الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 10:50 ص القاهرة القاهرة 23.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

ما بعد عودة الدولة

نشر فى : الأربعاء 11 يونيو 2014 - 9:35 ص | آخر تحديث : الأربعاء 11 يونيو 2014 - 9:35 ص

أمام وضع جديد توافقت بصورة نادرة التغطيات الإعلامية المحلية والدولية على أن الدولة عادت. لم يختلف تعليق عن آخر فى التوصل إلى الاستنتاج ذاته.

وبغض النظر عن أية رؤى متناقضة فإن الحقيقة الأساسية أكدت نفسها فى وقائع تنصيب الرئيس الجديد التى بدت صورها متقنة بأكثر من أى توقع سبقها.

فى الصور تجلت قدرة الدولة على «اختراع التقاليد» بتعبير المؤرخ البريطانى الشهير «إريك هوبسباوم» فى حلف اليمين أمام قضاة المحكمة الدستورية العليا وتوقيع وثيقة تسليم السلطة بين رئيسين على مرآى من الوفود الدولية فى قصر «الاتحادية».

وفى الصور ثلاث شرعيات تداخلت لكل منها أساس تستند عليه وتساؤلات حول مستقبلها.

الشرعية الأولى «دستورية»، فالرئيس صعد إلى موقعه عبر صناديق الاقتراع وفق قواعد وإجراءات قانونية شهدت المراقبات الدولية بسلامتها غير أن البيئة العامة دعتها للتساؤل عن مستقبل الحريات العامة وحق الاختلاف المنصوص عليها دستوريا.

فيما بعد التنصيب فإن هناك اختبارا أساسيا لمدى الالتزام بما تقتضيه التقاليد الحديثة من الدستور وقيمه الرئيسية فى الحريات العامة وحقوق المواطنة وأن تكون الدولة مدنية ديمقراطية وعادلة.

وهذا صلب ثورتى يناير ويونيو.

بحسب المعلومات المتواترة فإن الرئيس الجديد فكر فى إغلاق أزمة الدولة مع شبابها وأن يبدأ عهده بعفو رئاسى عن المحكومين وفق قانون التظاهر وأن يطلب تعديله طبقا لملاحظات المجلس القومى لحقوق الإنسان غير أن الإجراء لم يتخذ فى توقيته وجاءت التعهدات العامة التى وردت فى خطاب تنصيبه بلا التزامات محددة.

الشرعية الثانية «شعبية»، وهذه أصل الشرعيات، والمفهوم الرئيسى لشرعية أى نظام هو مدى ما يحوزه من قبول عام.

من معضلات الرئيس الجديد أن شعبيته سبقت سياساته، وهو وضع معكوس ليس له مثيل فى التاريخ المصرى الحديث.

الثقة العامة فيه تأسست على دوره فى حماية مجتمعه من سيناريوهات الاحتراب الأهلى والرهان عليه تجاوز شخصه إلى الأمل فى عودة الدولة.

غير أن للحكم تبعات أخرى وتحديات مختلفة والشعبية قد تتقوض إن لم تسندها سياسات مقنعة.

الأمن والاقتصاد القضيتان الأكثر إلحاحا.

فى قضية الأمن تضاربت الصور فى يوم واحد بين إثبات القدرة الميدانية على تأمين التنصيب الرئاسى والحيلولة دون أية عمليات إرهابية وبين العجز الفادح فى حماية فتيات شاركن فى احتفالات الميادين العامة من وقائع تجاوزت التحرش الجنسى إلى حالات اغتصاب وفق تقارير حقوقية.

المعنى أن الأمن السياسى نجح والأمن الجنائى فشل، وهذه قضية تستدعى تدخلا حاسما وإجراءات لا تردد فيها لإنفاذ القانون وإعادة الانضباط إلى الشارع.

الظاهرة تعكس خللا مروعا فى القيم الاجتماعية العامة غير أن الردع الأمنى والقانونى ضرورى لوقف تمددها.

وفى قضية الاقتصاد فإن الرئيس اكتفى فى خطاب التنصيب بالتعهدات العامة دون أن يرفقها إجراءات تخفف المعاناة الاجتماعية عن الفئات الأكثر عوزا على ما كانت ترجح التسريبات.

بصورة أو أخرى فهو مدعو لاتخاذ حزمة إجراءات أولية تؤكد صحة الرهان العام عليه.

فى القضيتين تتعدى الإجراءات طبيعتها المباشرة إلى صلب مسألة الشرعية، فالذين صوتوا له فى صناديق الاقتراع بلا حشد تنظيمى أو رشى انتخابية وخرجوا للشوارع للاحتفال بوصوله لرئاسة الجمهورية راهنوا على عودة الدولة ورفع الظلم عن كواهلهم.

الاحباط يقوض الشرعية والشعور بأن شيئا لم يتغير فى طبيعة السلطة وتوجهاتها يفضى إلى عواقب وخيمة لا يتحملها بلد منهك.

هو رجل أمام اختبار شعبيته وسياساته وحدها من تحكم عليه.

