الأحد 18 نوفمبر 2018 12:25 ص القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

عن «التصالح» .. مع المستقبل

نشر فى : الأحد 11 مايو 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 11 مايو 2014 - 8:00 ص

يظن البعض أن بإمكانه أن يتناسى أخطارا بادية فى الأفق؛ إرهابًا أو استبدادًا أو مجتمعًا منقسما، منشغلا بصخب سباق رئاسى أو بمنع فيلم سينمائى أو بمعركة إثبات نسب لتوأم لا علاقة له بالخلاف القضائى الدائر حوله، ولكنه ككل الجيل القادم سيرث مستقبلا أخشى أننا نعمل الآن جميعا على إضاعته؛ حمقا تارة، أو نكاية فى الطرف الآخر تارة أخرى، أو عدم إدراك لواقع عصر جديد فى كل الأحوال.

•••

على باب محكمة إلمنيا - تصوير: روجيه أنيس - الشروق

الثلاثاء الماضى، شاهدت على الهواء مباشرة لقاء السيد عمرو موسى فى معهد الشرق الأوسط فى واشنطن. أسئلة الحاضرين تمحورت حول أحكام الإعدام وحبس صحفيى الجزيرة والإقصاء السياسى للإخوان المسلمين، فضلا عن محاولة قمع وتشويه شباب ٦أبريل؛ صاحبة الدور المهم فى مواجهة كل من حكمى مبارك والإخوان. وكان أحد الدبلوماسيين المصريين البارزين قد شكا لنا ظهيرة اليوم ذاته كيف أننا فى كثير من المحافل الدولية نضطر لأن نكون مدافعين أو defensive حسب التعبير الذى استخدمه ويعرفه الدبلوماسيون جيدا.

ربما بيننا من لا تعنيه «الأسئلة» لأنها أمريكية، وربما يخرج علينا «أحدهم»، وهم كثير هذه الأيام، ليقول لنا إن «الحرية» التى تتحدثون عنها خطر، ومفهوم مستورد (أو «بدعة» فى خطاب آخر) وما هى إلا مؤامرة أمريكية، «بدليل أن لها تمثالا فى نيويورك». أرجوكم لا تستغربوا، فليس بعيدا عن هذا كثيرٌ مما سمعنا وقرأنا على مدى السنوات الثلاث الماضية، منذ أن حاول «بعضهم» مبكرا جدا (أبريل ومايو ٢٠١١) أن يثبت أن ما جرى فى يناير كان «محض مؤامرة».

سواء سأل الأمريكيون عمرو موسى أو لم يسألوا، وسواء أجاب الدبلوماسى المخضرم إجابات «دبلوماسية» من قبيل أن القضاء مستقل، وأن الإخوان موجودون وبإمكانهم المشاركة فى انتخابات البرلمان المقبل (!!)، إلا أن أسئلة «المصريين»، أو بالأحرى «سؤال اللحظة» يظل حاضرا:

كيف يمكن الخروج من «اللحظة البندولية» تلك لنمضى إلى المستقبل؟ وكيف يمكن «واقعيا» إيقاف دائرة العنف الجهنمية تلك؟ وإلى أى مدى يمكن أن يتنازل المجتمع عن حريته، والجيل الجديد عن مستقبله بدعوى أن لا صوت يعلو على صوت محاربة الإخوان؟ وهل تنجح مقايضة الأمن والرفاه الاقتصادى بالديموقراطية وحقوق الانسان (كما هى سياسة أردوجان)؟ بل وأيضا هل ستنجح تلك السياسات أصلا فى أن تأتى لنا بالأمن والرفاهية؟

•••

عدا أصوات مازالت «ينايرية» أو تلك التى عبرت عن قلقها لمدى «عملية وواقعية» تصريحات بدت وكأنها لا تعير اهتماما واجبا لتماسك الجبهة الداخلية (ناهيك عن مدى اعترافها بضرورة الديموقراطية)، سرعان ما نصبت حلقات الزار الإعلامى احتفالا بما «صوروه» حسما لمعركتنا مع أولئك «المواطنين الأعداء». وكالعادة لم يدرك «الدببة» ما يفعلون بصاحبهم.

ففضلا عن أن أحدا لم يراجع المادة ٥٣ من الدستور التى تنص على «عدم التمييز بسبب الانتماء السياسى»، بدا وكأن أحدا لا يريد، أو ربما لا يملك الشجاعة ليخرجنا من هذه الدائرة المغلقة.

