الأربعاء 26 سبتمبر 2018 2:06 ص القاهرة القاهرة 25.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

نصف انقلاب استراتيجى

نشر فى : الإثنين 11 نوفمبر 2013 - 7:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 11 نوفمبر 2013 - 7:00 ص

فى زيارته المرتقبة والمثيرة فى توقيتها وسياقها وموضوعها قد يخامر وزير الخارجية الروسى العتيد «سيرجى لافروف» السؤال ذاته الذى طرحه سلفه «شبيلوف» على الرئيس «جمال عبدالناصر» فى خريف (١٩٥٥) قبل التوقيع مباشرة على صفقة الأسلحة السوفيتية فى العاصمة التشيكية «براج»: هل مصر مستعدة أن تتحمل الضغوط الغربية وإلى أى حد بوسعها أن تصمد فى مواجهتها؟.. لكنه يدرك أن العالم اختلف بحقائقه وموازين القوى فيه وأن قواعد اللعبة لم تعد على النحو الذى كانت عليه فى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

فى سؤال «شبيلوف» خشية ما من أن تتراجع القاهرة بما يعرض سمعة الاتحاد السوفيتى كدولة عظمى إلى إهانة لا تحتمل.. وهو لا تتملكه هذه الخشية بذات الدرجة.

وفى السؤال رهان استراتيجى على دور لبلاده فى الشرق الأوسط يفتح أمامها المجال واسعا للنفاذ إلى إفريقيا وأن تحفظ مصالحها فى البحرين الأبيض والأحمر وعند المحيط الهندى.. وهو عنده ذات الرهان.

لم يكن «عبدالناصر» مستعدا أن يتراجع عن قرار تنويع مصادر السلاح أيا كانت الضغوط والتهديدات، فالمسألة تدخل مباشرة فى سلامة القوات المسلحة وقدرتها على مجابهة التحديات والمخاطر.. وفى خلفية تفكيره أن صفقة الأسلحة تتجاوز الاعتبارات العسكرية وضروراتها إلى تمركز جديد فى المعادلات الإقليمية يسمح بحرية حركة أكبر وقرارات يصعب اتخاذها فى ظل قيود السلاح وقد أفضت رؤيته إلى إضفاء حيوية كبيرة على السياسة المصرية فى محيطها وعالمها. هذه المرة الإجابة المصرية تستوحى إرثها الوطنى لكنها تحاول أن تخرج من أزمة تسليح جيشها بلا صدام كبير مع الإدارة الأمريكية أو إعلان قطيعة معها.

سؤال السلاح هو نفسه سؤال السياسة: إلى أى حد يمكن للسياسة المصرية أن تخرج عن الطوق الأمريكى؟

ما يجرى بالضبط اختبار قوة محدود لتعديل مسارات وإثبات أن مصر يمكن أن تتصرف بطريقة أخرى. فى التفكير نفسه جرأة استراتيجية ونظرة مختلفة وواقعية لحقائق القوة فى العالم المعاصر.

حديث السلاح هو الموضوع الرئيسى على أجندة «لافروف» قادما من جنيف ووزير الدفاع «سيرجى شويجو» قادما من موسكو على رأس وفد يضم مسئول دائرة التعاون العسكرى وممثلين لشركة أسلحة روسية. تحفظ الذاكرة المصرية زيارات على ذات المستوى لقيادات عسكرية روسية مثل وزير دفاعها الأشهر الماريشال «جريتشيكو» وكبير خبرائها العسكريين فى مصر الجنرال «لاشينكو» الذى ساعد فى نهاية (١٩٦٨) على وضع خطة عمل عسكرى واسع على الجبهة مع الفريق «عبدالمنعم رياض» رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية.

ما يحدث الآن فيه شىء مما انقطع لأربعين سنة وتفاهمات جرت فى الكواليس بين القاهرة وموسكو، فلا شىء فى علاقات الدول يخرج إلى العلن فجأة بلا مقدمات تسبقه ناقشت التفاصيل، وكانت زيارة رئيس الاستخبارات الروسية إحدى المقدمات المقصودة قبل زيارة «لافروف» و«شويجو»، أو السياسة الروسية بجناحيها الدبلوماسى والعسكرى. وهو تطور له دلالاته دون أن تذهب انقلاباته إلى نهاياتها.