الشرعية الثالثة «الاعتراف الدولى»، وهذه ضرورية لاستقرار أى نظام سياسى، فلا أحد يعيش خارج عالمه.

وقد نقلت مشاهد التنصيب المتقنة الاعتراف الدولى بتحولات (٣٠) يونيو إلى سياق آخر وأفق جديد.

هناك من أزعجه الإفراط فى الاحتفالات لكنها كانت استثمارا استراتيجيا عوائده تبررها. فالمجتمع اكتشف من جديد أنه ينتمى إلى دولة عريقة بعد أن كاد ييأس من وجودها أصلا والعالم يتعرف على قدرات كامنة فى بنية دولة تنتسب إلى أقدم الحضارات الإنسانية تصور أن زمنها راح إلى الأبد.

غير أن شرعية الاعتراف الدولى بدرجاته المختلفة قد يضيع زخمها ما لم تكن هناك مبادرات تقتنص فرصها الماثلة.

فى المشهد مقدمات تحالف خليجى مصرى أردنى قد يتسع لدول عربية أخرى.

مستويات التمثيل فى حفل التنصيب تؤشر لمثل هذا التحالف، وهذا تطور جوهرى فى بنية النظام الإقليمى العربى.

السؤال الرئيسى هنا: إلى أى حد تؤثر الأزمة الاقتصادية المصرية على وزنها النسبى فى هذا التحالف المتوقع؟

بصيغة أخرى: إلى أى مدى ندرك حاجة الخليج الماسة أن يرى مصر واقفة على قدميها اقتصاديا حتى تحفظ للإقليم توازنه ولدوله سلامة أمنها؟

الشراكة ولا أقل منها المطلب المصرى الذى لا تنازل عنه.

هذا اختبار جوهرى لرئيس يسأل: «كيف أكون امتدادا طبيعيا لجمال عبدالناصر فى عصر جديد؟».

فى المشهد وما بعده رسائل لها مغزاها.

فالولايات المتحدة التى كان تمثيلها منخفضا تبدو أكثر استعدادا لإجراء تفاهمات مع الرئاسة الجديدة ترفع بمقتضاها بأقرب وقت ممكن التجميد الجزئى على معوناتها العسكرية وتمنع مزيدا من التدهور فى العلاقات بما يضمن مصالحها الاستراتيجية فى أكثر مناطق العالم أهمية واشتعالا.

وروسيا التى مثلها رئيس برلمانها حاملا رسالة من الرئيس «فلاديمير بوتين» يدعو نظيره المصرى إلى زيارة موسكو تراهن على دور أكثر توازنا للقاهرة فى المعادلات الإقليمية ومصالح استراتيجية واقتصادية مشتركة تدخل فيها صفقات أسلحة متقدمة.

درجات الاهتمام الدولى لا تعكسها بدقة مستويات التمثيل فى حفلات التنصيب.

وهناك رسائل أفريقية باحتمالات عودة مصرية قريبة للاتحاد الأفريقى وحلحلة أزمات معقدة أهمها سد النهضة الأثيوبى ورسائل ومبادرات إقليمية محتملة تستدعى التوقف عندها.

بحسب معلومات موثوقة فإن السلطات الإيرانية احتارت فى مستويات تمثيلها بين اتجاهين.

الأول أن يمثلها رئيسها «حسن روحانى» وكانت مشكلته أنه لا توجد علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء بين القاهرة وطهران.

يبدو أن السلطات الإيرانية توقعت إشارة مصرية بقرب عودة العلاقات بين البلدين حتى يتسنى لرئيسها حضور حفل التنصيب.

الثانى أن يمثلها مسئولا كبيرا فى وزارة الخارجية أقل من الوزير بروتوكوليا لكنه أقوى منه سياسيا.

المبعوث الإيرانى الذى شارك فى التنصيب الرئاسى يحسب على معسكر الصقور ومن مقربى المرشد العام «آية الله على خامنئى».

هناك تسريبات لم يتسن تأكيدها عن مبادرة إيرانية محتملة لاجتماع يضم إليها مصر والسعودية وتركيا وقطر.

مشروع المبادرة الإيرانية يصطدم بحقائق أساسية على الأرض لكنه يتسق مع مصالحها وتحالفاتها.

المثير فى الاقتراب الإيرانى أنه مستعد للمشاركة فى مؤتمر المانحين الذى دعا إليه العاهل السعودى لدعم الاقتصاد المصرى والمؤتمر نفسه تعترضه تساؤلات بلا إجابة عليه حتى الآن:

ما الجهات والدول العربية والدولية التى سوف تدعى إليه؟.. ما أجندته التفصيلية وأين موقع اجتماعاته؟.. وما حدود قدرته على دعم اقتصاد ديونه المحلية والأجنبية تجاوز تريليونى جنيه مصري؟

التساؤلات الحقيقية تبدأ الآن وأخطر ما قد يعترض المستقبل وفرصه الماثلة أن تتصادم السياسات مع شرعيتها وأن تفتقد الدولة العائدة عدالتها.