كما بدا، على الأرض أننا مازلنا ندور فى الدائرة الجهنمية المفرغة ذاتها. قبل أيام سمعنا عن أحكام وقرارات، لولا ما يستوجبه القانون من استطلاع رأى المفتى، فضلا عن حتمية «الطعن بالنقض»، لأوصلت مرة واحدة ألفا ومائتين إلى حبل المشنقة (عدد أحكام الإعدام التى صدرت فى تاريخ القضاء المصرى كله ١٤٢٩ حكما) وفى الأسبوع ذاته سمعنا عن قرارات بحرمان عدد كبير من طلبة الجامعات من الامتحانات التى بدأت فعلا، فضلا عن قرارات شبه يومية بفصل طلاب آخرين. كما قرأنا عن قرار بحبس ياسر على احتياطيا للمرة الثامنة ١٥ يوما دون محاكمة (!) ثم قانون جديد لبيع ممتلكات الدولة يجعل ما جرى من تنكيل بهشام قنديل محل تساؤل. ثم عن قرار لن نتحدث عن مدى قانونيته بحظر نشاط ٦ أبريل؛ التى كانت ضمن من دعا إلى ٢٥ يناير ثم ٣٠ يونيو (!) ثم كان، رغم ذلك كله أن اطلعنا على تقرير يقول بأن عدد الضحايا من رجال الشرطة وصل إلى ١٩٠ فى خمسة أشهر (معظمهم جنود بسطاء لا علاقة لهم «بالخناقة») .. فضلا عن أخبار يومية عن قنبلة «بدائية» مزروعة هنا أو هناك. ثم لم ينته الأسبوع ذاته حتى سمعنا عن إضراب لأمناء الشرطة «لا غيرهم» احتجاجا على ما وصفوه بقمع رؤسائهم وسوء المعاملة والتعسف فى استخدام السلطة.

ثم ترافق ذلك كله مع الحادث الذى أودى بحياة أحد الشباب الذين كنت قد راهنت على نجاحهم فى أن ينأوا بضمائرهم نقية بعيدا عن حالة الجنون التى تأكل الوطن «باسم صبرى». ورغم ما بدا يومها على مواقع التواصل الاجتماعى (العالم الموازى الذى نقرأ فيه الجيل الجديد) من إجماع على تقدير أخلاق الراحل ورثائه، ورغم موقفه الواضح من إدانة ما يتعرض له الإخوان «ومن معهم» من قمع وانتهاكات لحقوق الإنسان. ورغم تأكيده كل يوم على أننا شركاء فى الوطن، وليس من حق أينا أن يقصى الآخر. إلا أن أصواتا ناشزة قوية عبرت يومها عن شماتتها «هكذا» فيما جرى للرجل لمجرد أنه كان مع الملايين التى نزلت الشوارع فى الثلاثين من يونيو. وكنا، للأسف قد شهدنا الأمر ذاته عند رحيل السكندرى النبيل «محمد يسرى سلامة» الذى كان رغم لحيته، وانتمائه للسلفيين عضوا مؤسسا لحزب الدستور، ومن أشرس المدافعين عن البرادعى.

إلى أين نحن إذن ذاهبون بكل هذه الدماء والمرارات والكراهية؟

السؤال حقيقى، لا مبالغة فيه ونحن على أبواب «معركة مستقبل» صعبة. ونعرف، كما يعرف قبلنا العسكريون أن لا فرصة لنصر فى أى معركة مالم تكن جبهتك الداخلية متماسكة.

لا أظننا بحاجة إلى إيضاح كم هى المعركة صعبة، والتحديات كثيرة؛ سواء من ناحية «أمن قومى» يحتاج أن يضع فى حسبانه عالما يتغير وعصرا يموج بالجديد، فضلا عن وضع إقليمى مضطرب ومرتبك، أو من ناحية اقتصاد منهك يستنزفه المحتاجون، ويتربص به الفاسدون «العائدون». أو حتى من ناحية متطلبات مستقبل إن لم تلب متطلباته وتلحق بقطاره المتسارع، ستنفصل عنك أجيالك الجديدة، وتصبح حتما خارج التاريخ.

لا أعرف إن كان بيننا من يدرك ذلك «حق قدره»، ولكن لا شىء على الأرض يدعو إلى التفاؤل.

•••

قبل أن تسيل الدماء فى رابعة، وتحديدا فى الحادى عشر من أغسطس الماضى «وحقنا للدماء وحفاظا على الوطن،» كتبت فى هذا المكان أسئلة إلى الإخوان «ومن معهم»، إلا أن ضجيج «المنصة» وخداعها، كان كفيلا بأن تضيع الأسئلة يومها فى ضباب الأوهام. وفى هذا المكان أيضا (٢٥ أغسطس ٢٠١٣)، كتبت بعدها إلى من أطاحوا بحكم الإخوان أسئلة ضاعت أيضا وسط صليل سلاح اغتر بقوته، بعد أن نسى أصحابه أن «للسلاح حدودا» لو تجاوزها لأخطأ الهدف. ولعلى لا أبالغ لو قلت إن لو كان هؤلاء أو هؤلاء قد تمعنوا فى هذه الأسئلة أو تلك، ما كنا ربما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وما كانت الدائرة المفرغة تلك قد اكتملت.

