الأحد 18 نوفمبر 2018 7:29 م القاهرة القاهرة 22.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

الجماعة والمجهول

نشر فى : الأحد 11 يونيو 2017 - 10:05 م | آخر تحديث : الأحد 11 يونيو 2017 - 10:05 م
التاريخ مادة السياسة وظلال الماضى ممتدة إلى المستقبل.
بقدر صحة الحقائق والمعلومات الأساسية يكتسب أى سجال عن الماضى صحته وقدرته على تصحيح وتصويب الحركة العامة للمجتمع أمام تحدياته المستجدة.
أى سجال يحتاج إلى إطار عام يحكمه، يعرف موضوعه ويلم بوثائقه المؤكدة ويحتكم إلى ما هو ثابت تاريخيا.
عندما يغيب هذا الإطار فإن السجالات تمضى بالانطباع والتاريخ يكتب على الهوى.
وقد كان أخطر ما انطوى عليه المسلسل التلفزيونى «الجماعة ٢» أن بعض وقائع التاريخ زيفت بخفة غير مسبوقة فى مثل هذا النوع من الدراما التاريخية.
القضية ليست أن تكون مع ثورة يوليو أو ضدها فى النظر إلى تاريخ الجماعة، الذى يقارب التسعين سنة، بقدر ما هى احترام حقائق ما جرى فعلا موثقا ودقيقا بغض النظر عن أى مشاعر تجاه يوليو و«جمال عبدالناصر».
لا يمكن لبلد يحترم تاريخه ويحترم نفسه أن يتقبل على خلاف الحقيقة نسبة إطلاق اسم الثورة على حركة الضباط الأحرار لـ«سيد قطب» ــ الرجل الأكثر تشددا وتطرفا، الذى خرجت من تحت عباءته تنظيمات العنف والإرهاب بالإقليم كله.
بما هو ثابت منشورا فى توقيته أن أول من أطلق اسم الثورة على يوليو هو عميد الأدب العربى الدكتور«طه حسين»، الرجل الأكثر انفتاحا على تحديث المجتمعات العربية، الذى خرجت من عباءته موجات الاستنارة فى مصر وعالمها العربى.
التاريخ هو التاريخ والحقيقة هى الحقيقة.
الرجلان ــ «طه حسين» و«سيد قطب» ــ رمزان لخيارين متناقضين وعالمين متخاصمين.
لماذا تورط المسلسل فى ذلك الادعاء؟
هناك سببان أحدهما درامى والآخر سياسى.
فيما هو درامى حاول المسلسل أن يبنى قصة الجماعة بعد يوليو (٥٢) على تقارب وتضاد «جمال عبدالناصر» و«سيد قطب».
بالغ بلا سند يعتد به على علاقة التقارب، كأن «قطب» هو مفكر الثورة، وأن «عبدالناصر» لم يكن يتخذ قرارا دون الرجوع إليه.
فى تلك العلاقة المفترضة بدا «عبدالناصر» ساذجا و«قطب» خفيفا.
لم يكن الأول هكذا، فقد أحكم سيطرته على المسرح السياسى، أمسك بكل الأوراق بيده وحسم صراع السلطة تماما.
ولا كان الثانى كذلك، فقد نازعت أفكاره رؤية المرشد المؤسس «حسن البنا» وبدت أكثر تماسكا ووضوحا وعنفا، والمجموعة القيادية التى أمسكت بمقاليد الجماعة قبل ثورة يناير يطلق عليها «القطبيون»، وكان تشدد خطابها من أسباب إطاحتها فى (٣٠) يونيو (٢٠١٣) وما بعدها، كما أن نفس الأفكار حكمت كل التنظيمات التى خرجت من عباءة الإخوان تكفر الدولة والمجتمع وتحكم عليهما بالجاهلية وترفع السلاح لفرض تصوراتها.
وصل الافتراء على التاريخ حدا يقارب مسرحيات اللا معقول كالادعاء أن «قطب» حضر اجتماعا لمجلس قيادة الثورة قرر إلغاء الأحزاب، وأن صوته رجح عدم حل جماعة «الإخوان المسلمين»، وأنه كان يجلس على رأس مائدة الاجتماع على الجهة المقابلة للواء «محمد نجيب» رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت.
هذه فبركة سياسية ودرامية لا جرت ولا يوجد دليل واحد عليها فى كل شهادات أعضاء مجلس قيادة الثورة، وبعضهم اختلف مع «جمال عبدالناصر» وسجل تفاصيل ما اختلف فيه.