بعبارة وزير الخارجية المصرى «نبيل فهمى» فى وصف المشهد وتحولاته: «أستشعر رغبة وأرى اهتماما فى توسيع التعاون العسكرى مع روسيا بالتزامن مع توسيع تعاوننا العسكرى مع الولايات المتحدة».

وهناك إشارات جوهرية على هامش التحولات الجديدة. أولاها أن التعاون العسكرى بين مصر وروسيا لم ينقطع وهناك اتفاقيات موقعة مازالت سارية تخص بالأساس منظومة الدفاع الجوى وتعود إلى مطلع القرن الحالى، ولم تكن تلك الاتفاقيات العسكرية سرا على الولايات المتحدة، فقد كانت على علم وإطلاع، وتشمل الاتفاقيات الموقعة أسلحة أخرى وقطع غيار ضرورية. وثانيتها أن الاتصالات حول استعادة شىء من الزخم فى التعاون العسكرى بدأت منذ نحو شهرين بلا توجه لقطيعة فى مستويات التعاون العسكرى مع الولايات المتحدة، والمعنى أن فكرة تنويع مصادر السلاح لم تكن وليدة الوقف الجزئى للمساعدات العسكرية الأمريكية، لكن الوقف الجزئى أثبت صحة التوجه الجديد. وثالثتها أن تفاهمات مع الروس جرت على مهل فى الكواليس شارك فيها عسكريون ودبلوماسيون فيما وصفه مطلع على الملف بـ«حالة انسجام وطنى افتقدناها لعقود طويلة».

الاتصالات والتفاهمات وصلت معلوماتها بطريقة ما إلى الإدارة الأمريكية. ربما أخذتها فى البداية على محمل الاستهتار، فالقاهرة لا تجرؤ على مثل هذه الخطوة الدراماتيكية فى أوضاعها السياسية والاقتصادية الحالية، لكنها بدأت تتنبه إلى أن هناك شيئا ما يتحرك ويوشك أن يخرج للعلن. وصل وزير خارجيتها «جون كيرى» للقاهرة بلا إعداد مسبق. الزيارة لم تكن على جدول أعماله فى المنطقة والخارجية الأمريكية نفت أكثر من مرة أن يكون وزيرها فى طريقه للقاهرة. وفيما يبدو أن «كيرى» جاء فى مهمة إنقاذ لوقف نزيف العلاقات وتخفيض التوتر فيها بما يمنع القاهرة من المضى فى تفاهماتها العسكرية مع موسكو إلى أبعد مما هو مقبول أمريكيا. بحسب معلومات محققة فإن «كيرى» لم يشر فى زيارته القاهرية إلى الملف الروسى وما يجرى فى الكواليس من تفاهمات عسكرية لصفقات سلاح، وكان كلامه فى توقيته رسالة مزدوجة إلى السلطة والجماعة بأن الإدارة الأمريكية حسمت خياراتها لصالح خريطة الطريق، كأنه أراد أن يقول: «اللعبة انتهت والمصالح الأمريكية هى التى تحكم فى النهاية». باعتقاد من يتابعون الملف الحساس فإن مصر لا يصح أن ترهن قرارها التسليحى لطرف دولى واحد و«التجربة الهندية» ماثلة فى التزود بالسلاح ونظمه المتقدمة من الولايات المتحدة والاتحاد الروسى على السواء، رغم أنها كانت تعتمد على السلاح الروسى وحده فى مطلع السبعينيات عندما خاضت حربا ضارية مع باكستان بسلاحها الأمريكى، وهو الأمر الذى كانت عليه مصر فى ذات الآونة قبل أن تنقلب على حليفها الروسى وترهن تسليحها بالكامل للطرف الآخر فى معادلات الحرب الباردة. هذه المرة هناك ميل مصرى للتوازن التسليحى لكن ألعاب السلاح لا تمضى بالمخططات الفكرية المسبقة. فى أنصاف الانقلابات الاستراتيجية تظل الأسئلة معلقة على تفاعلاتها.. كيف تتصرف الولايات المتحدة التى بدأت تستشعر فى الكونجرس تبعات حماقة الوقف الجزئى للمساعدات العسكرية؟.. وإلى أى حد هى مستعدة أن تتقبل خروجا محدودا من عباءتها الثقيلة وأن تقتدى مصر بـ«التجربة الهندية» فى تنويع مصادر السلاح التى استوحتها بدورها من تجربة مصرية سابقة على عهد «جمال عبدالناصر»؟.. وماذا تطلب روسيا وعلى ماذا تراهن بالضبط؟

