراعات مراكز قوى بين الحرسين القديم والجديد، أفضت إلى هز هيبة الدولة والثقة فى قدرتها على الوفاء بأبسط مهامها.
الأول ــ يراهن على تمديد الحكم للرئيس لدورة جديدة فى خريف (2011) لقطع الطريق على رجال الوريث، الذى وصفهم المشير «طنطاوى» بأنهم «شوية عيال أمريكان» ـ كما نشرت فى حينه على صفحات جريدة «العربى».
وقف فى صف ذلك الخيار الحرس القديم كله، بينهم «صفوت الشريف» أمين عام الحزب الوطنى والدكتور «زكريا عزمى»، رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى اللواء «عمر سليمان» الذى كان يطمح لتعيينه نائبا حتى يكتسب صفة المرشح الطبيعى لخلافة «مبارك».
فى أيامه الأخيرة عينه «مبارك» نائبا للرئيس، غير أن الوقت كان قد فات.
أحد الأسباب التى عجلت بالسقوط المدوى عدم إدراكه لأهمية توقيت القرارات، فلكل قرار توقيته.
إذا أفلت التوقيت ضاعت فرصته فى التحكم بمسار الأحداث.
والثانى ــ يتعجل نقل السلطة فى حياة الرئيس ضاغطا على أعصاب الدولة رهانا على قوة الأمن واستعداد اللواء «حبيب العادلى» أن يكون هو وزير داخلية «التوريث».
تصورت لجنة السياسات فى الحزب الوطنى، التى كان يترأسها الوريث المحتمل، أنه يمكن تجاوز قواعد الدولة والنظام الجمهورى رهانا على قبضات الأمن، وكان ذلك كارثيا.
بالتوقيت نفسه كانت الانتخابات النيابية عام (2010)، التى شهدت تزويرا غير مسبوق فى صناديق الاقتراع، بمثابة إغلاق نهائى لأى نافذة أمل فى إصلاح النظام من الداخل.
هكذا وصلنا إلى (11) فبراير وسقط النظام بإرادة شعبه.