وفق الأصول فى كتابة الدراما التاريخية من حق المؤلف أن يقرأ الحوادث بالطريقة التى تناسبه وأن يضيف من خياله أى شخصيات تشرح العصر وطبيعته وتحدياته شرط ألا يختلق واقعة لم تحدث، أو يزيف أخرى.
وفيما هو سياسى فإن المسلسل وقع فى مطب العداء لثورة يوليو، وبدا ذلك واضحا بأغلب مشاهده وروحه العامة.
لا قرأ السياق الذى استدعى يوليو للتاريخ فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا نظر فى التحديات والأفكار والتيارات الجديدة التى نشأت بعد تلك الحرب وأثرت على التكوين الفكرى والسياسى للضباط الأحرار، ولا أدرك أن الثورة بنت الوطنية المصرية فى لحظة ارتفعت فيها نداءات التحرر الوطنى والعدل الاجتماعى بالعالم كله.
أعطى المسلسل رسالة مفادها أن ثورة يوليو نشأت «إخوانية»، وأن «عبدالناصر» نفسه «إخوانى» فى بدايته قبل أن ينقلب على الجماعة.
لم يكن ذلك صحيحا، فقد مر «عبدالناصر» على حزب «مصر الفتاة» والتنظيمات الشيوعية مثل «حدتو» كما مر على الجماعة.
لم يبايع الجماعة ولكنه أقسم على المصحف والمسدس بعدم إفشاء أسرار التنسيق ــ حسب روايتى «خالد محيى الدين» و«كمال الدين حسين» عضوى مجلس قيادة الثورة.
هناك فارق كبير بين المبايعة والتنسيق، الإصرار على الفكرة الأولى جرت بهوى تصوير يوليو على أنها منتج إخوانى، وبالتالى فإن صدام «عبدالناصر» مع الجماعة خروج عن البيعة.
عدم التدقيق يربك أى نص تاريخى أو درامى، فلا عرفنا كيف وصل «سيد قطب» إلى تلك الدرجة من العنف والتكفير، ولا أدركنا مصادر التكوين الفكرى لـ«جمال عبدالناصر» التى أوصلته إلى أن يكون بعد سنوات قليلة من يوليو الرمز الأكبر للقومية العربية فى العصور الحديثة.
نحن نتحدث عن مشروعين متناقضين، كان الصدام بينهما محتم بصورة أو أخرى بعيدا عن أى خزعبلات انطوى عليها المسلسل.
عندما تعزل الثورات عن سياقاتها التاريخية فإنها «هوجة» ــ كما دمغت الثورة العرابية التى نعت أبطالها بـ«العصاة»، أو«انتفاضة رعاع» ــ كما قيل عن ثورة (١٩١٩) بزعامة «سعد زغلول»، أو«انقلاب» وقف وراءه الإخوان ــ كما وصفت ثورة يوليو فى هذا المسلسل، أو«مؤامرة» حسب الاتهام الشائع لثورة «يناير».
عندما تفرغ مصر من تاريخها وقواها وحيويتها وثوراتها فإنه لا يتبقى بنهاية المطاف غير الجماعة مصيرا وحيدا.
لم يكن ذلك قصد المؤلف، فمواقفه المعلنة تناهض الجماعة وما هو منسوب إليها من عنف مسلح وانتهازية سياسية.
غير أن العمل يذهب إلى العكس تماما، فالجماعة الحقيقة الوحيدة فى العصور الحديثة، وكل ما عداها ظلال لها ــ الثورات والتيارات والزعامات بلا استثناء.
لم يكن هناك داع درامى ولا سياسى واحدا لتعمد إهانة زعيم الوفد التاريخى «مصطفى النحاس»، الذى كان زعيم الأمة بلا منازع حتى اتفاقية (١٩٣٦)، لكنها الروح المعادية لإرث الوطنية المصرية.
هذا صلب الموقف كله، إذا لم ننظر إلى ذلك الإرث بشىء من الجدية، فحصا بالوثائق لا استغراقا فى الخزعبلات، فلن نعرف أين نقف، ولا أين كانت الأخطاء التى أوصلتنا إلى هنا؟
آخر ما تحتاج إليه مصر الآن أن ترتبك عليها الإجابات بعد أن تضيع منها الأسئلة الحقيقية ذاهبة إلى المجهول.