زيارة «لافروف» الدبلوماسى الروسى المحنك الذى يحتل موقعه منذ نحو (١٠) سنوات تستهدف فى المقام الأول استكشاف الأوضاع الجديدة فى مصر وفرص الرهانات المستقبلية على قيادتها الصاعدة وفى خلفيته وهو قادم من جنيف أزمتين كبيرتين فى الشرق الأوسط يحاول حلحلتهما، فهو يدير من موقعه ملفى «الحرب فى سوريا» و«الأزمة مع إيران». فى الأولى تمكن من منع ضربة عسكرية أمريكية لمواقع عسكرية سورية وصياغة حل سياسى يسمح بتدمير السلاح الكيماوى السورى من ناحية والذهاب إلى تسوية سياسية محتملة فى «جنيف ٢» من ناحية أخرى .. وفى الثانية يساعد بدور كبير فى صياغة تفاهم أمريكى إيرانى يقضى بتخفيض متزامن فى المشروع النووى الإيرانى والحصار الاقتصادى الغربى.. لكن النتائج الأخيرة فى الأزمتين معلقتان فى الهواء والقاهرة تمثل له من ناحية استراتيجية فرصة أن تقف بلاده على أرض ثابتة فى المنطقة الملتهبة بصراعاتها بما يؤكد دورها العالمى ويوازن الولايات المتحدة اللاعب الأساسى الدولى فيها.

السلطة الجديدة لديها رهان التوازن نفسه لكن دون أن تكون قد قررت أن تدخل معركة كسر عظام على النحو الذى انتهجه «جمال عبدالناصر» فى منتصف الخمسينيات وما بعدها وما يحدث أقرب إلى نصف انقلاب استراتيجى فى معادلات اللعبة الاستراتيجية وموازينها حتى لا تخضع للضغوطات الأمريكية على عصب التسليح الحساس.

شىء من المساحة مع الإدارة الأمريكية وسياساتها دون وضع متاريس والدخول فى صدام، والكلام ذاته فيه خرق لقواعد لعبة استقرت على مدى أكثر من ثلاثين سنة كرست فكرة أن النظم تتحدد مصائرها فى البيت الأبيض، هكذا اعتقد الرئيسان السابقان «حسنى مبارك» و«محمد مرسى» على التوالى. والمثير أن الثعلب الروسى «فلاديمير بوتين» بخبرته فى الاستخبارات والحكم قال بعد لقاء فى بيته الريفى مع الأخير أن مقامه فى الرئاسة لن يطول.

بحسب معلومات مقربة من الدوائر الروسية فإن الكريملين الذى رحب بما جرى فى (٣٠) يونيو أخذ حذره فى الاقتراب من السلطة الجديدة، فالوضع الانتقالى يدعو بذاته إلى الحذر، غير أن تصاعد «صوت الشارع» فى مصر داعيا إلى اقتراب مع موسكو لكسر احتكار السلاح الأمريكى ولغة العجرفة التى تستخدمها فى الشأن المصرى بدأ يؤثر فى صانع القرار تحت قباب الكريملين المذهبة ويدعوه إلى اقتناص فرصة قد لا تتكرر مرة أخرى فى أى مدى منظور.

فى مستوى الزيارة الروسية بجناحيها الدبلوماسى والعسكرى ما يزكى معلومات أولية عن قرب زيارة رجل الكريملين القوى «فلاديمير بوتين» للعاصمة المصرية.

العبارات الدبلوماسية المتبادلة وصفت العلاقات بين البلدين بـ«علاقات الاحترام المتبادل والصداقة طويلة المدى»، ومع تجاوز ما هو تقليدى ومعتاد فى الصياغات الدبلوماسية فإن لنصوصها وقعا مختلفا كأنه ملح على جرح مفتوح، فقضية الندية فى العلاقات الدولية تضغط على الرأى العام المصرى وتثير غضبه من جراء الاستهتار بأمنه القومى والتعامل الطويل مع البلد كأنه محمية أمريكية.

هذا هو المحرك الرئيسى لتنويع مصادر السلاح فى نصف انقلاب استراتيجى