•••

لا أحد ينكر ما فعله الإخوان ومن معهم بهذا الوطن، وبثورته، وبأحلام شبابه. ولكن أرجوكم عودوا إلى أسئلة أغسطس التى تجاهلناها. ثم عودوا إلى أرقام هذا المقال (الإعدامات وفصل الطلبة والتفجيرات وضحايا الشرطة ... الخ) هل نجحت عصا القمع / الردع الغليظة، أمنية أو قضائية؛ بما فى ذلك التوسع فى قرارات الحبس الاحتياطى فى أن تأخذنا خطوة إلى «الوطن» الذى نريد؟ بل هل نجحت حتى فى أن تأخذنا بعيدا عن دائرة العنف اليومية تلك؟

دعك من حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف، ودعك من احترام للدستور هو أساس للاعتراف بأن هناك «دولة» من الأساس (قارن بين ما يحدث فى الواقع وبين نصوص المواد من ٥١ إلى ٩٣، وكذلك الباب الرابع الخاص بسيادة القانون) وكن حتى «شيطانا براجماتيا». فإذا كانت لا تعنيك غير النتائج، أرجو أن تجد وقتا لتسأل نفسك بهدوء: هل نجحت تلك السياسات فى أن تحقق لك ما تصبو إليه من نتائج؟ هل ينحدر منحنى الإرهاب أم يتصاعد؟ هل تقل وتيرة العنف أم تزداد؟ هل أصبح المستقبل أكثر أمنا، أم على العكس؟ هل أصبحت أكثر قبولا أو تفهما فى مجتمع دولى لا يمكنك بحال تجاهله؟ أظننا نحتاج إلى أن نكون أقل إنكارا للحقائق وأكثر صدقا مع أنفسنا. وإلى أن ندرك من الدروس القريبة أن الإخوان عندما فاتهم ذلك، وصلوا وأوصلونا إلى ما وصلنا إليه.

وأظننا نحتاج إلى مقاربة أخرى. وأظن أن علينا أن ندعو إلى جلسات «عصف ذهنى» متعمقة. يشارك فيها مفكرون وباحثون، وربما خبراء فى تجارب دولية مشابهة، يضعون أهواء السياسة والساسة جانبا لمحاولة الإجابة عن أسئلة أحسب أن لا خطوة على الطريق إلى المستقبل دون التصدى لها، وأهمها ربما: ماذا نفعل «واقعيا»، وبمعايير «القانون المجرد» لا غيرها مع «كل هؤلاء» المواطنين، أكرر «المواطنين» المرتبطين بالإخوان المسلمين؟

ولعل الاجتهاد فى الإجابة يكون موضوعا لمقال قادم.

•••

وبعد..

أكرر ما لا أظن أنه بحاجة إلى تأكيد من أن «وحدة الجبهة الداخلية» شرط لا غنى عنه لأية معركة، سواء كانت فى ميدان القتال، أو حتى مع تحديات النهضة والتقدم.. والمستقبل. إن الاعتراف بالواقع، وبحق الجميع فى الوجود فضلا عن حقهم فى الاختلاف، مع الإدارة الناجحة للتنوع هو الطريق الوحيد الذى عرفه العالم الحديث للتقدم والنهضة. وأعيد التذكير بأننى أعرف جيدا أن سجل ما سمى بجماعات الإسلام السياسى، لاعتبارات بنيوية مفهومة (لا بد من حسمها أولا وبكل حزم) لم يكن أبدا جيدا فى هذه الناحية. ولكن الخطأ لم يكن أبدا ليبرر الأخطاء المماثلة، بل لعل من الحكمة أن تكون تجارب الآخرين الفاشلة درسا لمن يريد أن يتجنب فشلا مماثلا فى قادم الأيام.

وأعود لأكرر أن تدابير «العدالة الانتقالية» التى تنكر لها الجميع، والتى تستهدف فى نهاية المطاف مجتمعا متصالحا مع نفسه، هى الطريق الذى جربه من سبقونا للخروج من مثل ما نحن فيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

ــ أسئلة إلى الإخوان

ــ وأسئلة إلى من أطاحوا بهم

ــ الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية

ــ الدستور المصري

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات